6 - الفصل السادس
“لا تظنَّ أنَّ بإمكانك شراء البشر بالمال!”
في الأصل، كانت هذه الكلمات تخرج من كاتنيس وهي تغلي غضباً من معاملة الأمير لأصدقائها —أجل، كاتنيس تملك قدرة مذهلة على تكوين الصداقات، إذ يكفيها مجرد تبادل الأسماء لتعتبر الشخص صديقاً— كأنهم مجرد سلع تُباع وتُشترى.
كانت الجملة تليق تماماً بموقف بطلة تقف حائلاً بين الأمير وصديق يرتجف خوفاً، لتصرخ بالحق في وجهه.
“…”
لكنها لم تكن تليق أبداً بـيوجين التي كانت منذ لحظات تنبح “هوهو” كأنها ألقيت بكرامتها الإنسانية عرض الحائط، ساد صمت مطبق في الخيمة، وتركزت أنظار الجميع عليها بسبب توالي تصرفاتها الغريبة والمناقضة لبعضها.
يبدو أنها لم تبالِ بتلك النظرات المذهولة من حولها؛ فالمهم بالنسبة لها هو نطق الجملة الصحيحة كما وردت في ‘الحدث’.
‘الخيار الأول هو هذا بلا شك.’
رفعت يوجين صدرها بزهو، والارتياح يرتسم على وجهها.
ها قد قدمتُ الجواب الصحيح لهذا الحدث، والآن، الأمير مايكل سيقول…
“… لا بأس بتربية كلب بري، قد يكون أمراً ممتعاً.”
بالضبط!، لقد كان الجواب الصحيح.
بعد أن اختبرت يوجين قدرتها على تفعيل ‘الأحداث الإجبارية’، تأكدت تماماً حين رأت رد فعل الأمير.
‘نجحتُ.’
أن تختار الخيارات المخصصة للبطلة بدلاً منها؛ إذا كان هذا ممكناً، فلا شيء يصعب بعد الآن.
كانت يوجين تحفظ كل الأحداث الضرورية للوصول إلى نهايات اللعبة، ورغم وجود مشكلة بسيطة وهي أن معظم تلك النهايات تنتهي بـالسجن، إلا أن ذلك لم يكن عيباً جوهرياً بالنسبة لها.
فهي ليست كالبطلة التي كانت تتوق للحرية وتخطط للهرب مراراً، بل كانت يوجين واثقة تماماً من قدرتها على الاستمتاع بحياة السجن بكل أريحية.
‘حرية؟، لا أحتاجها.’
تباً لـسقراط وحريته؛ فلتكن حياة كلب شبعان لا يفعل شيئاً.
لقد كانت عبدة لدى مدير عملها في العالم الحديث، فما الضير في العبودية هنا إذا كانت ستضمن لها الدفء والشبع؟
‘في عالمي السابق، كان الجميع يتصارعون ليصبحوا عبيداً (موظفين) في شركات كبرى (بيوت غنية)!’
فكرت يوجين هكذا، ولم تستطع إخفاء فخرها بل ابتسمت ابتسامة عريضة.
ولم تدرك أن الأمير مايكل كان يرمقها بنظرة غريبة، وهي تنظر إليه بفيض من الطاقة الإيجابية التي لا تناسب حالها داخل قفص.
وهكذا، بابتسامة مشرقة، وُضعت يوجين في عربة البضائع مع بقية المقتنيات التي اشتراها الأمير، لتدخل القصر الإمبراطوري.
* * *
الطريق إلى القصر كعبدة للأمير، كان الجو مشرقاً بنحو لا يناسب يومها الأول الذي تخلت فيه عن صفتها كإنسانة حرة لتصبح مجرد حيوان أليف.
تحت سماء زرقاء خالية من الغيوم، وفي ضوء شمس قوي لا يحجبه شيء، استطاعت يوجين رؤية القصر الإمبراطوري يقترب من بين قضبان العربة المتهالكة.
‘واو…’
بناء هائل لا تدرك العين نهايته حتى من هذا البعد، كانت الأسقف تشع ببريق كأنها طُليت بالذهب الخالص.
وتماشياً مع هيبة الأسرة الحاكمة التي تسود الإمبراطورية، كانت الجدران الخارجية مزينة بكثافة بأنواع لا تُحصى من المنحوتات والتماثيل في كل زاوية.
‘هل كل هذا ذهب حقيقي؟’
ابتلعت يوجين ريقها وهي تنظر إلى الجواهر المتلألئة هنا وهناك، تذكرت قصر الكلب الثري الذي رأته في الإعلان سابقاً.
‘كنتُ أظن ذلك القصر قمة الفخامة…’
مقارنة بهذا المكان، لم يكن ذلك سوى خمّ دجاج، جال بصر يوجين —التي لم يسبق لها السفر خارج البلاد— في المكان بذهول، متسائلة إن كانت قصور أوروبا الغربية التي رأتها في الكتب تشبه هذا الجمال.
“سـ.. سموك!”
وقف حرس البوابة عند الأبواب الذهبية بتوتر شديد، وعدّلوا وضعية رماحهم مؤدين التحية العسكرية.
لم يبالِ الأمير مايكل بالجنود المرتبكين من قدومه المفاجئ بملابس بسيطة وخلفه عربة بضائع، بل دخل بفرسه من بين الأبواب التي فُتحت له على عجل بكل طبيعية.
أما العمال الذين سحبوا العربة من المتجر، فلم يُسمح لهم بالدخول أكثر؛ فنزل السائق عن مقعده ليساعد خدم القصر الذين اقتربوا لنقل الحمولة.
شاهدت يوجين البضائع وهي تختفي تدريجياً من العربة، ثم نزلت هي الأخرى بقديمها.
يبدو أنهم اعتقدوا أن فتاة ضئيلة بشعر أبيض لا تملك القوة، لن تستطيع الهرب بمفردها من العربة المغلقة، فتركوها دون أي قيود.
وطأت يوجين الأرض حافية القدمين، إذ لم تُمنح حذاءً بعد، ثم ركضت خلف الأمير مايكل الذي كان يقود فرسه في المقدمة بوقع حوافر منتظم.
“أنتِ هناك!”
لم يتوقع الجنود أن تقوم فتاة صغيرة بتصرف مفاجئ كهذا وسط كل هؤلاء الرجال الأشداء؛ فارتبكوا للحظة قبل أن يلحقوا بها ويقطعوا طريقها بسرعة.
“كيف تجرئين على الركض هنا!، هل تدركين أين أنتِ؟”
“…”
أدارت يوجين عينيها تنظر إلى الجنود الذين حاصروها، ثم صرخت تجاه ظهر الأمير الذي كان يبتعد:
“سيدي!”
توقف الأمير.
توقف الأمير مايكل الذي كان يسير في المقدمة غير مبالٍ بالضجيج خلفه.
“سيدي!، يا سيـ… مممم!”
“م-ماذا تفعلين!، أنتِ…!، كيف تجرئين على التحدث أمام سموه!”
ذعر الجنود الذين أحاطوا بـيوجين وكمموا فمها بأيديهم، خافوا أن تزعج هذه العبدة الجاهلة مزاج الأمير فتطالهم نيران غضبه؛ فصاروا يحاولون يائسين إزاحتها عن ناظري سموه.
التفت مايكل، وحين رأى الجنود يغطون وجه يوجين بأيديهم الخشنة، رفع حاجباً واحداً وقال.
“اتركوها.”
“بوووه.”
بمجرد أن رُفعت أيدي الجنود المذعورين بناءً على أمر الأمير، أطلقت يوجين زفيراً عميقاً لتستعيد أنفاسها.
“اتركوني.”
أزاحت الأيدي التي كانت لا تزال تحاول كبحها بتردد، ثم ركضت مجدداً بخطوات سريعة خلف الأمير مايكل.
“…”
لم يمنعها الأمير، بل أدار رأس فرسه وتابع السير للأمام، لكن بسرعة أبطأ من ذي قبل.
* * *
أمام قصر الأمير، كان الخدم قد خرجوا بالفعل لاستقبال سيدهم بعد سماع الأنباء.
“نرجو أن تكون جولتك ممتعة، يا سمو الأمير.”
تقدم كبير الخدم أولاً ليتسلم عباءة الأمير مايكل، ثم سألت رئيسة الوصيفات، التي اقتربت للمساعدة، وهي تنظر إلى يوجين الواقفة خلف الأمير:
“سموك، هذه الطفلة هي…؟”
رمق مايكل يوجين الواقفة خلفه بنظرة خاطفة، ثم أمر باقتضاب:
“نظفوها.”
ترك هذه الكلمة الوحيدة ودخل القصر بخطوات واسعة، بينما وقفت يوجين تحدق في ظهره.
قطعت رئيسة الوصيفات حبل أفكارها وتقدمت تتفحص هيئتها بدقة.
“هذه…”
نظرت الوصيفة إلى ردائها الرث، والغبار العالق بجسدها هنا وهناك، وقدميها الحافيتين اللتين تركتا آثار طين على الأرضية الرخامية، ثم أطلقت أنيناً مكتوماً.
“يجب تنظيفها أولاً وبالسرعة القصوى، مايا!”
نادت الوصيفة على إحدى الخادمات وبدأت بإصدار الأوامر، أما يوجين، فقد أدارت رأسها لتتأمل قصر الأمير الذي تضيئه ثريات ضخمة.
‘واو.’
للحظة، غمرها الإعجاب الخالص بالمشهد أمامها.
كان السقف الذي يحمل الثريات مقسماً بخطوط ذهبية بارزة، وأعمدة رخامية ضخمة تسند البناء، بينما ملأت الزخارف الذهبية الخالصة كل فراغ بين الأعمدة والجدران، وبين الجدران والسقف.
ولعلهم أرادوا تخفيف حدة برودة الرخام، فاستخدموا ألواحاً خشبية ذات لون بني محمر دافئ وقوي، ورغم أن يوجين لا تفهم في أنواع الأخشاب، إلا أنها أدركت أن خشب الورد هذا، بلمعانه العميق والجميل، باهظ الثمن للغاية.
بل يبدو أن كل شيء هنا ثمين بلا استثناء، حتى أجهزة التدفئة الموضوعة في الزوايا خلف الأعمدة كانت مزينة بدقة، مما جعل عيني يوجين تتسعان دهشة.
“احم!”
أفاقت يوجين من ذهولها على صوت تنحنح رئيسة الوصيفات.
“خذوها.”
بناءً على أمر الوصيفة، اقتربت ثلاث أو أربع خادمات، تبعتهن يوجين بهدوء وهن يسرن في الرواق.
* * *
في الغرفة التي اقتادتها إليها الخادمات، كان هناك حوض استحمام مليء بالماء الدافئ، وقبل إدخالها فيه، نزعت الخادمات عنها ثيابها الملوثة بالتراب والغبار.
ودون أن تُمنح فرصة للشعور بالخجل، ألقين بها في الحوض المليء برغوة الصابون، وبدأن بتنظيفها بجدية وكأنهن يغسلن لحافاً أُخرج من الخزانة بعد طول غياب.
بينما كانت مستسلمة تماماً لأيديهن، غرقت يوجين في أفكارها.
‘هل أُنقذت كاتنيس الآن يا ترى؟’
في القصة الأصلية، كان صديق طفولة كاتنيس —وهو شخصية تظهر في منتصف الأحداث— قد تسلل إلى متجر العبيد لإنقاذها.
المشكلة كانت أن ذلك حدث في الليلة ذاتها التي زار فيها الأمير مايكل المتجر، فكانت كاتنيس قد نُقلت بالفعل إلى القصر.
وبسبب فوات تلك الفرصة بفارق ضئيل، ظل يلوم نفسه بشدة، حتى تسلل إلى القصر مجدداً بعد أن كبر ليحاول تهريبها مرة أخرى.
‘وكان دوره هو إثارة غيرة مايكل ليُقبض عليهما معاً.’
كان صديق الطفولة مجرد شخصية ‘مُثيرة للغيرة’ تُضاف لإضفاء نوع من التجديد على القصة، ولتضخيم هوس الأمير مايكل الذي كان غير طبيعي أصلاً.
وبما أن يوجين هي من جاءت إلى القصر بدلاً من كاتنيس، فلا شك أن صديق الطفولة سينجح هذه المرة في إنقاذها دون عناء.
‘بهذا المنطق، لن يكون لديه سبب للمجيء إلى القصر مستقبلاً.’
بما أن كاتنيس التي يريد إنقاذها لم تدخل القصر، فلا داعي لتسلله إلى هنا.
إذاً، ماذا سيحدث لـحدث الغيرة الذي يُفترض وقوعه لاحقاً؟
Chapters
Comments
- 6 - الفصل السادس منذ 4 ساعات
- 5 - الفصل الخامس 2026-01-05
- 4 - الفصل الرابع 2026-01-05
- 3 - الفصل الثالث 2026-01-05
- 2 - الفصل الثاني 2025-12-31
- 1 - الفصل الأول 2025-12-31
التعليقات لهذا الفصل " 6"