“سيدتي! أرجوكِ، اخرجي بسرعة!”
اضطرت فيلينا، التي كانت ترتشف شايها بهدوء في غرفتها، إلى النهوض والتحرك بتثاقل إثر هذا النداء الصاخب. وبينما كانت تسير في الرواق الطويل وتهبط الدرج، رأت الخدم والجواري متجمعين أمام الباب في حالة من الهرج.
“ماذا يحدث هنا؟”
ما إن اقتربت فيلينا حتى انفسح لها الحشد الصاخب. رأت حينها “إيمي” و”آرييل” تتهامسان وهما تتأملان سلة زهور موضوعة على الطاولة.
“ما شأن هذه الزهور؟” سألت فيلينا بنظرة يملؤها الفضول وهي تقترب، فمدت إيمي يدها بالبطاقة المرفقة مع السلة نحوها.
“هل سلبتِ أختكِ الرجل الذي رشحتهُ لها والدتكِ؟” قالت إيمي ذلك بنبرة تقطر شفقة مزيفة وهي تهز رأسها، ثم راحت تمسح برفق على شعر آرييل ذو اللون الكريمي، والتي كانت تجلس بجانبها بوجه عابس.
“لا تحزني يا آرييل، إيدي ليس الرجل الوحيد في العالم. سأعرفكِ على رجل أفضل منه في الحفل القادم.”
تمتمت آرييل بوجه ملائكي ووجنتين محمرتين: “أمي… يبدو اللورد إيدي لائقاً مع أختي أكثر مما هو معي.”
استدارت فيلينا التي كانت تراقب المشهد بشرود، وقرأت البطاقة التي ناولتها إياها إيمي:
[ما زلتُ أذكر عينيكِ اللتين تشبهان جواهر الياقوت. أرسلُ إليكِ هذه الزهور تطلعاً للقائنا القادم. – إيدي]
كانت الهدية من “إدواردز”، ابن الماركيز، الذي كان قد تودد لفيلينا في المأدبة الأخيرة. رفعت فيلينا السلة؛ لم تكن تحتوي إلا على شتى أنواع الزهور الحمراء.
“مبتذل.”
بُهت الخدم والجواري عند سماع تعليق فيلينا العابر؛ فأي فتاة أخرى كانت لتقبل السلة بخجل وتعتبرها لفتة رومانسية ساحرة. لكن بملامح باردة، استدارت فيلينا ونادت أقرب خادمة، ثم مدت لها السلة قائلة بصوت جاف: “أعيديها.”
ارتبك الخادم، وتبادل الجميع نظرات الاندفاع والدهشة. لم يكن اللورد إيدي شاباً ثرياً فحسب، بل كان وسيماً ومشهوراً بين النبلاء، وكان التكهن السائد أنه سيصبح مطمعاً للجميع حين ينضج.
توشوش الخدم فيما بينهم: “كيف لها أن تعيد الهدية؟ هذا رفض صريح، كان من الأفضل ألا ترد إطلاقاً.”
أما إيمي، التي كانت تراقب الموقف، فقد أطلقت شخيراً ساخراً وقالت بفظاظة: “بسبب غطرستكِ هذه، لم تتمكني من إغراء ولي العهد حتى الآن.” نظرت إليها إيمي باستياء، فهي التي حاولت جاهدة دفع فيلينا نحو الأمير إيان منذ صغرها.
تجاهلت فيلينا نظرات والدتها، وشعرت بعيني آرييل المتألقتين تلاحقانها. فجأة، أغمضت فيلينا عينيها وابتسمت ابتسامة رقيقة، ثم مدت السلة نحو آرييل.
“هل تريدينها؟”
“……ماذا؟”
“أظن أنكِ كنتِ تشتهينها منذ قليل.”
قالت فيلينا ذلك وهي تدفع السلة بقوة نحو صدر آرييل قبل أن تستدير وتغادر بسرعة. جحظت عينا آرييل وهي تمسك بالسلة قسراً؛ فرغم رائحتها الفواحة، إلا أن فكرة قبول “فضلات” أختها جعلتها تشعر وكأنها تمسك بسلة من القمامة.
“ما سر هذا الغضب؟” عبست إيمي وهي تنظر إلى ظهر فيلينا المتواري. لكنها لم تلاحظ الابتسامة الخفيفة التي ارتسمت على شفتي آرييل بمجرد رحيل أختها.
وصلت دعوة من “سيسيليا” لتناول الشاي. لم تكن فيلينا قد خاضت معها محادثة حقيقية بعد؛ فرغم لقاءاتهما الكثيرة في حياتها السابقة، إلا أنها الآن لا تزال في بداية أحداث الرواية.
في القصة الأصلية، لم تكن سيسيليا هي من يبادر بالدعوة، بل كانت فيلينا هي من تدعوها لتنغص عليها حياتها. لكن الأمور بدأت تتغير، وأول مؤشر كان ذلك الحوار الذي سمعته صدفة بين الأمير إيان وسيسيليا: “ليس بالضرورة أن يكون الخليفة ابنكِ.”
لم يكن هذا المشهد موجوداً في ذاكرتها عن الرواية. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها وهي تذكر كيف قرّب إيان باقة الورد التي أهدتها له سيسيليا من شفتيه. ربما كان سبب دعوة سيسيليا هو ذلك اللقاء الغريب عند مغادرة قاعة الولائم. لم تجد فيلينا سبباً للرفض؛ فكلما ساءت علاقتها بالبطلة، زاد احتمال تعرضها للأذى.
و في اثناء لقاء الشاي.
“سيدتي، ما هذا الذي على معصمكِ؟” سألت سيسيليا بعينيها الخضراوين المركزتين على معصم فيلينا الملفوف بضمادة رمادية تبدو ثقيلة.
“لقد كنت أمارس الرياضة بكثافة مؤخراً،” أجابت فيلينا بابتسامة.
أمالت سيسيليا رأسها بعدم فهم؛ ففي هذه الأيام، كانت فيلينا تبدأ صباحها بتدريبات بدنية شاقة، مرتدية أكياس رمل صنعتها بنفسها لتقوية جسدها.
“الليدي ديبوسي مختلفة تماماً عما تصورت،” قالت سيسيليا وهي تتناول قطعة من الفطيرة، لتعلق القليل من الكريمة البيضاء على طرف شفتها.
“حقاً؟” تناولت فيلينا منديلاً ومدته نحو سيسيليا، التي احمر وجهها خجلاً فور إدراكها للأمر.
“شكراً لكِ سيدتي،” قالت سيسيليا بابتسامة بريئة وهي تمسح فمها. هزت فيلينا كتفيها بلا مبالاة.
“أمم، عذراً…” بدأت سيسيليا تتحدث بحذر، “هل لي أن أناديكِ ’السيدة فيلينا‘؟”
رفعت فيلينا فنجانها بصمت، وراقبت توتر سيسيليا. كانت تعرف جيداً كيف تبدو تلك العيون وهي تفيض بالدموع. في القصة الأصلية، لم يبكِ سيسيليا إلا البطل، حتى في أصعب المواقف كانت تبتسم بحزن.
ترددت فيلينا؛ هل تتقبل تقرب سيسيليا منها؟
“سيدتي، إذا كان الأمر يزعجكِ يمكنكِ الرفض! أنا فقط…”
“لا بأس،” قاطعتها فيلينا بهدوء، “يمكنكِ مناداتي باسمي.”
أشرق وجه سيسيليا فجأة: “حقاً؟ أنا سعيدة جداً! يمكنكِ مناداة ’سيسيليا‘ أيضاً!”
ردت فيلينا بجمود: “…نعم، سيسيليا.”
لم تفهم فيلينا سر تلك السعادة الغامرة على وجه سيسيليا. هل ستظل تبتسم هكذا لو علمت أن فيلينا هي من احتجزتها رهينة في حياتها السابقة؟
خفضت فيلينا نظرها إلى الشاي، حيث كانت بتلات الزهور تدور في الماء الصافي.
“في الحقيقة، كنت أتوق لقضاء وقت معكِ، وقد تطلب الأمر شجاعة كبيرة لإرسال الدعوة…”
شعرت فيلينا فجأة بدوار واختناق، وكأن وعيها يغيب. وفي خضم هذا الاضطراب، انزلق فنجان الشاي من يدها.
“صلصلة!”
تحطم الفنجان وانسكب الشاي على الطاولة وفستانها.
“سيدتي فيلينا، هل أنتِ بخير؟” اندفعت سيسيليا نحوها، لكن فيلينا نهضت بسرعة وأبعدت يد سيسيليا عنها بحدة، مانعةً الخدم من الاقتراب.
“…… السيدة فيلينا؟” تراجعت سيسيليا بحيرة.
استدارت فيلينا نحو مرافقيها “إينوك” و”لورا”: “لنعد الآن.”
ثم قالت لسيسيليا المذهولة: “لستُ بخير اليوم، اعذري وقاحتي. سأرسل لكِ دعوة في المرة القادمة.”
أشرق وجه سيسيليا مجدداً: “نعم يا سيدتي! سأنتظر!”
غادرت فيلينا القصر بخطوات ثقيلة. كانت لورا تراقبها بقلق: “آنسة، هل أنتِ بخير؟”
“نعم، أنا بخير.”
لكنها لم تكن بخير؛ كان قلبها يخفق بجنون وشعور الموت يطبق على صدرها. أخبرتها لورا أن إينوك ذهب لإحضار العربة، لكن الضجيج حولها بدأ يتحول إلى ضباب مؤلم.
وقبل أن تنهار تماماً ويسقط جسدها على الأرض، شعرت بِيَد قوية تمسك بمعصمها النحيل، وذراع تلتف حول خصرها لتسندها إلى صدر عريض. وفي تلك اللحظة، رأت خصلات من الشعر الفضي الناعم تتطاير مع الريح.
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"