6
لحسن الحظ، يبدو أن كلماتي قد أتت أكلها.
‘كنتُ أخشى ألا يعير حتى هذا الخبر أدنى اهتمام، ولكن…’
استدار نحوي أخيراً.
“….”
كان ما يرتسم في عينيه الزرقاوين القاتمتين هو بلا شك…
“ماذا قلتِ للتو؟”
الارتباك.
وأنا أعلم يقيناً سبب هذا الارتباك الذي حلَّ بذلك الرجل؛ لأن مايكل…
‘يمقتُ الأطفال.’
في عائلات النبلاء، يُنظر إلى إنجاب الوريث من قِبل سيدة البيت كواجبٍ مقدس ومحتم.
لذا، فحتى لو كان الزوجان مرتبطين بزواج مصلحة يخلو من الحب، تظل العلاقة الحميمة من أجل إنجاب الوريث أمراً لا مفر منه.
ولكن، كيف لرجلٍ مثله، غارقٍ دائماً في رحلات عمله وانشغالاته، أن يجد وقتاً لذلك؟
ذات يوم، استوقفتُه وتوسلتُ إليه قائلة:
“مايكل، ألا يمكنك المبيت في غرفتي الليلة؟”
حينها، ارتسمت على وجهه ابتسامة ملتوية وهمس لي قائلاً:
“هل تحاولين الآن استخدامي لإنتاج الوريث فحسب؟”
“ماذا؟.. لم يكن هذا قصدي أبداً. مايكل، أنا…”
“مهما حاولتِ تجميل كلماتكِ، فلا أرى فيها سوى أنكِ تعاملينني كأداة.”
“….”
“أم أن زوجتي العزيزة قد استبدَّ بها الشوق لدرجة الرغبة في البقاء مع زوجٍ لم تره إلا لماماً؟”
أمسك بذقني وكأنه يغويني، مقترباً مني لدرجة كادت أنفاسنا فيها أن تتلامس، ثم فجأة، تحول وجهه إلى برودٍ قارس:
“إن لم يكن الأمر كذلك، فلا تفتحي هذا الموضوع ثانيةً. أنا أمقتُ الأطفال الباكين الناحبين حد اللعنة.”
بذلك الوجه الصارم، أعلن صراحةً كرهه للأطفال.
‘رفضه المستمر كان سببه بوضوح هو كرهه للأطفال.’
أو ربما لنكن أكثر دقة:
‘لعله لا يريد أن يرث طفلٌ مني ثروته.’
بالنسبة لرجلٍ يقضي وقته في العمل وجمع المال، فإن المال هو أسمى القيم لديه.
ولا بد أن فكرة أن تذهب ثروته لطفلٍ تنجبه امرأة يراها عديمة القيمة تجعل الدماء تغلي في عروقه.
“…. قلتُ لك أني حامل.”
لعل هذا هو السبب.
ظل يرمقني بنظرات حادة وصامتة لفترة، دون أن ينبس ببنت شفة.
ربما كان يتمنى من أعماق قلبه أن يكون هذا الموقف مجرد حلم…
وبعد صمتٍ طويل، وكأنه أصمّ أبكم، فتح فمه أخيراً.
كانت هناك ابتسامة ساخرة باردة ترتسم على ثغره.
“لهذا السبب إذن.”
“….”
“لهذا طلبتِ مني الطلاق.”
بدت كلماته خاوية، وكأنه يوجهها لنفسه أكثر مما يوجهها لي.
لكن الثابت أن حدة غضبه قد خفتت قليلاً عما كانت عليه قبل لحظات.
‘ربما يعتقد أنه لا مفر من الأمر الآن.’
أومأتُ برأسي قائلة:
“نعم، هذا صحيح. بما أنك تمقت الأطفال، فأنا لا أريد منك أي تعويضات مالية. كل ما أرغب فيه هو الطلاق ومغادرة هذا القصر…”
في تلك اللحظة بالذات…
“…. هلا أغلقتِ ذلك الفم اللعين؟”
دوى صوته المنخفض والمهدد في أرجاء المكتب الخاوي كصوت الرعد.
“ماذا.. ماذا قلت؟”
خبط.. خبط.
بدأ يسير نحوي، مقلصاً المسافة بيننا خطوة بخطوة، حتى…
“…. آه.”
أمسك بمعصمي بقوة.
وفي اللحظة التي دفع فيها بجسدي إلى الوراء واستعدتُ فيها وعيي…
كان ظهري قد ارتطم بالحائط.
رفعتُ رأسي لأجده، بطوله الفارع الذي يتجاوزني بكثير، يهبط بنظراته نحوي.
وكانت قبضته تعتصر معصمي بشدة.
لم أستطع فهم هذا الموقف.
فإجبار الطرف الآخر وحصره كان عادةً تظهر عليه حين لا يروق له أمرٌ ما.
وعندما وصل تفكيري إلى هذه النقطة، داهمتني نذير شؤم.
لقد كان هذا الرجل هو نفسه الذي رفض الطلاق قبل قليل.
‘…. أيعقل أنه سيأمرني بالتخلص من الطفل؟’
مع هذا الخاطر، سقط قلبي في هاوية من الرعب.
حينها، ارتفعت يده نحو وجهي، ثم هبطت ببطء من شفتي السفلى مروراً بخط عنقي وصولاً إلى عظمة الترقوة.
كانت لمسته وئيدة، لكن عينيه اللامباليتين اللتين خلتا من أي ذرة عاطفة جعلتني أشعر بشيء واحد:
أنه يكتم غيظاً عارماً.
تملكني خوفٌ من أن تلك اليد قد تفعل بي الأفاعيل إن خرج الأمر عن سيطرته.
“مـ- مايكل.”
ارتجفت أهدابي رغماً عني.
انزلق إبهامه الذي لامس رقبتي ببطء فوق جلدي ثم توقف.
والتقت عيناه بعيني مباشرة.
” أشعر وكأنكِ تختبرين صبري في بعض الأحيان.”
“….”
“أتساءل إلى متى ستصمدين، ومتى سأرى وجهكِ وهو ينهار تماماً. ولكن، اسمعي جيداً.”
“…. مـ- مايكل.”
“أنا أمقتُ الذين يتجاوزون حدودهم.”
“ماذا تعني بـ…”
“أعني أن لتهاوني معكِ بصفتكِ زوجتي حدوداً. هل تفهمين؟”
*عندي احساس ان الحمار يعتقد ان الطفل مش طفله *
كان صوته حازماً وبارداً كريح الشتاء التي تمزق الجلد.
ولكن، بسبب نظراته الغائرة وتعبير وجهه الجاف الذي بدا وكأنه يكبح عاصفة من المشاعر، شعرتُ وكأنني أمام وحش كاسر انتهى لتوّه من وليمة دسمة ويوجه تحذيراً أخيراً لفريسته.
تحذيرٌ مفاده: إن تجاوزتِ هذه المنطقة، سألتهمكِ.
تصلب جسدي بالكامل تحت وطأة ذلك الضغط.
وشعرتُ أن ساقيَّ لم تعودا قادرتين على حملي أكثر من ذلك.
“آه!”
أفلت معصمي فجأة.
ثم استدار بظهره، وقال بصوتٍ لا يزال يفتقر إلى أية نبرة تدل على مشاعره:
“سأعتبر ما سمعتُه اليوم و كأنه لم يكن.”
“….”
“سأمنحكِ شهراً واحداً لتتصرفي في ذلك الشيء في بطنكِ وتنهي أمره. الخيار لكِ، ولكن كما قلت، إن استمررتِ في اختبار صبري، فستنتظركِ أسوأ العواقب التي يمكن تخيلها.”
“مـ-ماذا.. ماذا يعني هذا؟”
هل سمعتُه حقاً؟
لقد غرست كلمة تصرّفي في قلبي كالمسمار.
بماذا أتصرّف..؟ وعن أي شيء يتحدث؟
“سأذهب الآن.”
وبينما كنتُ غارقةً في ذهولي، فُتح الباب.
“انتظر لحظة، يا مايكل!”
هرعتُ خلفه أحاول اللحاق به، ولكن..
“إيان، جهز العربة فوراً.”
“مايكل..!”
كانت خطواته الواسعة أسرع من أن تدركها قواي الخائرة.
وفوق ذلك، وبإشارةٍ خفيفة من يده، تحركت الخادمات اللواتي كنّ منتشرات في أرجاء القصر.
“سيدتي، لا يجوز لكِ فعل هذا.”
“مايكل! اتركوني، لديّ ما أقوله له! مايكل!”
وبينما كنتُ أصارع قبضاتهن، كان قد صعد إلى العربة وأُغلق الباب خلفه.
راقبتُ العربة وهي تبتعد مسرعة، وحينها أدركتُ الحقيقة المرة:
‘.. لا فائدة.’
ليست لديه أدنى نية للاستماع إليّ.
حتى لو لم يكن الأمر كذلك..
“آه..”
انهارت قواي وجلستُ على الأرض كمن فقدت روحها.
“…. سيدتي؟”
ماذا سمعتُ للتو؟
إن كان التصرف الذي عناه هو ذاته ما دار في خلدي..
شعرتُ وكأن الدماء تنسحب من عروقي بالكامل.
“…. مستحيل.. لا يمكن..”
لقد وقع المحظور، وحدثت أسوأ مخاوفي التي لم أرغب يوماً في مواجهتها.
بينما كنتُ جاثيةً على أرضية الردهة، اقتادتني الخادمات قسراً إلى غرفتي.
ارتميتُ على السرير ورحتُ أحدق في الفراغ لساعات، فالموقف جردني من الإحساس بالواقع.
حتى حين شُخصت بمرضي الذي سيقصر عمري، لم أشعر بهذا القدر من عدم الواقعية..
لعله الإدراك الذي صفعني مجدداً:
‘هو حقاً لا يرى فيّ أي شيء.’
يحتفظ بي في منزله ككأس نصرٍ ثمينة، لكنه لن يسمح لي بأكثر من مجرد البقاء صامتة، حتى لو تعلق الأمر بطفل..
‘مهما بلغت قسوته، إنه طفله! كيف يطاوعه قلبه؟’
قشعريرةٌ من الرعب سرت في جسدي تجاه تجرده من المشاعر.
لم يكن هذا تصرف إنسان، بل وحش يطالب بالتخلص من روح.
كنتُ أعلم أنه رجل أعمال بدمٍ بارد، لكنني اليوم رأيتُ قاع قسوته السحيق.
شعرتُ بالخزي من نفسي؛ كيف لي أن أشارك حياتي مع رجلٍ مخيف كهذا وأحمل منه طفلاً؟
‘ماذا فعلتِ بنفسكِ يا إيفلين..؟’
أمسكتُ بيدي المرتجفة باليد الأخرى أحاول تهدئتها، وبالفعل، هدأ الارتجاف بعد قليل.
ربما لأنني كنتُ أتوقع نهايةً كهذه منذ اللحظة الأولى التي طرقتُ فيها بابه.
‘.. أجل، لطالما كان هذا طبعه.’
أنا لا أؤمن بأن البشر يتغيرون بسهولة.
لم يكن لديّ أدنى أمل بأن يتغير ذلك الرجل الذي ظلَّ جافياً لثلاث سنوات بمجرد معرفته بوجود طفل.
كل ما كنتُ أصبو إليه هو قليلٌ من الاهتمام.
كان قصر روتشستر فسيحاً، لكنه لم يمنحني زاويةً واحدة أشعر فيها بالانتماء، وكان ذلك ثقلاً لا يطاق.
تلك الليلة التي قضيناها معاً كانت ليلةً بلغت فيها طاقتي على الصمود حدها الأقصى.
ليلةٌ تمنيتُ فيها أن ينتهي كل شيء.
غاب عني العقل للحظات، فتشبثتُ بعمياء بكلمات نسوة القصر رغم أنني كنتُ أتوقع كل ما سيحدث.
كان قراراً يفتقر للمسؤولية، لكنه كان صرختي الأخيرة للنجاة.
أعلمُ أنه ذنبٌ لا يغتفر، لقد جنيتُ على هذا الجنين الذي في داخلي.
‘أنا آسفة يا صغيري.. لقد حملتُ بكَ بسبب أنانيتي.’
قد يكون قرار التخلص منه هو القرار الصائب كما قال مايكل، ولكن..
‘لا يمكنني فعل ذلك.’
كان الوحامُ شاقاً، لكنه كان الدليل الوحيد على أن ثمة حياة تنبض بداخلي.
كيف لي أن أتجاهل نفساً تصرخ بكل كيانها لتعيش؟
كيف أتخلى عن طفلي الذي سيشبهني حين يولد؟
‘.. هل كان هذا هو شعور أمي؟’
أُمي التي طُردت من عائلتها قبل ولادتي.
عاشت كعشيقة للدوق ثم انتهى بها الأمر كقروية بائسة، كانت تشرب كثيراً لتندب حظها، وأحياناً كانت ترفع يدها لتضربني.
لكنها سرعان ما كانت تنهار باكية وتضمني بجسدي الصغير.
“أمك متعبة فحسب.. لو كانت حياتي أهون قليلاً..”
حينها، وأنا بين ذراعيها، كنتُ أتقبل دفئها بجمود وأفكر:
‘لو كان الأمر هكذا، ليتكِ لم تنجبيني.’
وحين كبرتُ قليلاً، ظننتُ أنها كانت حمقاء.
لو أنها تخلصت مني، لما طُردت وتلقت الصفعات من الزوجة الشرعية.
وفي النهاية، ماتت تحت عجلات عربة وهي تحاول حمايتي.
تلك كانت صورتها الأخيرة في ذاكرتي؛ عيناها المقلوبتان بذهول تحت عجلات العربة الباردة.
قابلتُ الدوق أثاناسيوس، والدي، في جنازة أمي.
يا لسخرية الموقف..
أفقتُ من ذكرياتي لأجد أنني أصبحتُ تلك الحمقاء ذاتها.
خرجت مني ضحكة باهتة.
لكنني سأكون مختلفة عن أمي.
“صغيري، أمك تعتذر منك.. ولكن..”
‘لن أجعلك تعيش كما عشتُ أنا.’
لا أعدك بملابس فاخرة أو قصرٍ فخم، لكنني أعدك ألا أمد يدي عليك أبداً.
سأحميك مهما كلفني الأمر.
‘لذا، سامحني لأنني سأنجبك بلا أب.’
عزمتُ على مغادرة هذا القصر.
تماما كما كانت نيتي حين ذهبتُ لمايكل أول مرة.
بالطبع، يراودني الخوف وأنا أهمُّ بترك القصر الذي سكنته لثلاث سنوات.
هل سأستطيع رعاية طفلي دون دعم زوجي؟
ولكن..
‘لقد قضيتُ ثلاث سنوات وأنا أتردد.’
والآن، لم تتبقَّ لي سوى ثلاث سنوات أخرى.
يا لها من مصادفة عجيبة.
لقد كفتني السنوات الثلاث الماضية رقصاً على ألحان ذلك الاستبداد.
‘.. سأرحل.’
من أجل حماية طفلي، ومن أجل الهروب منه وبدء حياة جديدة.
جاء دوري لأكون أنا من يتخلى عنه أولاً قبل أن يتخلى هو عني تماماً.
ترجمة Nova
التعليقات لهذا الفصل " 6"