4
“ذ-ذلك الطعام.. لم يكن غير صالح إلى تلك الدرجة…”
بدت ملامح الخادمة غارقة في الارتباك والذعر.
“.. بما أن حالتكِ لا تبدو على ما يرام، سأنصرف الآن!”
لعلها تخشى عواقب ما قد يحدث لاحقاً.
‘حتى وإن كنتُ منبوذة، فإن مرضي يظل مسألة أخرى تماماً.’
راقبتُ طيف الخادمة وهي تهرع خارجةً رغبةً في التملص من المسؤولية، ثم نهضتُ من مكاني ببطء.
لقد اتسخت السجادة بسببي.
‘سأسمع توبيخاً آخر من الخادمات لا محالة.’
لكن، في مثل هذا الموقف، كان هناك ما يؤرقني أكثر من ذلك القلق..
“…. أُوك.”
ما زلتُ أشعر بالغثيان.
بمجرد النظر إلى السمك، شعرتُ وكأن رائحة العفن تنبعث منه.
قد يكون السبب ببساطة هو فساد السمك، لكن الأمر يبدو غريباً.
‘.. ليس كالمعتاد.’
أنا أحب السمك في العادة.
حتى الآن، مهما غصصتُ بأطعمة تثير الغثيان، لم أشعر قط بمثل هذا الاشمئزاز الشديد؛ فما السبب الذي يجعلني أشعر بكل هذا الغثيان تجاه السمك تحديداً؟
فجأة، خطرت ببالي أحاديث الخادمات التي استرقتُ السمع إليها ذات مرة في الرواق.
“أتقصدين لينا؟ خادمة المطبخ تلك ذات اللسان الذلق؟ قيل أن سبب استقالتها المفاجئة هو حملها.”
“ماذا؟”
“يقولون أنه بينما كانت تطهو طبقاً من السمك، داهمها غثيان شديد ولم تعد تقوى على الاحتمال. لقد كان وحاماً على ما يبدو.”
‘أيعقل..؟’
***
“إذن، فلننهِ هذا المجلس هنا.”
“سحقاً!”
ضرب الرجل الطاولة بقبضته بقوة قبل أن ينهض بجسده مع كلمات مايكل.
“لقد سمعتُ الشائعات، لكنك لا تعرف الرحمة!”
“….”
“الأطفال يتضورون جوعاً.. الأطفال…!”
صاح الرجل والشرور تتطاير من عينيه، وقد برزت عروق رقبته وهو يتوسل بحدة.
إلا أن مايكل لم يزد على أن انحنى له برأسه بإيجاز ثم استدار مغادراً.
“وداعاً.”
بينما كان يهمُّ بصعود العربة، رصده الرجل بنظرات كاد يقتله بها.
“أيها.. أيها الهجين الوضيع! تماماً كأصلك السافل، لا تعرف شيئاً سوى المال!”
بدا وكأنه على وشك الاندفاع لإثارة الجلبة، مما دفع مرتزقة التجمع التجاري لإيقافه من كلا الجانبين.
“لا تتقدم أكثر من ذلك!”
“أيها.. اتركاني! ألا تعرفان من أنا؟ أيها الحثالة!”
تحركت العربة أخيراً، فظل مايكل يراقب ذلك المشهد لبرهة قبل أن يشيح بوجهه.
“يا له من شخص لحوح.”
أومأ إيان برأسه وهو ينظر إليه قائلاً:
“أوافقك الرأي تماماً. لو أراد الكذب، فكان عليه أن يحبكه جيداً على الأقل. لم يكتفِ بجعل كذبه جلياً كالشمس، بل حتى بحثه المسبق كان كارثياً.”
تذكر إيان تفاصيل جلسة التفاوض التي جرت للتو وراح يلعق شفتيه استنكاراً.
“بيعُ السفينة بهذا السعر سيؤدي حتماً إلى خسائر فادحة. بهذا المال لن أتمكن حتى من دفع الرواتب المتأخرة للأطفال العاملين.”
“500 مليون إيكارت. لن أزيد قرشاً واحداً.”
“ما-ماذا قلت؟!”
كان الطرف الآخر يرى في مايكل صيداً سهلاً، فطلب سعراً باهظاً لا يعقله عقل.
وحين رفض مايكل الاستجابة، بدأ يثير الفوضى مدعياً أنه لا يملك رواتب الصغار العاملين لديه.
للوهلة الأولى، قد يبدو وكأن مايكل يرتكب فعلاً شنيعاً في سبيل الربح، لكن الحقيقة كانت منافية لذلك تماماً.
“حقيقة أن سيادتك عملت كبحار منذ سن الرابعة عشرة مشهورة لدرجة أن حتى طفلاً في السابعة يعرفها.”
كان ذلك صحيحاً.
عمل مايكل كبحار منذ نعومة أظفاره، لذا كان أعلم من أي شخص آخر بدهاليز تلك المهنة وأسرارها.
“ألم تقل في المرة السابقة أن من قواعد البحارة ألا يتم توظيف طفل لم يتجاوز الرابعة عشرة؟”
“بلى.”
أجاب مايكل مؤكداً، ثم شرع يصحح الحقائق بمنطق سليم:
“لذا، فكلامه ليس سوى هراءٍ مبتكر. لو تأخرت الرواتب لثلاثة أشهر، لكان من الطبيعي أن يهرب العمال ويبحثوا عن عمل في الحانات أو المتاجر المجاورة. وبما أنهم لا يزالون يعملون دون أجر، فهذا يعني أنه سجنهم أو انهال عليهم بالضرب ليمنعهم من الفرار؛ لقد اعترف بلسانه أنه صاحب عمل فاسد.”
“.. إنه رجل جسور حقاً.”
“مثير للشفقة.. يتشدق بالكلمات وهو لا يعرف حتى معنى الجوع.”
أومأ إيان موافقاً على كلمات مايكل.
“على ذكر ذلك، لقد قلتَ أنك كنت تتعرض للجوع والضرب مراراً حين كنت بحاراً متدرباً. إنهم أناس لا يشفي الغليل منهم حتى لو طُحنت عظامهم. كيف يفعلون ذلك بطفل..”
رد مايكل ببرود على كلمات إيان:
“بفضل ذلك، تعلمت العمل بسرعة.”
“….”
“على أي حال، حين تستلم تلك السفينة، اعتنِ بالبحارة جيداً. وإن كان هناك أطفال، فوزع عليهم بعض الخبز.”
أومأ إيان طاعةً: “أمرك.”
“بعيداً عن هذا، ماذا حدث للشيء الذي استلمناه من التجمع التجاري قبل قليل؟”
كان المكان الذي جرت فيه الصفقة هو مبنى التجمع التجاري الخاص بـمايكل.
وقد استغل زيارته هناك ليستلم الغرض الذي طلبه مسبقاً.
“تقصد قلادة الالماس، أليس كذلك؟”
“أجل، تلك.”
فهم إيان مراد مايكل على الفور، فبحث في الأمتعة وأخرجه له صندوقاً فاخراً.
“ها هي ذي. هذه أول مرة تراها، أليس كذلك؟”
أخذ مايكل الصندوق من إيان وفتحه، فكان من المخمل الفاخر.
وسرعان ما تجلى للنور بريقٌ أخاذ من داخل الصندوق؛ كانت ماسة تشع ضياءً.
وعلى الرغم من أن الصياغة لم تكن تختلف عن أي قلادة عادية، إلا أن لون الماسة كان مذهلاً.. لون زيتوني ناعم.
لا بد أنها الماسة الوحيدة في العالم التي تملك هذا اللون.
قال إيان بحماس:
“إنها تشبه لون عينيّ سيدتي تماماً. هذه المرة، لا بد أن سيدتي ستسعد بها.”
لكن رد فعل مايكل كان مفعماً بالمرارة والتهكم.
وبدا وكأن تعبيراً ينم عن الأسى قد عبر تقاسيم وجهه للحظة.
“سأكون محظوظاً لو تلطفت تلك المرأة وسمحت لها بأن تلامس عنقها ولو لمرة واحدة.”
أومأ إيان برأسه تأكيداً لحديث مايكل وأردف قائلاً:
“هذا حق، فإلى يومنا هذا، لم تكن الجواهر التي ترسلها كهدايا تروق لها على ما يبدو؛ إذ لم تلبس قطعةً واحدة منها قط، بل كانت تسارع إلى تحويلها جميعاً إلى سيولة نقدية.”
لقد أغدق مايكل على إيفلين بفيضٍ من الهدايا التي لا تُحصى، لكنه لم يتلقَّ منها حتى كلمة شكرٍ عابرة، ولم تتجمل بأيٍ منها ولو من قبيل المجاملة.
حتى أن الشك ساوره أحياناً في أن ثمة من يختلس تلك الجواهر في الطريق؛ فمن المنطقي أن تنال قطعة واحدة على الأقل إعجابها من بين تلك المجموعات النفيسة.
وفي النهاية، وإذ لم يعد يطيق صبراً على هذا اللغز، استدعى إيان خادمة إيفلين الخاصة قبل ستة أشهر..
وتحديداً في ذكرى زواجهما.
وكيف كان جواب الخادمة حينها؟
“سيدتي بطبعها تمقت الزينة المتكلفة وترى فيها عبئاً ثقيلاً.”
“أهذا هو الحق؟ أم أن هناك من يختلسها خلف ظهرها؟”
“كلا، أبداً! إليك هذه الإيصالات والمخالصات النقدية التي تمت عبر التجمع التجاري؛ إنها تحمل ختم السيدة الشخصي.”
فما كان لأحدٍ أن يجرؤ على سرقة ختم ربة البيت إلا إن كان قد فقد عقله أو استغنى عن حياته، وكان ذلك دليلاً قاطعاً على أن كل ما حدث كان بأمرٍ مباشر من إيفلين.
“سيدي، لقد تحققتُ من وجود ختم السيدة على إيصالات المعاملات، يبدو يقيناً أنها هي من أمرت بذلك.”
“هكذا إذن.”
“تُرى فيمَ كانت تنفق تلك الأموال الطائلة؟ لو كان الغرض هو تقديمها كخراج لآل أثاناسيوس فإن…”
ربما كانت تكرس تلك الأموال لتقديمها لبيت أثاناسيوس، غير أن مايكل الذي كان يواجه موقفاً كهذا، بدا هادئاً على غير المتوقع، بل بدا وكأنه شخصٌ بلغ مرحلة السمو والزهد في كل شيء.
“حسناً، دعها تفعل ما تشاء.”
“عفواً؟”
“لقد كانت امرأة لم تتردد في الزواج من نكرة مثلي، مجرد بارون صعد من العدم، وذلك فقط من أجل شرف عائلتها. لذا، فتصرفاتها ليست عصية على الفهم. ثم إنها لم تسرق شيئاً، أليست تلك الجواهر ملكاً لها؟”
“هذا صحيح، ولكن…”
هكذا كان مايكل يعلم يقيناً أين تذهب الأموال والجواهر التي تقع في يد إيفلين، ومع ذلك، عاد ليعدَّ لها هديةً أخرى.
‘لعلها ستبيعها هذه المرة أيضاً لتحولها إلى مال.’
لطالما تكرر الأمر، وبما أن المال لديه يفيض عن حاجته، لم يشعر قط بالندم على ضياعه.
غير أن مرارةً غريبة طغت على لسانه لأول مرة.
‘.. أعتقد أنها كانت ستليق بها كثيراً.’
تلك الماسة الزيتونية التي تتلألأ ببرياءٍ تحت ضوء الشمس؛ لقد بدت له هذه القلادة تحديداً ملائمةً جداً لتلك المرأة.
***
“أحقاً لا تنوي تهنئة السيدة بعيد ميلادها؟ في الواقع، لولا رغبتك في ذلك لما اقتطعتَ من وقتك الثمين كل هذا العناء لتنزل إلى هنا..”
عاد مايكل إلى مكتبه، وهز رأسه معارضاً كلمات إيان:
“امرأة ترفض هداياي، ماذا تظنها ستقول في سرها إن ذهبتُ لتهنئتها؟”
“ذلك..”
“لقد أقاموا الحفلة وانتهى الأمر، ولا بد أنها نالت من التهاني ما يفيض. إن وصلت الهدية إلى يدها بسلام، فذلك يكفي. الآن، أطلعني على جدول الأعمال القادم.”
ارتمى مايكل على كرسيه الجلدي وأغمض عينيه، مصدراً أوامره بفتور.
“حاضر، كما تأمر.”
أذعن إيان على مضض، وشرع يتلو ما دون في مفكرته:
“لدينا اليوم ثلاثة مواعيد، أولها مع البارون فالوا، ثم الكونت إيستر، و…”
وبينما هو يقرأ التقرير، سقط رأس مايكل نحو صدره.
وحين طال الصمت، أدرك إيان الموقف واتسعت عيناه ذهولاً.
“.. سيدي؟”
دوى صوت إيان المذعور في أرجاء الغرفة، فاستعاد مايكل وعيه على أثره.
“هل غفوتُ؟”
تساءل إن كان قد غفا! لا شك أنه كان منهكاً لدرجة أنه لم يعد يميز بين اليقظة والمنام.
قال إيان بنظرات ملؤها القلق:
“ألا يجدر بك أن تغمض عينيك قليلاً الآن؟ لقد مرت ثلاثة أيام ولم تنم فيها سوى أقل من ثلاث ساعات في المجمل.”
“لقد كنتُ أنوي تعويض نومي غداً في العربة وأنا في طريقي إلى العاصمة.”
“سيتحطم جسدك بهذا المنوال. ما نفع المال إن خسرت صحتك بالكامل؟”
“حسناً، إن عشتُ ما قدّر لي ثم رحلت، فليس ذلك بالأمر السيئ.”
فُجع إيان من كلمات مايكل التي خلت من أي تمسكٍ بالحياة.
“سيدي!”
“أنا أمزح. على أية حال، كنتُ أفكر مؤخراً أنه من الأفضل أن أعتني بجسدي قليلاً.”
قال مايكل أنها مزحة، لكنها لم تقع في أذن إيان كمزحةٍ أبداً.
تذكر إيان تلك المبالغ الضخمة التي استدانها مايكل ليتزوج من ابنة الدوق أثاناسيوس؛ حيث استثمر في أعمال حماه، ولكن تبين أن المناجم كانت عديمة الفائدة، مما كبده خسائر فادحة.
ظل مايكل يعمل بجدٍ مضاعف بذريعة سداد تلك الديون، لكن إيان كان يرى في ذلك مجرد حجة.
في الحقيقة، كان بإمكانه ألا يسددها، فمبلغ مئة مليار إيكارت لا يمثل حتى عشرة بالمئة من إجمالي ثروة الرجل الأغنى في الإمبراطورية.
كان بوسعه سدادها من أرباح عام واحد فقط للتجمع التجاري دون أن يحرك ساكناً.
وعلاوة على ذلك،
‘لقد سدد كل تلك الديون مؤخراً من ماله الخاص دون الاستعانة بقرش واحد من موارد التجمع التجاري.’
ومع ذلك، لا يزال مايكل يغرق نفسه في العمل.
أحياناً، كان إيان يظن أن مايكل يفرط في العمل ليهرب من واقعٍ ما.. كالسيدة، مثلاً.
“على كل حال، أرجو أن تغمض عينيك للحظات. عشر دقائق لن تضر.”
أومأ مايكل برأسه مستجيباً وأغمض عينيه، وما هي إلا لحظات حتى غطَّ في نومٍ عميق دون أن يُسمع له نَفَس.
ولم تمر سوى دقائق معدودة حتى..
طق، طق.
دوى صوت طرقات على الباب.
‘من قد يأتي في مثل هذا الوقت؟’
اتجه إيان نحو الباب، وما أن رأى الزائر حتى تيبس في مكانه.
“….!”
“هل يمكنني.. رؤية مايكل؟”
امرأة ذات وجهٍ شاحب، ترتدي فستاناً بسيطاً بلون القمح يخلو من أية زينة.
“السيد مشغول الآن يا سيدتي.”
كانت إيفلين.
وبسبب رغبة إيان في عدم إيقاظ سيده الذي غفا للتو، جاء رده حازماً، مما جعل عيني إيفلين تترقرقان بالدموع وكأنها على وشك البكاء.
“لقد دخل للتو، كيف يكون مشغولاً ثانية؟ أتوسل إليك، هل يمكنك أن تطلب منه منحي لحظة واحدة فقط؟ إنه أمرٌ بالغ الأهمية حقاً.”
“أعتذر منكِ بشدة، لكن هذا غير ممكـ..”
في تلك اللحظة..
“دعها تدخل.”
دوى صوتٌ بارد من خلفه.
“سـ-سيدي..!”
نظر إيان إلى مايكل بنظرات قلقة، لكن الأخير أشار بيده بحركةٍ تنم عن الضجر.
“اخرج لبرهة.”
“عفواً؟ ماذا تعني فجأة بـ..”
استقبل إيان أمر الطرد المفاجئ بملامح ذاهلة، لكن مايكل لم يعره انتباهاً؛ إذ كانت نظراته الحادة مصوبة بالكامل نحو إيفلين.
“ألم تقولي أن لديكِ حديثاً تودين أن خوضه وحدنا؟”
ارتجف كتفا إيفلين عند سماع كلماته، ثم أومأت برأسها في صمت.
“.. نعم، هذا صحيح.”
شعر إيان بالأجواء المتوترة فغادر الغرفة أخيراً، ليخيم صمتٌ ثقيل بين الزوجين الوحيدين.
وكان مايكل هو من كسر ذلك الصمت.
وبنبرةٍ فاترة، ومن عينيه الزرقاوين اللتين بدا عليهما الإعياء الشديد، قال:
“أوجزي. ما الخطب الذي دفعكِ للمجيء هذه المرة؟”
وفي تلك اللحظة تحديداً..
“مايكل، أتعلم..”
“….”
“.. فلننفصل، لنحصل على الطلاق.”
ومع تلك الكلمات التي انصبت من ثغر إيفلين، اتسعت عينا مايكل بصدمةٍ عارمة.
ترجمة Nova
التعليقات لهذا الفصل " 4"