4 - الفصل الرابع
بمجرد أن يحيا المرء داخل مجتمع، تنشأ لديه طبيعياً شبكة متشعبة من العلاقات الإنسانية.
أما الأمير، فلم يكن يطيق ذلك أبداً حين يتعلق الأمر بـكاتنيس.
عائلتها، أصدقاؤها، زملاؤها…
لم يكن الأمير ليحتمل وقوع بصر كاتنيس على أي كائن كان، فاستعبدها بقيوده، رغم أنه لم يكن حتى عشيقاً لها!
وبطبيعة الحال، تمردت كاتنيس على ذلك الواقع، وتوق غرضها نحو الفكاك من قبضة الأمير، ومع كل محاولة منها، كان هوس الأمير يزداد، فيُمعن في حبسها داخل قفص أضيق فأضيق، حتى وصل به الأمر في نهاية المطاف إلى حجزها قسرياً داخل قصره.
‘حتى فكرة وجود مكان كهذا مخبأً في القصر كانت كفيلة بإثارة الرعب في نفسي.’
تبذل كاتنيس كل غالٍ ونفيس للهروب، لكن محاولاتها تبوء بالفشل، ويستشيط الأمير غضباً لرؤية كراهيتها للبقاء بجانبه، فيزداد جنونه وسعار هوسه.
وإمعاناً في القسوة، يتجاهل الأمير احتجاجات كاتنيس ومطالبها بالحرية، بل يتخذ من أرواح المقربين منها رهائن وذخيرة للتهديد والوعيد…
والمعضلة الكبرى هي أن ‘ذات الشعر الأبيض’ —أي أنا الآن— لم تكن سوى إحدى تلك الرهائن التي يُهدد بها!، بل هي التي تُقطع رأسها في بداية أحداث هوس الأمير لتكون عبرة لمن يعتبر!
‘ويحي حقًا!’
لعنت يوجين حظها في سرها مرة أخرى.
الآن أدركتُ لماذا لم تتذكر هذه الشخصية فوراً.
ذات الشعر الأبيض؛ ليست سوى شخصية جانبية شاب شعرها بالكامل من هول صدمة تخلّي والديها عنها.
لم يوضع ماضيها في القصة إلا كأداة لإظهار مدى بؤس الأطفال في متجر العبيد الذي حُبست فيه كاتنيس، ولتجسيد البيئة القاسية التي نشأت فيها البطلة.
حتى اسمها لم يُذكر؛ كانت مجرد ‘ذات الشعر الأبيض.’، وحين ظهرت كصديقة لكاتنيس في بداية اللعبة، ظننتُها شخصية ثانوية ذات شأن، فإذا بها مجرد أداة بسيطة لإظهار دموية الأمير، حيث تُقتل بذريعة معاقبة كاتنيس على محاولة الهرب.
‘ألا يُفترض بالمرء حين يموت أن يذهب ليرتاح أو غيره؟’
لم أسمع قط ببدء حياة جديدة في طرفة عين فور الموت، لم أكن أتوقع محاكمة طويلة تفصل بين خيري وشري، ولا ملاكاً يستقبلني على وقع أصوات الأبواق، لكن.. ألا يُفترض أن أُمنح على الأقل برهة من الزمن لاستيعاب فكرة الموت؟
“معذرة، هل أصبحتِ بخير الآن؟”
وسط هذه الفوضى الذهنية، خاطبتني كاتنيس التي انتظرتني حتى انتهيتُ من شرب الماء، كان ذيلها يهتز خلفها برقة، معلناً عن فضولها تجاهي دون أي عداء.
“أنا أُدعى كاتنيس، لقد مضت عليّ عدة أيام هنا.”
عندما أكملت جملتها، تدلى ذيلها بأسى، ولعلها تذكرت ذكرياتها المريرة في هذا المكان، شعرتُ بضغط يداهمني لقول شيء ما للبطلة الحزينة.
“أنا…”
لكنني لم أدرِ ماذا أقول، فتحتُ فمي ثم أطبقته مترددة، وحين لاحظت كاتنيس ارتباكي، تابعت حديثها.
“لقد جُلبْتِ بالأمس، أليس كذلك؟، رأيتُ أولئك الرجال وهم يحضرونكِ مع أطفال آخرين في العربة.”
أطرقت كاتنيس عينيها الخضراوين قليلاً وكأنها تستحضر مشهداً قريباً.
“لقد كنتِ الأصغر بينهم فلفَتِّ نظري، رأيتكِ تبكين طوال الليل حتى سكتِ، فظننتُ أنكِ قد نمتِ، لكنكِ لم تتحركي أبداً هذا الصباح، فظننتُ أنكِ قد…”
صمتت كاتنيس هنا، لكن يوجين خمنت بقية الجملة التي ابتلعتها، يبدو أن صاحبة هذا الجسد قد وافتها المنية في وقت أبكر مما ورد في القصة الأصلية.
‘قيل في القصة إن والديها هما من باعاها كعبدة.’
هل كانت خيانة الوالدين صدمة لا يحتملها قلب طفلة صغيرة؟، شعرت يوجين بمرارة، فأحنت رأسها تدعو بالرحمة لتلك الروح الصغيرة التي فارقت الحياة دون أن تُعرف حتى باسمها.
فركت كاتنيس أصابعها بحرج أمام هذا الصمت المطبق، ثم سألت.
“ما اسمكِ؟”
فتحت يوجين فمها بعفوية، ثم ترددت للحظة.
بأي اسم أُجيب؟، اسم هذا الجسد؟، لكن يوجين لا تعرف شيئاً عن هذا الجسد الضئيل، وبعد طول تفكير، قررت النطق باسمها الحقيقي.
“أنا… يوجين.”
بما أن الألقاب في هذا العالم كانت حكراً على النبلاء، فقد تخلت عن لقب عائلتها، وشعرت بالامتنان لأن وقع اسمها يتناغم مع هذا العالم ذي الطابع الغربي، فلم يبدُ غريباً، فعلى الأقل، استطاعت الاحتفاظ بشيء مألوف وسط هذه المعمعة.
“يوجين، هكذا إذاً.”
قالت كاتنيس مادحة “إنه اسم جميل”، ثم نظرت إليّ بحذر وسألت “هل هدأتِ الآن؟”
“أجل.. وشكراً لكِ على الماء.”
“لا عليكِ، هذا أقل الواجب، ممم.. إن لم يضايقكِ الأمر، هل يمكنكِ إخباري عما رأيتِه في طريقكِ إلى هنا؟”
يبدو أن هذا هو السؤال الذي كانت تتوق لطرحه حقاً.
“في طريقي إلى هنا؟”
“أجل، نحن نخبر بعضنا البعض بكل ما رأيناه أثناء نقلنا إلى هذا المكان.”
“والسبب؟”
سألتُها وأنا أفكر في أنني لم أرَ سوى أضواء السيارة الساطعة قبل موتي، خرج صوتي جافاً وبارداً وكأنه نابع من الحذر والريبة، لكن كاتنيس أجابت بصوت واثق وتعبير يبعث الطمأنينة في أي قلب.
“لأننا إن عرفنا طريق الدخول، سنتمكن من رسم طريق للخروج.”
رغم صغر سنها، كانت عيناها الخضراوتان تشعان بإيمان وثبات يبعثان على الثقة.
‘كما هو متوقع.’
نظرت يوجين إلى كاتنيس بإعجاب؛ فقد كانت تحبّ هذه البطلة الخيرة والواثقة في كل الظروف حين كانت تلعب اللعبة، فعدم الاستسلام رغم الوقوع في قبضة تجار العبيد، والاعتناء بمن حولها والتخطيط للهرب، كان هذا هو جوهر شخصية كاتنيس التي تعرفها.
‘إذاً، كاتنيس تجمع المعلومات من أجل الهروب.’
لا شك أن منح الأطفال هنا أملاً من خلال تبادل المعلومات والبحث عن خيوط للهرب، أفضل بكثير من تركهم يرتعدون خوفاً في صمت.
“لا بأس حتى لو كانت مشاهد خاطفة، فقط أخبريني بما تذكرينه.”
كانت كاتنيس تنظر إليّ بعينين متوسلتين.
“آه… أنا…”
في اللحظة التي التقت فيها عيناي بعينيها الخضراوين، تمنيت لو أستطيع إخبارها بأي شيء، لكن ذلك كان مستحيلاً؛ فأنا لا أعرف شيئاً عن الطريق المؤدي إلى هذا المتجر، كنتُ أعرف كل ما ستواجهه كاتنيس مستقبلاً، وأعرف طبيعة القصر الذي لا يُرى من هنا، بل وأعرف خفايا هذا العالم كله، لكنني لم أكن أعرف ‘الطريق.’.
لم تكن هذه لعبة استكشاف وجمع أدوات، بل كانت ‘القفص الذهبي’ لعبة قصة تعتمد مساراتها حصرياً على الخيارات التي تختارها البطلة.
‘ماذا أفعل؟’
لم يكن الأمر يقتصر على سؤال كاتنيس؛ ففي الحقيقة، لم تكن يوجين تدري كيف تتصرف في هذا المكان الذي سقطت فيه فجأة، كل شيء كان مباغتاً.
وفي تلك اللحظة…
— خفق!
اندفع ضوء الشمس فجأة من بين شقوق الستارة المزاحة، وظهر ظل لإنسان وسط خيوط النور المبهرة.
“ما هذا المكان؟”
كان وكأنه تمثالًا منحوتًا من فضة.
زُينت عيناه وشعره بالذهب والفضة، ونُثر مسحوق الألماس المتلألئ فوق بشرته.
صُبغت شفتاه بقدسية الدماء، وصُفت أسنانه كالعاج المصقول.
ورغم صغر سنه، برزت هيبة جسده وقوة بنيانه تحت بذلته العسكرية المصممة بدقة لتبرز منكبيه العريضين وجسده الصلب.
دخل الفتى الذي يجسد الكمال، وخيوط النور تنسكب من خلف ظهره.
‘الأمير مايكل!’
تعرفت عليه يوجين فوراً؛ فجماله الذي يبدو وكأنه خارج من حُلم كان تماماً كما وُصف في اللعبة، لكن وسامته في الواقع كانت…
‘مذهلة…’
لا شك أن رسومات اللعبة كانت بارعة، ونالت استحسان المعجبين، لكن رؤيته وجهاً لوجه جعلت تلك الصور المسطحة تبدو باهتة وناقصة.
انعقد لسان يوجين من الصدمة؛ فرغم أن جمال الأمير مايكل كان يُصنف كالأبهى في عالم اللعبة، إلا أن الواقع كان شيئاً آخر تماماً.
‘أيمكن لبشر أن يكون بهذا الجمال؟’
كان وجهاً يستحق الثناء المحض، جمالاً صادماً محا من ذاكرتها كل من رأتهم من وسماء في وسائل الإعلام، غمرتها الصدمة البصرية فظلت متصلبة لوقت ليس بالقصير.
ولهذا، لم تدرك إلا متأخراً أن ذلك الفتى وسيم الملامح كان يحدق فيها بتمعن.
‘مـ.. ماذا هناك؟’
بمجرد أن أدركت أن عينيه الذهبيتين اللتين لا تشبهان عيون البشر مسلطتان عليها، بدأ كل نَفَس يخرج منها يبدو ثقيلاً ومحرجاً، تيبست مكانها لدرجة أنها نسيت توقيت الشهيق والزفير، حينها فتح ذلك الملاك —من حيث المظهر فقط— فمه لينطق.
“ما هذه المخلوقة الغريبة؟”
كانت نبرته غطرسة محضة، تليق بمن اعتاد النظر إلى الجميع من علٍ.
وعلى وقع تلك الكلمات التي سمعتها مراراً في اللعبة، استحضرت يوجين في ذهنها المشهد المألوف الذي سيليها.
Chapters
Comments
- 5 - الفصل الخامس 2026-01-05
- 4 - الفصل الرابع 2026-01-05
- 3 - الفصل الثالث 2026-01-05
- 2 - الفصل الثاني 2025-12-31
- 1 - الفصل الأول 2025-12-31
التعليقات لهذا الفصل " 4"