2
***
“هل هي… تلك الفتاة؟ يقولون أنها النفاية الفاسدة من آل أثاناسيوس؟”
“على الأرجح نعم. تجاوزت الخامسة عشرة ولم تتجلَّ لديها أية قدرة… مسكينة عديمة النفع.”
تجاهلتُ جاهدَةً تلك الهمسات التي تتناولني.
‘…كلام أسمعه كلّ يوم. لا شيء جديدًا فيه.’
لكن مهما أقنعتُ نفسي بذلك، لم يكن الحزن ليزول.
بل في الحقيقة، ما كان يلفت انتباهي حقًا هو الرجل الواقف إلى جواري.
‘…مايكل روتشستر.’
الرجل الذي سيصبح زوجي بعد أسبوع واحد.
كانت عيناه الزرقاوان الداكنتان، كحال العظماء غير العاديين، عصيّتين على القراءة.
نظرة توحي أحيانًا بالشرود، وأحيانًا أخرى بالغرق في التفكير.
ترى، فيم يفكّر الآن؟
‘…هو لا يرانـي مثيرة للشفقة، أليس كذلك؟’
ابتلعتُ تساؤلاتي، وأخذتُ أتأمل ملامحه.
وجه كأنّه منحوت، قامة طويلة، وبنية رجولية متناسقة.
حتى من حيث المظهر، لم يكن ينقصه شيء.
بل كان فوق ذلك، أغنى رجل في الإمبراطورية.
وإن كان لا بدّ من عيب، فهو كونه ابنًا غير شرعي، وحملُه لقب فيكونت—وهو لقب متدنٍ نسبيًا.
غير أنّ ذلك لم يكن يزعجني كثيرًا، إذ أنني لم أكن مختلفة عنه في هذا الجانب.
فرغم ولادتي من سلالة أثاناسيوس، أعرق بيوت قدرة الماء في الإمبراطورية، فإنني لم أمتلك يومًا قدرة الماء.
لذا، بالنسبة لي، التي اعتادت رؤية أشخاص كاملين بلا نقص، بدا انخفاض مكانته الاجتماعية أمرًا مريحًا على نحو غريب.
فأن يكون في الطرف الآخر نقص يشبه نقصي، جعلني أشعر وكأنّ ذلك يربطنا معًا بخيط خفي.
“يقال أنه أمهر رجل أعمال في الإمبراطورية.”
هذا الرجل الوسيم، ذو الشعر المصفّف بعناية والمعطف الأسود الذي يليق به تمامًا…
أن أصبح زوجته، وأن نعيش معًا تحت سقف واحد…
ما أن خطرت لي هذه الفكرة حتى سخن وجهي، ولم تعد نظرات الآخرين تهمّني.
وفي تلك اللحظة…
انفرجت شفتاه أخيرًا، بعد صمت ثقيل.
“ألا ترين أنّ من الأفضل أن نغادر الآن؟”
اتّسعت عيناي دهشة.
“بهذه السرعة…؟”
هل فعلتُ شيئًا خاطئًا جعله يرغب بالمغادرة؟
لم يكن ذلك مجرّد وهمٍ من جانبي، إذ بدا على وجهه شيء من الانزعاج.
“لم نمكث طويلًا بعد.”
“هل ترغبين بالبقاء أكثر؟”
“ذلك…”
“إذن، فلنغادر. هناك الكثير من الأمور التي تنتظرنا في المنزل.”
لم يكن أمامي سوى الإيماء برأسي.
فهو رجل يعمل في التجارة، وكان دائم الانشغال.
“…حسنًا.”
وبينما كنا نغادر قاعة الحفل ونتّجه نحو العربة…
“آه!”
اختلّ توازني فجأة، وخارت ساقاي، ثم داهمني ألم حادّ في كاحلي، كأنّ أحد الأربطة قد تمدّد بقسوة.
“إيفلين؟”
نظر مايكل إلي.
“…هل أنتِ بخير؟”
“أظنّ أنّ كاحلي… قد التوى قليلًا.”
وفي تلك اللحظة تحديدًا—
“…!”
ارتجفتُ فجأة.
“مايـ- مايكل، ما الذي تفعل…؟”
“اعذريني قليلًا.”
كان قد حملني بين ذراعيه.
كيف يسمّون هذه الوضعية؟
…حمل الأميرة؟
شعرتُ بأنّ الأنظار كلّها قد التفتت نحونا، فاحمرّ وجهي بشدّة.
“أنزلني، أرجوك.”
لكنّه هزّ رأسه بحزم.
“حتى نصل إلى العربة فقط.”
“لديّ قدمان، كما تعلم.”
“لا شأن لي بقدميك. أزعجني ذلك الحذاء منذ فترة.”
“ماذا؟”
“أقصد هذا الحذاء. إن كان هذا يُعدّ حذاءً، فحتى أنا سألتوي كاحلي لو ارتديته.”
كان يشير إلى الحذاء الذي أرتديه.
لم أكن طويلة القامة، لذلك اخترتُ كعبًا عاليًا بعض الشيء…
لكن تعليقَه جعلني أشعر وكأنّه كشف حيلة صغيرة كنتُ أخفيها، فشعرتُ بالخجل.
“ومع ذلك… إنه جميل.”
“حتى دون ارتدائه…”
توقّف فجأة.
“…لا شيء.”
هم؟ ماذا كان سيقول؟
راودني الفضول، لكنني كتمته خشية أن يكون كلامًا غير لطيف.
‘…إن كان كلامًا سيئًا، فربما الجهل به أفضل.’
بعد دقائق قليلة…
أنزلني برفق على مقعد العربة المزيّن بختم العائلة.
شعرتُ بالأسف لأنّ علينا الافتراق.
“…كنتُ أتمنى لو بقينا معًا قليلًا أطول.”
آه—
حين أدركتُ أنّ الكلمات خرجت من فمي دون وعي، كان الأوان قد فات.
“ماذا… قلتِ؟”
تجمّدت ملامحه.
هل ارتكبتُ زلّة؟
“لا شيء…”
رغم تصحيحي، بقي تعبيره المتصلّب يشغلني.
هل… لا يعجبُه أمري؟
“تفضّلي بالدخول الآن.”
“شكرًا لك.”
“موعدنا القادم… سيكون في حفل الزفاف.”
“…نعم.”
“إلى ذلك الحين، أتمنى لكِ الصحة.”
“وأنتَ كذلك.”
طَقّ.
أغلق باب العربة بيده بنفسه.
كان تصرّفًا يراه معظم النبلاء مبتذلًا ولا يليق بمكانتهم، لكنني أحببتُ هذه الصفة فيه.
‘والآن وقد فكّرتُ بالأمر… في المرة السابقة أيضًا، ألقى عليّ معطفه عندما قلتُ أنني أشعر بالبرد.’
وفي أحد مطاعم المدينة، خلال موعدٍ لنا، قام بتقطيع شريحة اللحم لي بنفسه.
كلّما استرجعتُ تصرّفاته واحدًا تلو الآخر، تسلّل إليّ خاطر غير متوقّع.
‘…هل يحمل هذا الرجل مشاعر تجاهي أيضًا؟’
***
في الإمبراطورية، يوجد ما يُعرف بـالدوقيات الأربع الكبرى.
وهو مصطلح يُطلق على أربع عائلات تقف في منزلة تعلو حتى الإمبراطور نفسه، وتمارس سلطة مطلقة لا ينازعها أحد.
وفي قلب هذه السلطة، تكمن القدرات الطبيعية.
آل أثاناسيوس — سلالة الماء.
آل ألبرِيخ — سلالة النار.
آل إيريني — سلالة الأرض.
آل بلانش — سلالة الهواء.
ومن بين هذه البيوت، فإنّ أبناء السلالة المباشرة لعائلتي، أثاناسيوس، يُظهرون قدرة الماء جميعهم في حدود سنّ العاشرة.
لكنّ أطراف أصابعي بقيت يابسة، ولم تنبثق منها حتى قطرة ماء واحدة، رغم أنني تجاوزت الخامسة عشرة، وهو السنّ الأقصى لظهور القدرة.
فتاة لا تستطيع استخدام القوى الخارقة، بل وأسوأ من ذلك… ابنة غير شرعية.
شُطبتُ من الذاكرة بسرعة.
عامَلَني الجميع كأنني غير مرئية، وكنتُ في القصر غريبة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى.
لعلّ هذا هو المعنى الحقيقي للجلوس على بساطٍ من الشوك.
كنتُ أتناول أفخر الطعام، وأرتدي أرقى الثياب، لكن هذا المكان الذي لا يستقبلني فيه أحد بابتسامة، لم يكن أقلّ من جحيم.
ثم، حين بلغتُ السابعة عشرة، وحان سنّ الزواج، تقرّر مصيري.
“ستتزوجين من فيكونت روتشستر.”
“هو أعلى منكِ مقامًا بما يفوق قدركِ، فلا تفكّري حتى في التصرّف بما قد يسيء إلى سمعتك. هل فهمتِ؟”
في الحقيقة، لم يكن زواجًا بقدر ما كان تخلّيًا.
فالعائلة لم يعد لديها أي سبب للاحتفاظ بفتاة عديمة النفع، لم تُظهر قدرة واحدة.
‘هل عليّ أن أعدّ وجود مكان أذهب إليه نعمة؟’
لم يكن الأمر صادمًا.
كنتُ قد توقّعت هذه النهاية منذ وقت طويل.
بل إنّني شعرتُ، على نحوٍ ما، بأنّ الأمر أفضل هكذا.
‘نعم… فلننظر إلى الجانب المشرق. أيّ مكان سيكون أرحم من هذا.’
ففي ذلك الوقت، كنتُ على يقينٍ بأنّه لا يوجد مكان في العالم أكثر قسوة من البيت الذي نشأت فيه.
أما العريس الذي وقع عليه الاختيار، فكان فيكونتًا من إحدى المقاطعات.
قد يبدو زواج ابنة دوق من فيكونت أمرًا غير متكافئ، لكن حالة هذا الرجل كانت استثناءً.
فيكونت مايكل روتشستر.
كنتُ أعرفه أنا أيضًا.
لم ألتقِ به في الحفلات سوى مرات قليلة، لكن اسمه كان يتردّد كثيرًا في الصحف والمجلات.
“أعظم تاجر في الإمبراطورية، ورائد التجارة الشرقية.”
بل قيل أنّ ثروته تفوق ثروة الإمبراطور نفسه.
من منظور العائلة، كان هذا زواجًا ذا قيمة تبادلية عالية.
لكن الغريب أنّ هذا الواقع لم يكن سيئًا في نظري.
لا تزال أولى لقاءاتنا ماثلة في ذاكرتي بوضوح.
تمامًا كما اليوم، حين كنتُ وحيدة في قاعة الحفل، كان هو الشخص الوحيد الذي اقترب منّي.
“أنوي الخروج لاستنشاق بعض الهواء، هل تتكرمين بإرشادي، يا أميرة الدوقية؟”
لا شكّ أنّه عرضٌ قدّمه مراعاةً لحالي، إذ كنتُ عاجزة عن الاندماج مع الآخرين.
كان رجلًا بهذه الرقة.
وفوق ذلك، لم يكن يمتلك حنكة تجارية فحسب، بل كان ذا لسان فصيح، وهيئة جذابة تخطف الأنظار.
أن يكون خطيبي رجلا كهذا… من الصعب، إن لم يكن المستحيل، ألّا يميل إليه القلب.
“يقال أنّ نساءً كثيرات مولعات به، حتى أنّ أميرة قد أرسلت له عرض زواج.”
للمرة الأولى، شعرتُ بالامتنان لأبي الذي اختاره لي زوجًا.
وانطباعي الأول عنه كرجلٍ لطيف لم يكن خاطئًا.
فمع مرور الأيام، شعرتُ بأنّ ثبات عطفه يفتح قلبي له دون مقاومة.
حتى أنني اندهشت من نفسي، من سهولة منحي له هذا القبول.
ثم تذكّرتُ فجأة ما حدث قبل قليل… حين حملني بين ذراعيه.
اشتعل وجهي حرارة من جديد.
ربما بسبب صلابة جسده التي شعرتُ بها في تلك اللحظة.
“…ليت الأسبوع القادم يأتي سريعًا.’
ما أن تخيّلت يوم الزفاف بعد أسبوع واحد، حتى غمرني شعور بالفرح الخالص.
لم يكن في قلبي آنذاك سوى السعادة.
لأنني، حتى تلك اللحظة، لم أكن أتوقّع أدنى فكرة عمّا ينتظرني من شقاء.
***
ربما في تلك اللحظة، خطر لي أنّ المصائب تأتي بلا إنذار بشكل عابر.
بعد أسبوع واحد من لقائنا الأخير.
تزوّجتُ مايكل أمام جمع غفير من المدعوّين.
قرأنا عهود الزواج، تبادلنا الخواتم، وأتممنا قبلة القسم.
وبالطبع، أُقيمت مأدبة الاحتفال.
لكنني، وقد أنهكني التجوّل طوال اليوم بفستان ثقيل طويل الذيل، انسحبتُ إلى غرفة النوم أولًا.
‘متى سيأتي هذا الرجل…؟’
ما أن فكّرتُ في الليلة الأولى التي سأقضيها معه حتى خفق قلبي بقوة.
وبينما كنتُ أنتظر مايكل بعد أن اغتسلتُ وارتديتُ ثوب الحرير الملاصق لجسدي—
فتح باب غرفة الزفاف فجأة بصوتٍ مكتوم.
“مايكل؟”
الشخص الذي دخل كان فعلًا الرجل الذي انتظرته.
لكن، لسببٍ ما، كانت ملامحه متجمّدة ببرود قاسٍ.
“هل… هل حدث أمر سيّئ؟”
وفي تلك اللحظة تحديدًا—
“اطمأننتُ لكونكِ بخير، سأغادر الآن.”
خرج صوته ببرودة لا تقلّ عن تعابيره.
لكن ما قاله كان أكثر صدمة من نبرته.
“ما الذي…؟”
في ليلة الزفاف، كان من واجب الزوجين أن يبيتا معًا، ولو من أجل الورثة.
لكنّه، ما أن تأكّد من وجودي في الغرفة، حتى استدار ليغادر، وكأنّه يودّع غريبًا.
“مايكل…؟”
حتى قبل ساعات قليلة فقط، كان يعاملني بلطف.
ذلك الرجل الذي بدا وكأنّه تحوّل إلى شخص آخر، كان غريبًا عليّ.
وفي اللحظة التي ناديتُه فيها بارتباك—
“لا تقولي أنكِ صدّقتِ فعلًا أنّني أحببتُكِ؟”
نظر إليّ بازدراء، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة سامة.
في تلك اللحظة، شعرتُ بقلبي يهوي ارتطامًا إلى القاع.
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 2"