لقد مر عام كامل بالفعل منذ أن حبست أليسيا نفسها في ذلك الكوخ الصغير…
في ذلك الوقت، لم أتخيل أبداً أنها قد تفكر حتى في قبول تلك الشروط، ناهيك عن الالتزام بها طوال هذه المدة. لقد قدمت لها مطالب غير معقولة عمداً لهذا السبب تحديداً؛ فقد كان غرضها الوحيد هو جعلها تستسلم، لكن في النهاية، يبدو أنها لم تزدها إلا إصراراً.
حتى تلك اللحظة، كنت أظن أنني أفهم شخصيتها جيداً، ولكن يبدو أنني كنت مخطئاً. فلم تعد مجرد الصعوبات كافية لتغيير رأيها بعد الآن، وحتى المتطلبات المستحيلة لا يبدو أنها تزعجها بأقل قدر. لقد كبرت فتاتي الصغيرة كثيراً، لكنني لم أدرك هذه الحقيقة إلا بعد فوات الأوان.
…والآن مر عام كامل منذ آخر مرة رأيتها فيها.
كان جلُّ تواصلي معها يتمثل في تزويدها بالطعام والملابس والكتب، وذلك عن طريق خادمتها الشخصية، روزيتا، التي كانت تنتقل ذهاباً وإياباً لتقوم بدور الوسيط.
ولكن بالطبع، لم يكن لأليسيا أي اتصال فعلي مع روزيتا أيضاً.
إذ كانت خادمتها تكتفي بترك الأشياء الضرورية أمام الكوخ ثم تعود إلى القصر. قد يكون الكوخ الذي تقيم فيه صغيراً وقديماً ومتهالكاً، لكنه يحتوي على حمام وجميع المرافق الضرورية، لذا فهو على الأقل صالح للسكن كمنزل دائم. ومع ذلك، فهو يختلف تماماً عن العيش في رغد الرفاهية الذي وفره لها قصرنا، لدرجة أنني اعتقدت أنها لن تكون قادرة على التعامل مع مشقات أسلوب الحياة الجديد هذا.
إن الانتقال من حياة بسيطة إلى تجربة حياة الترف قد يكون أمراً سهلاً، لكن العكس لا يمكن أن يكون انتقالاً سلساً على الإطلاق بعد الاستمتاع بأسلوب حياة باذخ طوال العمر.
ولكن رغم كل ذلك، تمكنت أليسيا بالفعل من تحمل العيش هناك لمدة عام كامل. إلى متى ستتمكن من الصمود؟ في الماضي، كانت تتخلى عن الأشياء بسهولة بالغة، ولم أتخيل أبداً أنني سأتمنى يوماً عودة تلك الأيام. أعلم أن هذا أمر فظيع، ولكن… ‘ليتها تسرع وتستسلم فحسب!’.
وعلى الرغم من أن الأمر جاء متأخراً بشكل يثير السخرية، إلا أنني عندما اكتشفت أن أليسيا قد اختُطفت، ندمت من كل قلبي على قراري بالسماح لها بمراقبة ليز كاثر.
وعندما رأيتها في قصرنا سالمة معافاة، ربما كانت جميع جروحها قد التأمت بالفعل، لكن خيالي لم يستطع منع نفسه من الجنوح بعيداً. لقد أُخبرت بالحالة التي كانت عليها عندما خرجت من ذلك الكوخ، لذا فإن مجرد رؤيتها ذكرني بكل العذاب والألم الذي لابد أنها مرت به. تساءلت عن الندوب التي لابد أنها بقيت تحت السطح، وعن الصدمة التي لابد أنها تلقتها جراء عيش مثل هذه التجربة، وشعرت أن تلك الفكرة تشبه سكيناً ثلماً ومسنناً يطعنني في قلبي.
كان من الممكن أن تموت ابنتي العزيزة في ذلك اليوم. وقد جثمت هذه الحقيقة بثقلها عليّ، تماماً مثل تلك الموجة العارمة من الندم.
ربما لم تكن هناك طريقة للعودة بالزمن وتغيير قراري، لكنني اعتقدت أنني أستطيع على الأقل محاولة حمايتها من تجربة مثل هذه الأهوال في المستقبل. لذلك، عقدت العزم على جعلها تتوقف عن تلك الوظيفة الخطيرة!
إلا أنها رفضت بعناد.
لم أستطع الفهم؛ فقد عانت من مثل هذه المحنة، وتعرضت حياتها للخطر، ومع ذلك أخبرتني قائلة: “أريد الاستمرار في مراقبة ليز كاثر”. وكانت رغبتها في الاستمرار قوية لدرجة أنها كانت مستعدة حتى لقبول تلك الشروط غير المعقولة والعيش في ذلك الكوخ الصغير طوال العام الماضي.
وبقدر ما هو أمر محبط، أعتقد أنه من المهم تحمل مسؤولية الكلمات التي ننطق بها. فبعد أن عرضت عليها تلك الشروط ووعدتها بالسماح لها بالاستمرار إذا استوفتها، لم أستطع أن أقدم لها قدوة سيئة من خلال النكث بوعدي أو محاولة التراجع عن كل شيء.
لذلك كان عليّ أن أدعها تحاول، وبغض النظر عما قد تكون عليه النتائج في النهاية، سأحرص على الوفاء بجانبي من الاتفاق.
ما إن بدأتُ أتصالح مع خطئي الفادح والواضح، حتى أدركتُ أنني لم أنبس بكلمة واحدة حول هذا الأمر للملك أو لبقية أعضاء المجلس. ولحسن الحظ، فإن لوك ملكٌ ذكي وحكيم، لذا افترضتُ أنه سيكون على الأقل مستعداً للاستماع إلى تبريري وتفهم مشاعري كأب، لكن هذا لا يعني أن بقية أعضاء المجلس سيكونون متسامحين إلى هذا الحد.
لذلك، بعد أن ودعتُ أليسيا، دعوتُ إلى اجتماع طارئ للمجلس وشرحتُ لهم كل شيء.
كان يوهان مستاءً للغاية من حقيقة أنني تصرفتُ من تلقاء نفسي، متمتماً بشيء مثل: ‘تباً لك من وغدٍ أناني’ بصوت منخفض، ولكن تماماً كما فعلتُ مع البقية، تمكنتُ من إقناعه على مضض برؤية الأمور من منظوري.
إنها حقيقة واقعة؛ فإذا لم تتمكن أليسيا على الأقل من الوصول إلى المستوى 90 في السحر، فلن تكون قادرة على توجيه القديسة بشكل صحيح، لأن الشخص الذي يمتلك قدرات أدنى بشكل واضح لن يمتلك أي سلطة عليها.
من الصعب الجدال ضد هذا المنطق، لذا انتهى الأمر بالأربعة منهم بالموافقة معي لحسن الحظ، وإن كانوا لم يستطيعوا إخفاء نفاذ صبرهم، بما أننا نقوم أساساً بإهدار فرصٍ تعادل قيمتها عامين كاملين.
بحلول الوقت الذي تعود فيه أليسيا، ستكون ليز كاثر قد بلغت العشرين من عمرها بالفعل، مما يعني أنها ستكون في سنتها الأخيرة في الأكاديمية. وبمجرد تخرجها، لن تتاح لأليسيا الفرصة لرؤية القديسة بانتظام بعد الآن، لذا لن يكون أمامنا سوى عام واحد فقط لتغيير عقليتها بشكل صحيح.
‘ليس لدينا وقت لنضيعه هكذا، أنا أدرك ذلك جيداً’.
‘ولكن، لماذا يجب أن تكون ابنتي هي المختارة؟’.
قد تكون أليسيا “طفلة مشاكسة” ومتمردة بشكل غير مسبوق تماماً مثل القديسة، لكن هذا ليس سبباً كافياً بالنسبة لي لأقف مكتوف الأيدي وأشاهدها وهي توضع في طريق الخطر. لا يمكنني الاكتفاء بالمراقبة بينما تتعرض للقتل تقريباً. ما زلت أشعر بدمي يغلي والغضب يجتاحني في كل مرة أفكر فيها بما حاول أولئك الأوغاد فعله بها.
وبالنسبة لأولئك الأوغاد بارد القلوب الذين سمحوا بحدوث ذلك فحسب، والذين يريدون لها الاستمرار رغم المخاطر، والذين يتذمرون من مدى جنوني لتدخلي… في لحظة ما، كدتُ ألا أتمكن من كبح جماح غضبي القاتل تجاههم. صرختُ في وجوههم متسائلاً: “ماذا تظنون ابنتي؟! هل هي مجرد أداة تُستخدم وتُلقى وفقاً لراحتكم وأهوائكم؟!”.
أدى ذلك إلى إسكات الأربعة منهم على الفور، وكأن شفاههم قد خُيطت ببعضها.
وبعد صمت طويل ومضنٍ، تحدث لوك أخيراً لأول مرة في الاجتماع، حيث قال ببساطة: “للتعامل مع طفلة متمردة ومشاكسة، عليك استخدام طفلة متمردة ومشاكسة آخرى”.
لم أستطع قول أي شيء للرد على ذلك. لكنني ما زلت أتمنى لو لم يكن الأمر متعلقاً بابنتي. أعلم أنني أتصرف بأنانية، لكنني لا أزال آمل أن تستسلم، وأن تنسى أمر تلك الوظيفة تماماً، وتعود إلينا وتعيش بسعادة وأمان هنا. في كل يوم أزور كوخها، وأكتفي بمراقبته من بعيد، متوسلاً لأليسيا بصمت أن تخرج… أن تعود إلى المنزل.
في اليوم نفسه الذي شرحتُ فيه للمجلس ما حدث، ذهبتُ أيضاً لرؤية الصبي المعروف باسم جيل لأول مرة. وما وجدته كان شاباً يافعاً يبدو عليه التجهم الشديد، وبدا ضئيل الحجم للغاية حتى بالنسبة لطفل في التاسعة من عمره.
عند رؤيتي، لم يتغير تعبير وجهه على الإطلاق، ولكن بمجرد أن بدأتُ في شرح الموقف له، استمر وجهه في الازداداد قتامةً وضيقاً مع كل ثانية تمر.
وبحلول الوقت الذي بدأتُ فيه أشرح كيف أن أليسيا لن تكون قادرة أيضاً على زيارة القرية الفقيرة خلال العامين المقبلين، كانت النظرة في عينيه عدائية تجاهي تماماً. كان يرمقني بنظرات مهددة، وكان هناك قدر هائل من الرغبة في القتل تشتعل في أعماق عينيه، لدرجة أنني وجدتُ صعوبة في تصديق أنه لا يزال في التاسعة من عمره فقط.
عندما انتهيتُ من قول ما لدي، مررتُ له قارورة صغيرة تحتوي على سائل وردي اللون، وهو مزيج يُدعى آبيل. وأوضحتُ له أنه إذا تناول هذا المزيج، فسيكون قادراً على عبور الحاجز في أي وقت يشاء إذا أراد زيارة القرية بنفسه.
بعد ذلك، لم أنطق بكلمة أخرى وتركتُ له المجال ليتشرب تلك الأخبار. لكن رده كان غير متوقع لدرجة أنه جعلني عاجزاً عن الكلام.
“عندما يكون الآباء حمقى، فإن ذلك يجعل أطفالهم أكثر إثارة للشفقة فحسب”، قالها بنبرة ساخرة وعلى وجهه ابتسامة استهزاء، قبل أن يستدير على عقبيه ويغادر الغرفة دون أن ينبس بكلمة أخرى.
كنتُ مذهولاً للغاية لدرجة أنني لم أرد بكلمة واحدة. اكتفيتُ بملاحقة ظهره الصغير بعينيّ وهو يخطو خارج الباب.
ولم يمضِ يوم واحد حتى أدركتُ كيف يخطط لقضاء العامين المقبلين بأكملهما. يبدو أنه وأليسيا حقاً من الطينة ذاتها.
فمنذ اللحظة التي أدرك فيها أنه تُرِك وشأنه ليتدبر أموره بنفسه، سارع إلى حبس نفسه داخل المكتبة.
وعلى عكس أليسيا، فإنه لم يكن يغادرها أبداً. حتى وجبات طعامه كان يتناولها في المكتبة؛ حيث كان الخدم يوصلونها إليه في الأوقات المحددة من اليوم، ثم يستعيدون الأطباق الفارغة بمجرد انتهائه. لقد استثنى الاستحمام فقط من هذه القاعدة، وحتى ذلك لم يكن يخرج للقيام به إلا مرة واحدة كل يومين.
والوقت الوحيد الذي كان يغادر فيه الغرفة لفترة ممتدة هو في بعض الليالي العارضة، عندما كان يتوجه سيراً نحو الغابة خلف العقار. ووفقاً للتقارير، كان يتجه في كل مرة مباشرة صوب القرية الفقيرة.
لم يكن جيل هو الوحيد الذي توجب عليّ شرح غياب أليسيا له، بل حرصتُ على شرح الموقف لبقية أفراد عائلتي أيضاً.
اثنان من أبنائي، آلان وألبرت، لم يبديا رد فعل يذكر تجاه الأنباء، ولم يشعرا أن الأمر غريب أو مثير للقلق بشكل خاص على الإطلاق.
لكن هنري كان قصة أخرى. عندما أخبرتُه بالأمر لأول مرة، كانت تلك المرة الأولى التي أسمعه فيها يرفع صوته.
“لماذا تضع لها مثل هذه الشروط السخيفة؟!” صرخ في وجهي. “ألم تدرك أن آلي ستقبل بها حتماً حتى لو بدت مستحيلة؟!”.
ومنذ ذلك اليوم، لم يتحدث هنري معي مرة أخرى. يبدو أنه في الوقت الذي لم أكن فيه منتبهاً بما يكفي، حاول أحد أبنائي على الأقل أن يفهمها بشكل صحيح.
ولم يكن ابني هو الوحيد الذي كان يستشيط غضباً بعد ذلك. وجدتُ نفسي عُرضة لنظرات حادة من دوق، ابن لوك، أيضاً. في كل مرة نصادف فيها بعضنا البعض، لم يكن يقول شيئاً، لكن الغضب والاحتقار كانا يشتعلان في عينيه.
أما زوجتي، فقد كانت ساخطة للغاية بسبب قراري. ومنذ أن غادرت أليسيا المنزل، وهي تتصيد لي الأخطاء في كل ما أفعله، وتوبخني على أصغر الأمور وأكثرها تفاهة. وفي اليوم الذي غادرت فيه أليسيا، حرصت زوجتي أيضاً على توجيه لكمة قوية إلى وجهي، فبقيت عيني متورمة وزرقاء لمدة أسبوع بعد ذلك.
…لكن كان هذا كل شيء. كان هذا كل رد الفعل العنيف الذي تلقيته جراء قراري الأحمق.
أما البقية، فكانت نابعة من داخلي. كنتُ أندب حظي كل يوم لأنني لم أفهم ابنتي حقاً. كنتُ لا أزال أراها تلك الفتاة الصغيرة التي لا تستمر في أي من نزواتها، لذا انتهى بي الأمر بعدم أخذها على محمل الجد بما يكفي.
بطريقة ما، فاتني أنها كبرت لتصبح شابة مستعدة لفعل أي شيء في سبيل تحقيق أهدافها الخاصة.
عندما تحدثنا في ذلك اليوم قبل عام، كانت متمسكة برأيها بشدة ولم أستطع تحمل رؤيتها تمر بشيء كهذا، لذا ألقيتُ في وجهها بأكثر الشروط تعجيزاً واستحالة مما خطر ببالي.
’كيف غفلتُ عن مدى إصرارها؟‘.
بعد حوالي نصف عام، تلقيتُ كلماتها الأولى والأخيرة من أليسيا خلال هذه الفترة. وصلت في شكل رسالة واحدة صغيرة.
كانت الرسالة موجهة من أليسيا إليّ، ونصها كالتالي:
『والدي العزيز، لقد تناهى إلى مسامعي بمحض الصدفة حوارٌ دار بين اثنين من البستانيين أثناء عملهما حول الكوخ، وهو ما دفعني لكتابة هذه الرسالة. لقد كانا يتحدثان كما لو أنك نادمٌ بشدة على الكلمات التي قلتها لي في ذلك اليوم. ولكن، لا يزال الوقت مبكراً جداً لكي تشعر بالندم على أي شيء. سأحرص على استيفاء شرطيك بشكل مثالي، وحينها فقط يمكنك أن تشعر بالندم كما تشاء. وحتى ذلك الحين، أرجو أن تعيش بسعادة وبصحة جيدة. أليسيا』
التعليقات لهذا الفصل " 106"