سألني جيل بنبرة يملؤها الإعياء وهو يمسك كتاباً مفتوحاً بين يديه.
“حتى أتمكن من بلوغ المستوى الخامس والثمانين في السحر.”
عند سماعه كلماتي، كاد الكتاب يسقط من يده من فرط الصدمة.
قال جيل بنبرة عقلانية، “المستوى الخامس والثمانون؟.. أليسيا، أعلم أنكِ تبذلين قصارى جهدكِ الآن، ولكن لا فائدة من ذلك إن انهرتِ من التعب. عليكِ أن ترتاحي بين الحين والآخر، فهناك أشياء لا يمكن إنجازها بمجرد قوة الإرادة وحدها”
أقسمُ أن العبارات التي يتفوه بها تجعله يبدو وكأنه هو الأكبر سناً، لا أنا.
“إذا كنتِ تقضين كل وقتكِ في التدريب، فمتى تخططين لزيارة الجد ويل؟”
آه، صحيح! لا يزال عليّ زيارة الجد ويل.
ألقيتُ نظرة نحو النافذة.. كان الظلام في الخارج قد أصبح دامساً. لم أدرك أن الضوء المتسلل إلى المكتبة قد استحال من ضياء شمس إلى نور قمر.
منذ متى ظهر القمر؟ هل لا يزال في طور الصعود؟ كم ساعة قضيتها وأنا أمارس السحر؟
“جيل، لقد غابت الشمس”
“أجل يا أليسيا، لقد غابت..يا للذكاء! إنه الليل، لذا من الطبيعي أن تغيب”، قالها جيل بتهكم وهو يرمقني بنظرة ازدراء.
هذا يعني أنني كنت أتدرب طوال اليوم ونصف الليل، ومع ذلك لم أحرز أي تقدم. كنتُ أطمح على الأقل إلى إتقان التحول إلى أسد قبل أن أتوقف لهذا اليوم.
لقد ظللت أحاول تنفيذ سحر التحول الحيواني من المستوى الثاني والثمانين لساعات متواصلة، ولكن دون جدوى.
“كنتِ تخططين للذهاب إلى المدرسة غداً، أليس كذلك؟”
“نعم..كنتُ أنوي ذلك”
أعني، لا يوجد سبب يمنعني من الذهاب.
“إذاً أرى أن عليكِ الإسراع والخلود إلى النوم الآن..”
لسبب ما، أشعر وكأنه يعاملني كطفلة وهو بمثابة أمي…هل أبدو فعلاً كشخص يحتاج لمن يعتني به؟ أنا؟ الشريرة؟ لا يمكنني السماح لنفسي بأن أبدو كمن يحتاج للدلال! يجب أن أصبح امرأة تعكس كل أفعالها العزيمة والاستقلال.
ولكن إذا استمر الحال على هذا المنوال، فبدلاً من أن أُعرف كشريرة آثمة، سأُصنف مجرد طفلة طائشة وغير مسؤولة.
اعترفتُ قائلة وأنا أبتسم بخجل، “هذا صحيح. ربما يجدر بي النوم الآن”
أومأ جيل برأسه، وبدا راضياً عن ردّي.
وهكذا، ودون أن أتمكن من إحراز أي تقدم، غادرتُ أنا وجيلز المكتبة وتوجهنا إلى الفراش.
* * *
“أليسيا؟ هل أنتِ مستيقظة؟” سمعتُ صوت والدي يناديني من الرواق.
هل لا زلتُ أحلم؟ أم أن هذا يحدث حقاً؟
“ألي؟” سمعته ينادي مرة ثانية بنبرة مترددة.
جربتُ نفسي خارج السرير وأنا لا أزال غارقة في النعاس، ثم مشيتُ لأفتح الباب.
“نعم؟” سألتُه حين رأيته واقفاً أمام غرفتي مباشرة. كانت عيناي شبه مغمضتين، وعقلي لم يستيقظ بما يكفي ليعمل بشكل صحيح بعد.
أدركتُ بترنح أن “الشريرة” لا ينبغي لها أبداً أن تسمح للآخرين برؤيتها في هذه الحالة الضعيفة والمبتذلة، ولكن بما أنه والدي، فلعله يغفر لي تهاوني.
“صباح الخير، ألي”، قالها وتعبير الراحة يرتسم على وجهه.
“صباح الخير يا أبي. ما الخطب؟”
هتف والدي بصوت أعلى مما ينبغي: “أحقاً لا تعلمين لمَ أنا هنا؟ لقد سمعتُ أن ابنتي الغالية قد اختُطفت بل وأُصيبت أيضاً!”.
آه، صحيح. لقد اختُطفت. لقد نسيتُ الأمر تماماً.
كانت عينا والدي واسعتين وهما تحدقان في عينيّ، وتحملان آثاراً من الإحباط والغضب. وبينما كنتُ أنظر في تلك العينين، بدأ ضباب النوم ينقشع عن ذهني ببطء.
بمناسبة الحديث عن ذلك، لم يكن والدي في المنزل عندما عدتُ بالأمس.. كما أنني لم أرَ أحداً من إخوتي أيضاً.
بدأتُ أقول: “أين كنتَ بالأمـ..” لكني توقفت.
أخيراً، استيقظتُ تماماً. صُدمتُ حين رأيتُ عينيّ والدي مغرورقتين بالدموع، لدرجة أن كل التعب قد تلاشى في لحظة.
هل كان قلقاً عليّ إلى هذا الحد؟…
“حمدً لله أنكِ بخير”، قالها وهو يمسح على رأسي بحنان. كان صوته متهدجاً، وشعرتُ بيده كبيرة ودافئة وهي تداعب شعري.
إذن، مجرد لمسة بسيطة من يد أبٍ يمكنها أن تضمد قلبي بهذا الشكل. رغم أن يد الجد ويل تمنحني أيضاً ذات الشعور بالأمان والرضا.
رفع والدي يده عن رأسي ببطء، ثم نظر في عينيّ مباشرة، وفتح فمه ليتحدث مجدداً برزانة،
التعليقات لهذا الفصل " 104"