5
كانت تلك هي التعويذة السحرية التي مكنتني من الصمود طيلة ثلاث سنوات في جحيم روتشستر.
بل في الحقيقة، لم تكن سوى لعنةٍ عذبتني بالأمل الزائف، وجذبتني نحو الهاوية.
‘انتظري فحسب، وسيأتي يومٌ جميلٌ لا محالة.’
في البداية، انتظرْتُ.
ولكن، بعد انكساراتٍ مريرة ومتلاحقة، أدركتُ أخيراً أن ذلك اليوم الجميل لن يطأ عتبة حياتي أبداً مهما طال الانتظار.
‘لن يلتفت مايكل.. إليّ أبداً.’
وحين تملكتني فكرة أنه قد لا ينظر إليّ طوال حياتي، شعرتُ وكأن الروح تنسلُّ من عروقي.
‘لا يمكنني الاستمرار في العيش هكذا إلى الأبد.’
ثم تذكرتُ كلماتٍ سمعتها ذات يوم من نسوة القصر:
“ما الخطبُ بين السيد والسيدة يا تُرى؟”
“المشكلة في غياب الأطفال بلا شك، فبمجرد قدوم طفل، ستتحسن علاقتهما وتعود المودة بينهما تلقائياً.”
‘.. هل ستتغير علاقتي بمايكل لو رُزقنا بطفل؟’
إنه لمن الحمق أن أرهن مصيري بكلمةٍ عابرة قيلت هنا أو هناك، لكنني كنتُ متشبثةً بأي بارقة أمل، فقد كنتُ في أمسِّ الحاجة إليها حينها.
“…. مايكل، هذه أنا. هل عرفتني؟”
“…. إيفلين.”
في ليلةٍ عاد فيها غارقاً في سكره، تسللتُ إلى غرفة نومه.
“لديّ رجاءٌ واحد. ابق معي ليلةً واحدة فقط، وأعدُك ألا أزعجك بعد اليوم.”
لعلّ عرضي بألا أزعجه مجدداً قد راق له؛ ففي تلك الليلة، غمرني مايكل بين ذراعيه.
واليوم، وبعد مرور شهرين على تلك الليلة..
“أُوك.. أُوك…”
راودني ظنٌّ بأن هذا قد يكون وحاماً، فالدورة الشهرية قد انقطعت عني منذ مدة ليست بالقصيرة.
وبمجرد أن استقر يقيني، توجهتُ فوراً إلى طبيبٍ بالقرب من مقاطعة روتشستر.
كان ذلك خياري الأمثل، إذ لم أكن أثق بأي شخصٍ في القصر.
وهناك، تلقيتُ التشخيص اليوم.
وجاءت النتيجة تماماً كما توقعت:
“مباركٌ لكِ، أنتِ حاملٌ في شهركِ الثاني.”
لكنني في ذلك المكان، واجهتُ متغيراً لم يكن في حسباني قط.
“ولكن، بناءً على حالتكِ الصحية الحالية، أرى أن الولادة ستكون مستحيلة.”
“ماذا.. ماذا تعني بذلك؟”
“…. حالتكِ الجسدية سيئة للغاية. لِمَ تأخرتِ كل هذا الوقت قبل المجيء إلى العيادة؟”
أخبرني الطبيب أنني مصابة بمرضٍ نادر.
“في البداية، ستشعرين بنزلات برد متكررة وصداع، ثم ستبدأ وظائف أعضائكِ بالتدهور تدريجياً، وفي النهاية….”
سأموت.
كانت الكلمات كصاعقةٍ هبطت من سماءٍ صافية.
“…. أمامكِ ثلاث سنوات على الأكثر. وحتى هذه المدة قد تقصر إن لم تتخلي عن الجنين.”
“ألا يوجد.. ألا يوجد سبيلٌ لعلاجي؟”
“لقد فات الأوان. لو اكتشفنا الأمر مبكراً لكان هناك أمل، فضلاً عن أن تكاليف العلاج باهظة جداً.”
“ما مدى ضخامتها؟”
“ربما ستكلفكِ قرابة مليار إيكارت.”
***
عدتُ إلى القصر، ورحتُ اتراوح في كلمتي الموت والحمل في التقرير الطبي الذي بين يدي، حتى كادت الكلمات تمحى من كثرة ما قلبتُ بصري فيها.
قال الطبيب أنني قد أنجو بوجود الدواء، لكن مليار إيكارت مبلغٌ ضخم يكفي لشراء قصرٍ ضخم في العاصمة.
لم يكن لي سبيلٌ لامتلاك ثروة كهذه.
فكرتُ للحظة في التخلي عن كبريائي وطلب المساعدة من عائلتي، لكنني تذكرتُ كيف باعوني بالزواج ولم يسألوا عن أحوالي لثلاث سنوات؛ فلم يبدُ لي أنهم سيمنحونني هذا المال.
أما مايكل، فقد كان من المستحيل أن أطلب منه ذلك.
‘كيف لي أن أطلب مالاً إضافياً من رجلٍ خسر بسببي مئة مليار إيكارت؟’
في الواقع، كان شعوري باليأس من قيمة حياتي يفوق شعوري بالذنب.
تسلل إلى ذهني سؤالٌ مرير:
هل تستحق حياتي التي أعيشها بوضاعةٍ أسوأ من العبيد أن يُنفق عليها مليار إيكارت؟
وبما أن فرصة نجاتي ضئيلة جداً، لم أجد في نفسي الرغبة في الاقتراض والمجازفة.
غير أن الأمر برمته بدا لي مجرداً من الواقعية.
‘أنا.. سأموت.’
غاب وعيي لبرهة أمام هذه الفكرة التي لم تخطر ببالي يوماً، ثم سرعان ما انبثق سؤالٌ آخر:
‘هل سيحزنُ عليّ أحدٌ لو متُّ؟’
تخيلتُ صورة زوجي مايكل وهو يقف أمام جثماني.. ولكن..
‘مستحيلٌ أن يفعل ذلك الرجل.’
ومن السخرية أنني بعد تفكيرٍ عميق، لم أستطع حتى تخيل مسحة حزنٍ واحدة على وجهه.
ثلاث سنوات؛ تلك هي المدة التي قضيتها في هذا القصر.
وطوال ذلك الوقت، ظلَّ هو ثابتاً على بروده وجفائه، ولم يتغير شيءٌ مهما بذلتُ من جهد.
فما هي الاحتمالات بأن تتغير تلك السنوات الثلاث فيما تبقى لي من وقت؟
وهل سيجدي نفعاً أن أقول لرجلٍ مثله أنني أحمل طفله؟
‘.. لا أظن ذلك.’
حينها شعرتُ يقيناً أن الوقت قد حان لوضع نهاية لهذه العلاقة الباهتة.
***
“…. فلننفصل، لنحصل على الطلاق.”
للحظةٍ عابرة، ظننتُ أنني قد أندم.
لكن الندم شعورٌ نختبره حين نفكر في مستقبلٍ بعيد، وأنا التي لم يتبقَّ لها سوى ثلاث سنوات، ألن أكون بخير؟
وفوق كل شيء، هو نفسه لن يرغب في وجود جثةٍ في قصره.
ربما كان ينتظر مني نطق هذه الكلمات بفارغ الصبر.
“ماذا تعنين بهذا الكلام؟”
كما توقعتُ تماماً.
اتسعت عيناه وهو يسأل، على غير عادته حين كان يقابل كل كلماتي ببرودٍ ولامبالاة.
‘هل نطقتُ أخيراً بشيءٍ يثير اهتمامه؟’
كان من المخزي أنني حتى في هذه اللحظة أهتم برد فعله، لكن ذلك زاد من إصراري.
‘النهاية هي القرار الصواب.’
لأنني استطعتُ أن أرى مستقبلاً لا يمنحني فيه ذرة اهتمام حتى لو فارقتُ الحياة حقاً.
“لقد فكرتُ في الأمر ملياً، وأعتقد أنه من الأفضل لنا أن نفترق.”
مددتُ ورقة الطلاق التي أعددتها مسبقاً نحوه.
عند سماع كلماتي، انقبض حاجب مايكل.
بدا منزعجاً بوضوح.
وبينما كنتُ أشعر أن نظراته المصوبة نحو ورقة الطلاق لم تكن عادية..
“أليس هذا ما كنتَ تريده أنتَ أيضاً..”
تك.
شعرتُ بضغطٍ ثقيل على كتفيّ.
رفعتُ رأسي، فإذا به ينظر إليّ بشزر وهو يقبض على كتفيّ بقوة ويهبط بنظراته نحوي.
وفي اللحظة التي تلاقت فيها عيناي بعينيه الزرقاوين القاتمتين اللتين اشتعلت فيهما نزعةٌ دموية، سرت في جسدي قشعريرةٌ باردة.
“لم آتِ إلى هنا لنتحدث في مثل هذه الأمور.”
“…. مـ- مايكل.”
“فسري لي الأمر بوضوح. ما الذي دفعكِ فجأة لتبني مثل هذه الأفكار الحمقاء؟ طلاق؟”
“مايكل، أنت تؤلمني.”
في تلك اللحظة، هل كان مجرد وهمٍ أنني شعرت بقبضته التي تطوق كتفيّ قد ارتخت قليلاً؟
لكن نظراته التي كانت لا تزال تخترقني ظلت مشحونة بنزعة دموية.
ارتجف جسدي أمام تلك النظرات التي تشبه نظرات المحققين، وقبل أن يطول صمتي، فتحتُ شفتيّ:
“…. لم أعد أحتمل أكثر من ذلك.”
“ماذا؟”
في تلك اللحظة، اهتزت نظرات مايكل بعنف؛ وكأنه لم يتوقع قط أن تخرج مثل هذه الكلمات من ثغري.
“ماذا تعنين بهذا الكلام؟”
غصَّ حلقي فجأة، وانفجر بركان من الغضب المكبوت حين استحضرتُ شريط أحداث السنوات الثلاث الماضية.
“أنا….”
“….”
“أكاد أختنق، يا مايكل.”
“…. تختنقين؟ من ماذا؟”
سألني بملامح بدت عليها الحيرة، وكأنه يجهل كل شيء حقاً.
خرجت مني ضحكة ساخرة مريرة؛ فقد شعرتُ في تلك اللحظة، من جديد، بمدى انعدام اهتمام هذا الرجل بي.
“من موقفك هذا.. من برودك.”
“…. موقفي؟”
عقد حاجبيه بحدة وأردف:
“وماذا فعلتُ لكِ بحق الخالق؟”
“لم يحدث أن استمعت إليّ قط.. ولو لمرة واحدة. لم تسألني يوماً كم هي شاقة حياتي في هذا القصر، وما هي المشاعر التي تضطرب في صدري، أو بماذا أفكر وأنا أصارع أيامي هنا.”
في تلك اللحظة، تشنج وجه مايكل وظهر عليه الاستياء.
“هل تحاولين القول الآن أن سبب طلبكِ للطلاق هو مجرد مزاجكِ السيئ؟”
“لا تتحدث عن الأمر وكأنه شيء تافه! لقد عانيتُ حقاً. منذ وطئت قدماي هذا البيت وطوال سنواتي الثلاث، لم يمر عليّ يوم واحد شعرتُ فيه براحة البال. ولا حتى ليوم واحد!”
التوى طرف فم مايكل بابتسامة ساخرة عند سماع كلماتي.
“إن كان هذا هو عذركِ، فلديّ أنا أيضاً الكثير لأقوله.”
“ماذا قلت؟”
“لعلكِ لم تنسي بالفعل الخسائر الفادحة التي تكبدتُها بسبب عائلتكِ.”
“….!”
في تلك اللحظة، استعدتُ رشدي فجأة.
لقد كنتُ أحاول تناسي الأمر؛ ذلك السبب الكامن وراء كل شقائي، والدافع القوي الذي جعل العلاقة بيننا تنكسر بهذا الشكل.
“هل تعلمين كم كافحتُ وعملتُ بجدٍّ طوال السنوات الثلاث الماضية لتعويض تلك الخسارة؟ لقد عملتُ بلا هوادة، دون يوم واحد للراحة. ثم تأتين الآن لتتحدثي عن الطلاق؟”
“….”
“هل نسيتِ ما قلته لكِ بوضوح قبل ثلاث سنوات؟”
في تلك اللحظة، انزلقت نظراته التي أصبحت غامضة من وجنتي لتستقر ببطءٍ وثبات عند أسفل عظمة الترقوة.
“أنتِ ملكي.”
لو قيلت هذه الكلمات بين حبيبين لكانت تعبيراً مغوياً عن رغبة في التملك، لكنها في هذا الموقف كانت شيئاً آخر تماماً.
لقد أدركتُ حينها..
أن الملكية التي يدعيها هذا الرجل ما هي إلا….
“آه.”
أمسك بذقني ورفع رأسي بقوة لتلتقي عيناي بعينيه.
كان ما رأيته في زرقة عينيه في تلك اللحظة هو الغطرسة المحضة؛ غطرسة رجل يملك يقيناً تاماً بالسيطرة، يقينٌ بأنني لن أستطيع أبداً الإفلات من قبضته.
“…. أنا كنتُ بحاجة إلى الدماء النبيلة التي تجري في عروقكِ كابنة للدوق أثاناسيوس، وعائلتكِ كانت بحاجة إلى مالي.”
“….”
“ما أعنيه هو أن والدكِ قد باعكِ لي. هل تفهمين معنى ذلك؟”
كل ما قاله كان حقيقة عارية؛ فمبلغ مئة مليار إيكارت كان ثمناً لذلك.
ثمنٌ باهظٌ جداً لجسد إنسان واحد، مبلغٌ يكفي لشراء مملكة صغيرة بأكملها.
مبلغٌ لا يمكنني سداده ولو قضيتُ عمري كله في العمل.
“إن كنتِ ترغبين حقاً في الطلاق، فادفعي ذلك المبلغ أولاً ثم ارحلي.”
لقد كان يعلم يقيناً أنني لن أستطيع سداد ذلك الدين أبداً، وأنه لا سبيل لي للخروج من قصره.
لقد كنتُ ساذجة جداً في تفكيري.
كان الشرف هو الشيء الوحيد الذي يفتقر إليه هذا الرجل الذي يملك كل شيء؛ ومن أجل الحصول عليه، دفع ثمناً غالياً لشرائي.
ولذلك، لن يطلق سراحي بسهولة.
نظرتُ إلى فمه الذي ارتسمت عليه ابتسامة ازدراء، ثم انفجرتُ بضحكة يائسة.
“أنت حقاً رجل قاسٍّ.”
“من ذا الذي لن يصبح قاسياً وهو يرى شيئاً قيمته مئة مليار إيكارت يحاول الفرار منه؟”
“حتى وإن كان الأمر كذلك، أليست رؤيتك لي تسبب لك الألم والضيق؟”
في تلك اللحظة، دوى صوته البارد في أرجاء المكان:
“ومن قال ذلك؟ من قال أن رؤيتكِ تسبب لي الضيق؟”
ارتجف جسدي رغماً عني أمام تلك البرودة التي لم أعهدها فيه من قبل.
“…. ذلك..”
“هذا أمر سخيف. لو كنتُ أتضايق من رؤيتكِ، لكنتُ أنا من طلب الطلاق أولاً. أنا لا أبقي الأشياء المزعجة بجانبي.”
“….!”
حينها فقط، أدركتُ حقيقة وجودي بالنسبة له.
أنا شيء لا يسبب إزعاجاً كبيراً، لكنني في الوقت نفسه لا أؤثر في حياته بأي شكل.
‘هل أنا بالنسبة له مجرد كأس أو تمثال يحمل دماءً نبيلة وضعه في منزله للزينة؟’
راودتني فكرة أنني قد لا أعني له شيئاً أكثر مما كنت أتخيل.
ربما كنت أنا الوحيدة الجادة في هذه العلاقة، بينما لم يكن هو يفكر في شيء.
“لذا، ابقي في القصر كما كنتِ، ساكنة كجثة هامدة. لا يهمني ما تفعلينه، كل ما أريده هو….”
“….”
“أن يستمر هذا الزواج فحسب.”
ارخت يده قبضتها تماماً عن كتفيّ.
وفي الوقت نفسه، اختطف ورقة الطلاق التي أحضرتُها وشرع في تمزيقها إرباً إرباً.
تمزيق.. تمزيق.
“ماذا.. ماذا تفعل بحق..!”
بينما كنتُ أنظر بذهول إلى قصاصات الورق المتناثرة على الأرض، نظر هو إلى ساعته ثم اتجه نحو الباب.
“سأذهب الآن.”
مرة أخرى، كان يبتعد عني.
إن خرج الآن، فستنتهي كل فرصة لي.
لا يمكنني أن أدعه يذهب هكذا.
بمجرد أن فكرتُ في تكرار تلك الحياة اليومية التي تشبه الجحيم، شعرتُ بضيق شديد في تنفسي.
قبضتُ على يديّ بقوة.
‘في النهاية، لا خيار أمامي سوى استخدام تلك الورقة الأخيرة.’
استجمعتُ أنفاسي لبرهة، ثم أوقفته قائلة:
“…. أنا حامل.”
ترجمة Nova
التعليقات لهذا الفصل " 5"