1
المقدّمة
حتى وأنا أعبر أوقاتًا لم يُسمح لي فيها إلا بالتحمّل، كنت أظن أن النهاية ستكون سعادة.
لكن النهاية التي اقتحمت حياتي فجأة دون أي إنذار، والمتمثّلة في الموت، كانت تفتقر إلى الواقعية إلى حدٍّ مبالغ فيه.
في الآونة الأخيرة، كنت أُصاب بالزكام بسهولة، واشتدّ السعال حتى أنني كنت أتقيّأ دمًا بين الحين و الآخر.
ظننت فقط أن جسدي قد أصبح ضعيفًا، ولم أتصوّر أن ذلك قد يكون مرتبطًا مباشرة بنهاية اسمها الموت.
لكن تقرير الطبيب الذي كنت أمسكه بيدي جعلني أواجه الحقيقة: هذا ليس حلمًا.
‘هل سأموت حقًا؟’
فكّرت في احتمال التشخيص الخاطئ، فزرت أطباء آخرين، لكن إجاباتهم كانت جميعها واحدة.
لذا، على الأرجح… نعم، هذا هو الواقع.
«حالة المرض تتدهور بسرعة. لم يتبقّ لكِ أكثر من ثلاث سنوات.»
كان مقدّرًا لي أن أموت بعد ثلاث سنوات.
وفي هذه اللحظة، كان في بطني طفلٌ ينمو…
طفل رجلٍ لا يحبّني.
***
في غرفة الطعام بقصر روتشستر، لم يكن يُسمع سوى صوت اصطدام أدوات المائدة بلا انقطاع.
قطعة اللحم الموضوعة أمامي كانت قد صغرت منذ زمن، متجاوزة حتى الحجم المناسب للأكل، حتى غدت أصغر بكثير.
أمسكتُ بالسكين وبدأت أقطّعها للمرة التي لم أعد أعدّها، بينما أنظر إلى الرجل الجالس أمامي.
رجلٌ ذو شعرٍ أسود وعينين بلون الأزرق الداكن، بجسدٍ رجوليّ، وملابس تنضح بالثراء من أول نظرة.
أغنى رجل في الإمبراطورية، صاحب الذكاء الحاد والجمال، رجل يمتلك كل شيء بحق…
مايكل روتشستر.
زوجي.
ومع ذلك، كلما قضينا وقتًا—ولو قليلًا—معًا، كانت فكرة واحدة تسيطر عليّ مرارًا.
‘هل نحن فعلًا زوجان متزوّجان؟’
أليس من الممكن أن أكون قد استيقظت من حلمٍ ما، وأعيش وحدي في وهمٍ صنعته لنفسي؟
في الحقيقة، رغم أن هذا الرجل كان اجتماعيًا ونشيطًا أمام الناس، فإنه نادرًا ما ابتسم لي، ولم يترك لي يومًا أي مجال لأقترب منه.
ما كان يعود إليّ لم يكن سوى لامبالاة قاسية وبرودٍ جارح.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، لم يتغيّر هذا الأمر قيد أنملة.
ولا حتى في هذه اللحظة.
هل كان يدرك أصلًا أن زوجته تجلس أمامه الآن؟
كان تركيزه منصبًّا بالكامل على طعامه، لا غير.
نحن نتشارك المائدة، نعم، لكنه يبدو وكأنه لا يريد أن يتشارك معي أي شيء آخر.
وكأنها طريقة صامتة لرسم خطٍّ فاصل.
إذًا، إن فتحتُ فمي الآن، فسأكون عديمة الإحساس، أليس كذلك؟
“…مايكل.”
ومع ذلك، ناديته.
لأنني فكّرت أنني، على الأقل اليوم، أستطيع أن أكون كذلك.
رفع رأسه عند ندائي.
وفي عينيه الزرقاوين اللتين استقرتا عليّ، كان ما يلوح هو الانزعاج.
بدلًا من الرد، أشار بذقنه.
إشارة تعني: ‘إن كان لديكِ ما تقولينه، فتكلّمي.’
بعد تردّد قصير، بدأت الكلام.
“…مايكل، هل تعرف ما هو تاريخ اليوم؟”
اتسعت عيناه للحظة وجمدتا، ثم عادتا بسرعة إلى حالتهما السابقة، وكأن شيئًا لم يكن.
“لا أدري. وهل يفترض أن أعرف؟”
هززت رأسي نفيًا.
“ليس بالضرورة، لكن…”
“إن انتهيتِ من الأكل، فانهضي.”
في تلك اللحظة، نهض فجأة من مكانه.
كانت حركته أسرع من المعتاد، فهبط قلبي دفعة واحدة.
‘قلتُ شيئًا في غير محلّه مرة أخرى.’
“إن أردتِ المزيد فخذي. أنا مشغول بالعمل، وعليّ أن أذهب.”
“مايكل!”
كادت يدي تمتدّ لتوقفه، لكنني تراجعت وأطبقت شفتيّ.
“…لا شيء. لا يهم.”
‘اليوم هو يوم ميلادي…’
الكلمات التي لم أستطع نطقها ظلّت عالقة في حلقي.
ومع ذلك، شعرتُ بشيءٍ من الارتياح لأنني لم أقلها.
ذلك الرجل المشغول حدّ الجنون…
فهل كان سيتذكّر يوم ميلادي أصلًا؟
وحتى لو كان يعرف، هل كان لذلك أي معنى بالنسبة له؟
‘كنتُ سأُهان لا أكثر.’
وبينما كنتُ غارقة في هذه الأفكار القصيرة، كان قد وصل بالفعل إلى باب غرفة الطعام.
عندها—
“إن احتجتِ إلى شيء، فلا تلمّحي. أخبري سيينا مباشرة.”
توقّف أمام الباب وقال ذلك فجأة.
عند كلماته، شددتُ على طرف فستاني أكثر.
‘أن أطلب من سيينا…’
هل قال ذلك وهو يعلم بكل شيء؟
وحتى لو كان يعلم، فمن الواضح أن معاناتي الطويلة لا تعنيه في شيء.
وحين اختفى أثره أخيرًا، ابتلعتُ زفرةً ثقيلة.
‘ذهب مرة أخرى…’
إن رحل هكذا، فلن أراه لمدة نصف عام على الأقل.
خلال ثلاث سنوات من الزواج، كم مرة رأيتُ وجهه عن قرب؟
الشيء المؤكد أن عددها قليل إلى درجة يمكن عدّها على أصابع اليد.
مايكل، رجل الأعمال، كان يعود إلى المنزل مرة كل نصف عام تقريبًا،
وكان بقاؤه لا يتجاوز ثلاثة أيام إلى أسبوع على الأكثر.
وحتى في تلك الفترة، كان يتجنّبني بحجة انشغاله،
وتنتهي وجباتنا المشتركة دائمًا بقيامه من الطاولة مبكرًا بحجة فقدان الشهية.
ومن هذا وحده، يمكنني أن أجزم بشيء واحد:
زوجي، مايكل روتشستر، يكرهني.
وبشدة.
‘ومع ذلك… كنتُ أتمنى أن أقضي عيد ميلادي هذا معه…’
ازدادت قوة قبضتي على طرف الفستان.
من لا يملك عائلة ولا أصدقاء، يكون الاحتفال بيوم ميلاده جحيمًا خالصًا.
وفكرة أنني سأضطر لتحمّل مناسبة سنوية لا أريدها أصلًا جعلت رأسي يؤلمني مسبقًا.
***
“آه.”
في اللحظة التي غمستُ فيها يدي في وعاء الغسيل،
تسلّل بردٌ قارس إلى أعماق عظامي، فارتجف كتفاي دون إرادة.
الماء الذي أحضرته الخادمة كان باردًا كالجليد.
لا بدّ أنّهم تعمّدوا جلب هذا الماء البارد لي.
حدّقتُ في الموقد الخالي، الذي بدا موحشًا بلا قطعة حطب واحدة تشعل فيه.
ولا شكّ أنّ ذاك أيضًا من صنيع الخادمات.
بل، على وجه الدقّة…….
“هل الماء بارد قليلًا؟”
تلك المرأة ذات الشعر الأسود والعينين الزرقاوين الداكنتين، الشبيهة بمايكل إلى حدّ التطابق، لا بدّ أنّها الفاعلة.
سيينا روتشستر.
فتاة بلغت التاسعة عشرة من عمرها هذا العام، وهي الأخت الوحيدة لمايكل بعد أن فقد والديه كليهما.
وهي كذلك، في غياب مايكل، المالكة الفعلية لهذا القصر.
“أشعر بالأسف، ماذا عساي أفعل؟ ميزانية الوقود هذا الشهر شحيحة بعض الشيء. في الحقيقة، لو لم نقم باقامة حفل عيد الميلاد لما وصلنا إلى هذا الحد من العجز.”
“آنسة، لم أطلب إقامة حفل أصلًا.”
عند قولي هذا، ارتسمت على شفتي سيينا ابتسامة مسمومة.
“وهل تظنين أنّ الحفل هو السبب الوحيد؟”
“ما الذي تقصدينه بـ……؟”
“ألا ترين؟ بصراحة، لو لم تستثمر عائلة زوجة أخي في ذلك المنجم اللعين، لما تدهورت أعمال أخي إلى هذا الحد أصلًا.”
نعم، كان ذلك هو السبب.
السبب الذي جعل مايكل، وسائر أفراد هذه العائلة، يكرهونني.
أنّ المشروع الذي طالبت به عائلتي، عائلة أثاناسيوس، كشرط لإتمام زواجي من زوجي، انتهى بفشل ذريع لا يُغتفر.
“……عليكِ أن تخجلي من نفسك.”
في هذا الشأن، لم يكن لديّ ما أدافع به عن نفسي.
لكن مع ذلك…….
“وكيف يكون هذا خطئي أنا؟”
لم يكن زواجًا أملك فيه حقّ القرار من الأساس، ولم أحاول يومًا إقناع أحد بالاستثمار في أي مشروع.
فلماذا، إذن، يكرهني الجميع إلى هذا الحد؟
لم يكن الأمر غير مفهوم تمامًا.
فليس هناك هدف أسهل لتفريغ الغضب من ابنة عائلة أثاناسيوس نفسها.
لكن أن يُحمَّل كلّ شيء على عاتقي، وكأنّني المسؤولة الوحيدة عن كل ما جرى، كان أمرًا خانقًا.
“أنا…… كل ما فعلته أنّني تزوّجتُ ودخلتُ هذه العائلة. ماذا كنتُ لأعرف أصلًا؟”
“وما قيمة هذا الكلام؟”
“……”
“في النهاية، أليست حقيقة أنّ أموال عائلة زوجة أخي قد تبخّرت في الهواء قائمة كما هي؟”
ارتسمت على وجه سيينا ابتسامة ملتوية.
ثم اقتربت منّي وهمست بصوت خافت:
“أنتِ مقززة. كفّي عن التظاهر بالبراءة. عندما تصرّفتِ وكأنكِ قطعتِ كل صلة بتلك العائلة، ظننتُكِ مثيرة للشفقة قليلًا، لكن يبدو أنّ الأمر ليس كذلك…….”
“ما الذي تعنينه بذلك؟”
أجابتني وهي تنفث باستخفاف:
“همف. وما شأني أنا؟ على أي حال، أسرعي في الاستعداد وانزلي. الجميع في انتظارك.”
أغلقت سيينا الباب بعنف وغادرت، وما أن فعلت حتى دخلت الخادمات وهنّ يحملن علاقات الملابس.
لكن…….
“لماذا تبدو كل هذه الملابس على هذا النحو؟”
كانت حالة الملابس جميعها غريبة.
إمّا أنّها قديمة الطراز وقد عفا عليها الزمن، أو رسمية أكثر من اللازم، أو مفرطة في الجرأة إلى حدّ مبتذل.
حتى الأحذية والحقائب الموضوعة لتنسيقها معها كانت ذات طابع صارخ ومميّز إلى درجة يستحيل معها التوفيق بينها.
عندما سألت، أجابتني الخادمات ببرود:
“إنّها قطع جديدة جُلبت حديثًا من دار الأزياء، ألا تعجبكِ؟”
“هل هذا من أوامر الآنسة؟”
أجابت إحدى الخادمات:
“……نحن نفعل فقط ما يُطلب منا.”
كان جوابًا يبعث على التنهد.
‘سيينا قد قرّرت إذلالي في الحفل، لا شكّ في ذلك.’
لو خرجتُ بهذه الملابس، فسأبدو كغرابٍ يضع ريش الطاووس على رأسه؛ مشهد مثير للسخرية لا أكثر.
لكني لم أرغب في إثارة ضجة غير ضرورية، فاخترت الحلّ الأقل سوءًا.
“أين ملابسي التي كنت أرتديها عادة؟”
“……لا توجد.”
جاء الجواب مترددًا.
كانت طريقة الإجابة توحي بإخفاء شيء ما.
شعرتُ بحدسٍ سيئ.
“كيف تكون غير موجودة؟ كيف تختفي ملابسي التي كنت أرتديها دائمًا؟”
“لقد… قمنا بحرقها كلّها.”
“ماذا؟”
“ألم تقولي بنفسك من قبل؟ إذا لم يكن هناك ما يكفي من الحطب، فاحرقوا أي شيء متاح.”
تجمّدتُ في مكاني من الصدمة.
كانت سيينا، المسؤولة عن شؤون القصر الداخلية، كثيرًا ما تتذرّع بضيق الميزانية لتحرم غرفتي من الحطب.
وكان الأمر مقبولًا نوعًا ما حتى أوائل الشتاء، لكن في ذروة البرد، اضطررتُ ذات مرة إلى أن أطلب من الخادمات أن يحرقن أوراق الشجر إن لزم الأمر للتدفئة.
لكن هل يُعقل أنّهن……؟
“هل تشعرين بالأسف لأنّها كانت ثمينة؟ لكن ماذا بوسعكِ أن تفعلي؟ لقد أُحرقت بالفعل، ثم أنت لم تعودي بحاجة إليها، أليس كذلك؟”
“ماذا قلتِ……؟”
“لقد اشترينا ملابس جديدة، فلم أفهم لماذا نحتاج إلى الملابس القديمة. في النهاية، الجسد واحد فقط، أليس كذلك؟”
ارتسمت على وجوه بعض الخادمات ابتسامات ساخرة.
كنّ يحاولن كتم ضحكاتهن بصعوبة.
كان الأمر واضحًا.
هؤلاء الخادمات كنّ يسخرن مني عمدًا.
لا يجرؤن على إيذائي علنًا لأنني نبيلة، لكنهنّ يعرفن أنّني، بصفتي زوجة بلا سلطة حقيقية، لا أملك الحق في معاقبتهن لمجرّد أنّهن يجدنني مزعجة.
غلى شيء حارق في صدري.
“……وهل يعلم هو بذلك أيضًا؟”
“حسنًا… لو علم السيّد بأنّ السيدة قد انفعلت هكذا بسبب الملابس، فأظنّه سيشعر بخيبة أمل.”
“صحيح. على ذكر ذلك، أليس كان هناك منجم ألماس في المرة السابقة؟ قالوا أنّ الماء تفجّر فيه، أليس كذلك؟ تدفّق بغزارة حتى أنّ المزارع المحيطة أصبحت أكثر خصوبة بفضله.”
“يا إلهي، انتبهي لكلامك. ماذا لو أمر بأن نغرق هذه الملابس بالماء بدل إحراقها؟”
“ولِمَ لا؟ هي من سلالة الماء، أليس كذلك؟ لا بدّ أنّها ستحب ذلك.”
“أنتِ حقًا… سلالة الماء سلالة، لكن ليس كلّ من ينتسب إليها سواء.”
تعالت ضحكات مكتومة، وأصوات سخرية يتبادلنها فيما بينهن، وهنّ يتهكّمن عليّ.
كانت ضحكات تسخر منّي، أنا المنحدرة من عائلة أثاناسيوس، لكنني لا أملك القدرة على التحكم بالماء.
حينها أدركت، وبوضوحٍ مؤلم.
أنّه لا يوجد في هذا المكان شخص واحد يقف إلى جانبي.
***
لم يكن جوّ قاعة الحفل مختلفًا كثيرًا عمّا كان عليه الأمر مع الخادمات.
“يا إلهي، انظري إلى زوجة روتشستر هناك. ما هذا الذي ترتديه؟”
“من حيث القطع نفسها، تبدو باهظة الثمن، لكن هذا التنسيق… ما هذه الغرابة؟”
شعرتُ وكأنني ببغاء محبوس داخل قفص.
“أليس الأمر واضحًا؟ تزوّجت من ثريّ حديث النعمة، فضاعت معها هيبة النبلاء.”
كانت العيون تفحصني من كلّ اتجاه، والكلمات القاسية تُنهال عليّ بلا رحمة.
وسط قاعة تعزف فيها ألحان أنيقة، لم تكن هذه الاتهامات اللاذعة تناسب الجوّ إطلاقًا، ومع ذلك حاولتُ أن أسمعها بأذن وأُخرجها من الأخرى.
‘…ربما من حسن الحظ أنّني اعتدتُ مثل هذه الأقاويل.’
حتى قبل الزواج، لم يكن عدد الذين يلوون ألسنتهم بالحديث عني—ابنة أثاناسيوس غير الشرعية—قليلًا.
‘سأغلق أذنيّ فحسب، وأقضي الوقت إلى أن ينتهي كلّ شيء.’
جلستُ على الكرسي، وابتسمتُ لسيدة نبيلة جاءت تحمل هدية.
“شكرًا لقدومكِ، بارونة هيرينغتون.”
“لا داعي للشكر. بالمناسبة، أودّ رؤية الآنسة سيينا.”
لكن تلك الهدية، لم تكن لي أصلًا.
وبالتفكير في الأمر، هل كان هناك من حضر اليوم وتظاهر، ولو شكليًا، بأنّ الهدف ليس سيينا؟
لا أذكر أنّني سمعتُ تهنئة حقيقية بيوم ميلادي حتى.
فموقعي داخل هذه العائلة، قد أصبح حديث المنطقة بأسرها.
“…تأمليها، تجلس هناك بوجه كئيب. ليس غريبًا أن يهرب زوجها كلّما عاد إلى الإقطاعية، كفأر اشتعل ذيله نارًا.”
“صحيح. أليس هذا جزاء ما صنعت يداها؟”
“يبدو أنّها لا تُعامل حتى كبشرية في هذا القصر. لو كنت مكانها لانتحرتُ فورًا.”
“تمامًا. أفشلت أعمال زوجها، ولم تُنجب له طفلًا واحدًا طوال سنوات. أيّ فضلٍ لها حتى ترفع رأسها هكذا وتُقام لها حفلة عيد ميلاد؟ وبكلّ هذا البذخ؟”
كنت أظنّ أنّني اعتدتُ تجاهل هذه الكلمات، لكن بعض العبارات كانت حادّة إلى حدّ يتسلل إلى أعماقي بلا استئذان.
هذا ظلم.
‘لا… لم أكن أعلم شيئًا. لم أرغب حتى في هذا الحفل …’
هل يتحدث الجميع هنا عني؟
ما أن خطرت لي هذه الفكرة حتى بدأت أطرافي ترتجف، وخفق قلبي بعنف.
كانت لديّ الكثير من الكلمات التي أردتُ قولها، لكنني كنت أعلم أنّ أيّ اعتراض لن يزيدني إلا سخريةً.
ثم إنّني لم أعد أملك لا الشجاعة ولا القوّة للكلام.
في تلك اللحظة، لمحتُ في أحد أركان القاعة شفتي سيينا وهي تنحنيان بابتسامة شرسة.
ابتسامة من بدا كأنّ كلّ شيء جرى وفق مخططها.
أن تكون سيينا—التي دبّرت كلّ هذا—أخت زوجي، بل فردًا من عائلتي، كان أمرًا يبعث على القشعريرة إلى حدّ يصعب تصديقه.
***
‘أخيرًا… انتهى كلّ شيء.’
بعد انتهاء الحفل، بدّلتُ ملابسي إلى أخرى مريحة، ثم ارتميتُ على السرير.
كان يومًا استنزفت حتى آخر قطرة، شعرتُ وكأنّ دمي قد جفّ تمامًا.
راودني إحساس قويّ بأنّي إن نمتُ الآن، فسأُصاب بالحمّى.
كنتُ مرهقة، نفسيًا وجسديًا على السواء.
‘إن مرضتُ… فلن يكون هناك حلّ.’
أن تمرضي دون أن يكون لك شخص واحد يقف إلى جانبك، هو أمر موجع حدّ القسوة.
لذلك، سحبتُ الغطاء فوقي بإحكام، محاوِلةً النوم.
لكن، ربّما بسبب الألم الخفيف في جسدي، لم يأتِني النوم بسهولة رغم الإرهاق.
ولعلّ السبب هو الموقد الذي لم تشتعل فيه حتى شرارة واحدة.
كانت أسناني تصطكّ من شدّة البرد.
من كان ليتخيّل؟
أنّ زوجة أغنى رجل في الإمبراطورية، وابنة دوقية أثاناسيوس، تنام كلّ ليلة في غرفة باردة لعدم وجود حطب للموقد.
‘…كيف آل بي الحال إلى هذا؟’
فجأة، تذكّرتُ السبب الذي جعل حياتي تتعقّد إلى هذا الحد.
‘… لم يكن الوضع بهذا السوء منذ البداية، أليس كذلك؟’
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 1"