3
“…ماذا تقصد بهذا الكلام؟”
“يبدو أنّكِ لم تسمعي بالأمر بعد.”
“بالأمر…؟”
أيّ أمر هذا؟ هل حدث شيء دون علمي؟
“أنتِ تدركين، على الأقل، الأساس الذي قام عليه هذا الزواج، أليس كذلك؟ عائلتكِ أرادت مالي، وأنا قبلتُ بكِ زوجةً لأنكِ ابنة دوق.”
“…ماذا؟”
قال ذلك وهو يبتسم ابتسامة خفيفة، ثم ما لبث أن تشوّهت ملامحه بابتسامة صبيٍّ شرير.
“إن كنتِ لا تعلمين، فذلك محرج لي. لكنّ الاعتذار في هذه الحالة يجب أن يصدر من جهتكم، لا من جهتي.”
“وما معنى هذا…؟”
“هل تعلمين كم من المال سحبته عائلتكِ مني كشرطٍ لهذا الزواج؟”
“كنتُ… أعلم بوجود استثمار، لكن… هل حدث شيء ما؟”
كنتُ أعرف أنّ والدي، الدوق رويدن أثاناسيوس، رجلٌ جشع.
وكنتُ أعلم أنّه قادر على ارتكاب أيّ فعل.
وفي اللحظة التي تسلّل فيها إليّ إحساسٌ مشؤوم—
فتح مايكل فمه بابتسامة ساخرة.
“طلب والدكِ منّي أن أستثمر في منجم.”
“منجم…؟”
“نعم. قال أنّ منجمًا لاستخراج الألماس قد اكتُشف، وطلب منّي الاستثمار فيه. وحدها الأموال التي ضخختها هناك بلغت مئة مليار إيكارت.”
مئة مليار إيكارت.
مبلغ يكفي لشراء دولة صغيرة.
“…ماذا قلت؟”
“لكن هل تعلمين ما الذي حدث لذلك المال؟ تبخّر في لحظة. ما ظنناه ألماسًا تبيّن أنّه مجرد جليد يحتوي على قدرٍ ضئيل من الطاقة السحرية.”
كانت قصة لا تُصدَّق.
لكن الغضب المرتسم على وجهه، ونظرة الاحتقار الموجّهة إليّ، كانا حقيقيين بلا شك.
“بسبب والدكِ، خسرتُ ثروةً طائلة في طرفة عين.”
كان صوته مثقلًا بالمرارة.
أكان كلّ ما أبداه من لطفٍ تجاهي في البداية مجرّد وهمٍ من جانبي؟
مرّت هذه الفكرة خاطفة في ذهني.
لكن في هذه اللحظة، لم يكن لذلك أيّة أهمية.
“هل تظنّين أنّ رجلًا يستطيع أن ينام في الفراش نفسه مع ابنة عدوّه؟”
وسواء أكان الجواب نعم أم لا، لم يكن مهمًا.
كانت نظرته تجاهي باردة، كأنّها دليلٌ على أنّ قلبه قد أُغلق بإحكام.
“إذًا… ستغادر؟”
قلتُها بحذر.
فضحك مايكل بسخرية.
“ارتاحي.”
“…”
“لا بدّ أنّكِ متعبة بعد يومٍ كامل قضيتِه في تأدية أمورٍ لا ترغبين بها.”
أمور لا أرغب بها.
هكذا وصف حفل زفافنا.
ذلك اليوم الذي ظننته، للمرّة الأولى في حياتي، يومًا سعيدا…
كان بالنسبة له أمرًا بلا جدوى.
كم رغبتُ أن أسأله.
لكنني لم أستطع أن أمدّ يدي لأمسك به وهو يبتعد.
لأنّ كلمات أبي، التي قالها لي ليلة الزفاف تحت مسمّى النصيحة، طفت على ذهني.
“الرجل كائن متقلّب. وكلّما زادت أمواله وسلطته، ازداد تقلّبه.”
“لذلك، لا تحاولي تقييد زوجكِ. إن أردتِ البقاء بسلام في ذلك البيت.”
في ذلك الوقت، ظننتُه كلامًا فارغًا قيل دون معرفة بمايكل.
لكن حين واجهتُ هذا الواقع، تسلّل الخوف إلى قلبي.
‘…هل سيشعر بأنني أقيّده إن حاولتُ الإمساك به؟’
ارتعبتُ من فكرة أن يملّ مني.
وفوق كلّ شيء، أدركتُ أنّ أيّة كلمة قد أنطق بها في هذه اللحظة لن تصل إليه أصلًا.
فحاولتُ تهدئة نفسي.
‘لا بأس… سيكون كلّ شيء على ما يرام.’
فنحن، على أيّ حال، زوجان الآن.
‘مع مرور الأيام، لا بدّ أن يأتي يومٌ جميل.’
تمسّكتُ بهذا الأمل الساذج.
***
“…يا لها من أفكارٍ ساذجة حقًا.”
فبعد مرور ثلاث سنوات كاملة، لم يتغيّر وضعي على الإطلاق.
بل لعلّه ازداد سوءًا.
منذ تلك الليلة الأولى، لم تجمعني بزوجي أيّة علاقة زوجية.
لا جلسات عشاء خاصة، ولا نزهات عابرة، ولا أيّ تواصل شخصي.
كانت هناك بعض الولائم الرسمية، لكن حتى في تلك المناسبات، لم يكن يفعل أكثر من تناول الطعام ثم يغادر خلال دقائق.
وكنتُ أنا دائمًا من تُترك خلفه.
ومع مرور الوقت، أصبح الجميع في القصر يعلمون حقيقة واحدة:
مايكل روتشستر لا يُبالي بزوجته أدنى مبالاة.
وكانت الخادمات يتناقلن أنّ إسناده شؤون القصر الداخلية إلى سيينا بدلًا مني هو الدليل الأوضح على ذلك.
وما زاد الطين بلّة أنّ محاولتي تولّي صلاحيات سيدة البيت قد قوبلت بالرفض، ما أشعل أحاديث القصر أكثر.
“مايكل، ألا تعتقد أنّ من الأفضل أن أتولّى إدارة شؤون الجناح الداخلي؟”
“…وكأنّ مشاكلي لا تكفيني، حتى تجلسي لتقولي هراءً كهذا.”
“لكن…”
“هل نسيتِ؟ الخسارة الفادحة التي سبّبتها لي عائلتكِ. هل تظنّين أنّه من المنطقي أن أُسلّم المال لامرأة مثلك؟”
منذ ذلك اليوم، هبط موقعي في القصر إلى الحضيض.
حتى الخادمات اللواتي كنّ يوازِنَّ بين سينا وبيني انقلبن عليّ تمامًا.
أصبح القصر عالم سينا وحدها، وكانت لا تفوّت فرصة لإيذائي، أنا ابنة العائلة التي تسببت في إفلاس أعمال شقيقها.
في البداية، كانت مضايقاتها بسيطة، على ما يبدو لأنها كانت تراقب ردّة فعل عائلة أثناسيوس التي أنتمي إليها.
لكن و بعد مضي ثلاث سنوات على قدومي إلى هذا القصر، و تأكّدها من أنني لا أتواصل مطلقًا مع عائلتي، أصبحت مضايقاتها أكثر خبثًا ووَحشية، إلى حدّ لا يُقارن بالماضي.
‘لقد تعبت… تعبت من كل شيء.’
كانت فكرة الموت تخطر على بالي مرارًا.
ولم يكن الأمر مجرّد أفكار فقط، فقد حاولت فعلًا.
لكن في كل مرة، كانت المحاولة تنتهي بإدراكي أنني لا أملك من الإرادة ما يكفي لإنهاء حياتي بيدي.
وفوق ذلك، حتى لو متّ، هل سيكون هناك في هذا القصر من يحرّك ساكنًا؟
***
كنت منهكة، لكن كثرة الأفكار التي تعصف برأسي منعتني من النوم بسهولة.
وفي النهاية، قضيت الليل كلّه بعينين مفتوحتين حتى بزغ الصباح.
نال جسدي قسطًا كافيًا من الراحة، لكن عقلي الذي لم يذق النوم كان مشوَّشًا وضبابيًا.
كم من الوقت مرّ وأنا أتلقى أشعة شمس الصباح بذهول؟
“سيدتي، حان وقت الطعام.”
دخلت الخادمة وهي تدفع عربة الطعام، ترافقها رائحة تهاجم أنفي.
“وجبة اليوم هي شريحة سلمون. أولت الآنسة سيينا هذا الأمر عناية خاصة.”
قالت ذلك وهي ترتّب الطعام، وكأنها تمنّ عليّ بفضلٍ ما.
لم أتمالك نفسي من إطلاق ضحكة ساخرة.
‘سيينا تهتمّ بي؟’
لا شك أن شريحة السلمون هذه كانت من بقايا مأدبة ميلادي بالأمس.
أي أنه طعام مرّ عليه أكثر من يوم.
لكن…
‘لا أريد إثارة ضجيجٍ لا داعي له.’
تجاهلت وجه الخادمة الممتلئ بالسخرية وقلت:
“حسنًا، يمكنكِ الانصراف.”
لكن، لماذا؟
“هذا صعب قليلًا.”
“ماذا تعنين؟”
“الآنسة قالت لي أن أراكِ وأنتِ تتناولين الطعام بنفسها. وقالت أن التغاضي عن ترك الطعام لمرة أو مرتين هو الحدّ الأقصى.”
في تلك اللحظة، شعرت بسخافة الموقف.
‘التغاضي عن ترك الطعام؟ كل ذلك لأنكم…’
لأنكم لا تقدّمون لي طعامًا صالحًا أصلًا.
أحيانًا يخطر ببالي هذا التفكير.
هل أنا في هذا القصر مجرد كلب يُربّى في بيت العامة؟
فالكلب يُحتضن ويُدلّل ويُقال عنه فرد من العائلة، لكن تبقى هناك فجوة لا تُردم بين الإنسان والكلب.
وأنا أيضًا أشارك مايكل وسيينا قصر روشيستر، لكنني كنت دائمًا أشعر بجدار يفصلني عنهما.
في النهاية، لم يصلني سوى بقايا ما أكلوه.
‘لا، ربما أنا في مكانة أدنى حتى من ذلك. على الأقل، الكلب ينال محبة صاحبه.’
في الحقيقة، كان الطعام الذي يُقدّم لي دائمًا باردًا.
خبزٌ جاف فقد رطوبته، أو حساء برد حتى تجمّد والتصق بالوعاء.
لم يكن طعامًا فاسدًا تمامًا، لكنه لم يكن فاتحًا للشهية أيضًا.
ولهذا، كنت دائمًا أتناول أقل قدر ممكن.
ومع ذلك، أن يُسخَر مني بهذه الطريقة…
“……هل تعرفين من أكون أنا؟”
عند سؤالي، ابتسمت الخادمة ابتسامة رقيقة وأجابت:
“بالطبع أعرف. ألستِ سيدة هذا القصر، زوجة السيد روشيستر؟”
“نعم، ومع ذلك….”
تجعلونني آكل مثل هذا الطعام.
كنت أودّ لو أصفع الخادمة على خدها، لكنني تماسكت.
لأن كل ذلك، في النهاية، سيعود عليّ وحدي.
في هذا الإمبراطورية تسود فكرة أن الابنة المتزوجة لا تعود إلى بيت أهلها، و كنتُ فوق ذلك ابنة غير شرعية.
‘إن خرجتُ من هذا القصر، فلن يكون لي مكان أذهب إليه.’
حتى إن لم أستطع نيل رضا من أعيش معهم، فلا ينبغي لي أن أُبغِضهم.
بيدٍ مرتجفة، أمسكت الشوكة والسكين.
آداب المائدة الراقية التي ترسخت في جسدي بعد أن ضُربت حتى تشققت يداي أيام كنتُ آنسة أثناسيوس.
لكن ما أقطّعه الآن ليس سوى قطعة سمك متبقية.
سويش… سويش.
لكن لماذا؟
“……أوخ.”
لم يكن أكل طعامٍ مرّ عليه يوم واحد أمرًا غريبًا عليّ.
ويوم واحد لا يكفي عادةً لانبعاث رائحة كريهة إلى هذا الحد، فلماذا…؟
“أوخ…….”
شعرت بالغثيان.
رنّ صوت اصطدام.
سقطت الشوكة والسكين من يدي.
“سيدتي؟”
دوّى صوت الخادمة المذعور فوق رأسي.
لكنها لم تكن قلقة عليّ أبدًا.
“هاه؟ لا تقولي أنكِ تتظاهرين بالمرض؟ لو علمت الآنسة سيينا بذلك، فلن تترك الأمر يمرّ……”
“أوخ، أوووك…….”
انهرت جالسة على الأرض، وتسرّب سائل مرّ الطعم من بين شفتيّ.
في تلك اللحظة، تلون وجه الخادمة بالذعر.
“……!”
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 3"