3 - الفصل الثالث
“يمكننا إنهاء كل شيء على خير، فلا داعي لإثارة الضجيج بلا طائل.”
اقترب المشرف متظاهراً بالود، وحاول أن يربت على كتفي، لكنني انكمشتُ على نفسي وتجنبتُه لا إرادياً من شدة الاشمئزاز الذي سرى في جسدي.
رفع المشرف يديه بتعجب ساخر كمن يهدئ ثوراً هائجاً، ثم تراجع بخطواته نحو باب غرفة الاجتماعات وقال.
“سيتعين عليكِ الآن البدء في البحث عن وظيفة جديدة، إن كان هناك ما يمكنني مساعدتكِ فيه، فلا تترددي، اسألي عن أي شيء يغمض عليكِ.”
لم يكلف نفسه عناء النظر إلى وجهي ليرى أي تعبير يرتسم عليه، بل استمر في ثرثرته المنتشية وهو يهز كتفيه بغطرسة.
“أنا أعرف الكثير من الأشخاص في هذا المجال، هل تعرفين شركة (أ) للإلكترونيات*؟، نعم، هي بذاتها، لي صديق مقرب هناك يعمل في قسم الموارد البشرية، مكالمة واحدة مني وسيكون أمركِ قد حُسم.”
(للي ما يعرف، ترا بعض الكاتبين اذا تكسلوا يسمون الاشياء يكتبون ‘المدينة Z’ او ‘الشركة أ’)
رغم تشتت ذهني، أدركتُ فوراً أن ما يتفوه به ليس سوى هراء محض، فلم يكن المشرف صاحب علاقات واسعة كما يدعي، بل كان أحمقاً منبوذاً لا يملك زميلاً واحداً يقيم له وزناً حتى داخل جدران هذه الشركة الصغيرة.
“لذا، دعينا ننهِ الأمر بالمعروف، اتفقنا؟”
قال ذلك ثم خرج، مخلفاً وراءه جملة أخيرة يأمرني فيها بالعودة بسرعة إلى المكتب حتى لا يشك الآخرون في شيء.
* * *
لا أدري كيف لملمتُ شتاتي وأنهيتُ عملي وغادرتُ الشركة.
كنتُ أسير بذهن غائب، تقودني العادة والآلية في الحركة، حتى وجدتُ نفسي فجأة عند تقاطع الطرق المألوف في طريقي المعتاد للبيت، وبينما كنتُ أخطو بضياع، انتشلني من غيبوبتي اهتزاز مفاجئ في يدي.
— فببببب… فببببب…
“آه..”
كان تنبيه اللعبة، ذلك الملاذ الصغير الذي كان يسلي قلبي وسط روتين حياتي البائس، مسحتُ التنبيه الذي يخبرني أن ‘الساعة الرملية’ قد امتلأت، وحين رفعتُ رأسي، بدأتُ أدرك أخيراً ضجيج المحركات وزحام المارة الصاخب حولي.
وقفتُ أمام ممر المشاة واستعدتُ وعيي بالكامل.
“… تباً.”
حين استوعبتُ الموقف أخيراً، أفلتت الشتيمة من بين شفتي تلقائياً.
“تباً لكل شيء، حقاً.”
لم أعد أريد… لم أعد أرغب في العيش هكذا بعد الآن.
‘لقد حاولتُ حقاً… حاولتُ بصدق أن أكون جيدة.’
ناضلتُ بكل قوتي لأعلق بطاقة موظفة حول عنقي، وفي الشركة، صمدتُ أمام تنمر الموظفين الذين يحاولون فرض سطوتهم، وتحملتُ نوبات غضب رئيس القسم الذي يعاني من اضطراب التحكم في الانفعالات، وصبرتُ على التمييز القذر ضد المتعاقدين؛ كل ذلك لأصنع لنفسي مكاناً.
كنتُ أريد أن أثبت لأمي وأبي اللذين تركاني فجأة، أنني أستطيع العيش جيداً بمفردي، كنتُ أنتظر اليوم الذي أصبح فيه موظفة دائمة لأذهب إلى قبريهما وأقول لهما.
‘انظرا، لقد أصبحتُ الآن موظفة محترمة، لقد كبرتُ وأصبحتُ شخصاً ناضجاً يُعتمد عليه.’
‘يمكنني الآن إعالة نفسي تماماً، فلا تقلقا واستريحا بسلام.’
كنتُ أريد فقط أن أبلي بلاءً حسناً.
— تق… تق…
شعرتُ بقطرات ساخنة تنسال على وجنتي، دموع القهر الفائض جعلت صدري يضيق أكثر فأكثر.
لا أدري كم قضيتُ من الوقت وأنا أحني رأسي وأكتم أنفاسي هكذا.
“ووف! ووف ووف!”
“…؟”
رفعت يوجين رأسها على وقع نباح مفاجئ، وفي غمرة حيرتها وهي تتلفت حولها، وقع بصرها على شاشة إعلانية ضخمة.
[الوجبة الخفيفة التي اختارها يوجيني!، دوغي موغي: وجبات صحية للكلاب مصنوعة من أفخر أنواع لحم البقر الكوري.]
ظهرت العبارة الضخمة مع صوت معلق رخيم وحركة بصرية خاطفة.
[المركز الأول في عالم الكلاب!، أهدوا دوغي موغي التي اختارها يوجيني لحيواناتكم الأليفة أيضاً.]
كان الكلب الظاهر في الإعلان هو حيوان أليف يملكه ثري أجنبي، واشتهر بأنه ورث قصراً فاخراً مسبقاً، ظهر القصر الواسع الذي يحتوي حتى على نافورة مياه على الشاشة.
نظرت يوجين إلى القصر الذي يملكه كلب يحمل اسماً يشبه اسمها وفكرت.
‘لن أتمكن من شراء منزل كهذا ولو جمعتُ المال طوال حياتي.’
بل أي قصر هذا؟، من يدري إن كان من الممكن أصلاً شراء شقة صغيرة تؤويني وأنا أعمل.
‘… وحتى جمع المال يتطلب الحصول على وظيفة أولاً.’
رغم أنها كانت شركة قذرة، إلا أن الانتماء إليها لفترة وجيزة كان يغطي على قلق اللا-انتماء.
جف حلقي بمرارة وأنا أفكر في العودة مرة أخرى إلى جحيم البحث عن عمل، بينما يمر الوقت دون أن يتغير شيء.
“ووف! ووف!”
نظرتُ إلى الشاشة مرة أخرى، فكان الكلب الثري يستلقي بسترخاء داخل قصره المزين بالثراء الفاحش، وبدون وعي منها، تمتمت يوجين وهي تشاهد المشاهد المتدفقة من لوحة الإعلانات.
“… يا ليتني ولدتُ كلباً في بيت كهذا.”
لا أفعل شيئاً…
فقط أريد أن أستلقي.
لقد تعبتُ من حياة التخبط والكفاح وحيدة.
“يا إلهي، ما خطب هذه السيارة؟”
“آه!، احذروا هناك!”
— طااااخ!
مع ضوء ساطع، طار جسدي في الهواء.
‘آه.’
لم يكن لدي أي ندم. بل كان قلبي هادئاً بشكل غريب.
‘الآن، حقاً… لستُ مضطرة لفعل أي شيء بعد الآن.’
كان ذلك آخر ما فكرتُ فيه.
* * *
ثم فتحتُ عيني على مشهد يبدو مألوفاً بنحو غريب.
“… تباً ما هذا؟!”
في تلك اللحظة، تلاشى شعوري بالواقع تماماً.
تسللت إلى أنفي رائحة الوحل والأوساخ المختلطة، وحين انتبهت، وجدتُ نفسي جالسة على أرض ترابية، وقضبان قفص خشبي تحيط بي وتحد من رؤيتي.
‘أين أنا؟’
تطلعتُ حولي بذعر، فرأيتُ العديد من الأطفال يرتدون أسمالاً بالية، محبوسين داخل ما يشبه حظائر الحيوانات، ومن بينهم، نهضت طفلة بحذر واقتربت مني.
“معذرة.”
كان الوجه الذي ينظر إليَّ بقلق مألوفاً جداً، شعر بني ناعم، وعينان خضراوان تشعان ذكاءً، وفوق الرأس، كانت تبرز أذنان مثلثتان بوضوح.
‘هذه الطفلة هي…!’
كانت يوجين تعرف هذه الطفلة جيداً؛ فقد كان هذا الوجه هو ما تراه يومياً على شاشة هاتفها مؤخراً!
[القفص الذهبي].
لعبة هاتفية مستوحاة من رواية مشهورة.
البطلة التي يتحكم بها اللاعب تُدعى ‘كاتنيس’.
كانت من عرق أشباه البشر، اختطفها تجار العبيد الذين يبيعون الأطفال للنبلاء، وكانت محبوسة في قفص.
وبينما كانت كاتنيس تترقب فرصة للهرب، التقت ذات يوم بالأمير الذي زار المتجر، ولأنها كانت أول شخص يكشر في وجهه بصراحة، أخذها الأمير إلى القصر بدافع الفضول، ومن هنا تبدأ القصة.
إذاً، هذا المكان هو متجر العبيد حيث يلتقي الأمير بالبطلة كاتنيس لأول مرة.
“هل أنتِ بخير؟”
والتي تخاطبني الآن هي البطلة نفسها.
وكما هو متوقع من بطلة ذات شخصية عادلة، كانت عيناها الخضراوان تفيضان بالنية الحسنة الصافية والقلق.
“أنا…”
فتحتُ فمي لأرد لا إرادياً، فتسعت عيناي دهشةً من تغير صوتي.
‘ماذا؟’
أصدرتُ بعض الأصوات ‘آه، آه، آه’ للتجربة، ثم تطلعتُ حولي بلهفة، وحين أدركتُ عدم وجود مرآة، نظرتُ إلى يديَّ وقدميَّ اللتين يمكنني رؤيتهما بعيني.
‘… صغيرة.’
لقد أصبح جسدي أصغر من ذي قبل بلا شك، رفعتُ ذراعيَّ وتصلبتُ مكاني من الصدمة، فعادت الفتاة تخاطبني بحذر.
“هل أنتِ بخير حقاً…؟”
انتفضت أذنا كاتنيس بتوتر، نظرت يوجين بذهول إلى تلك الأذنين المثلثتين اللطيفين وهما تتحركان أمام عينيها حقيقةً، ثم خفضت بصرها استجابةً لكلام الفتاة.
‘آه.’
كانت صورتها الآن تنعكس في عيني كاتنيس الخضراوين، فتاة تبدو في العاشرة من عمرها أو نحو ذلك؛ انعكس جسدها الضئيل في حدقة العين، وشعرها الذي طال فجأة.
‘هاه؟’
عندما خفضت رأسها مرة أخرى، تمكنت يوجين من رؤية لون شعرها الطويل المنسدل على كتفيها.
لون أبيض.
شعر أبيض ناصع تماماً كشعر العجائز، لا يليق أبداً بجسد طفلة صغيرة.
“لقد رأيتكِ تبكين طوال الليل، لا أدري ماذا حدث لكِ في طريقكِ إلى هنا… لكن، اشربي بعض الماء أولاً، إن بقيتِ هكذا فقد تنهارين من العطش.”
حين نبهتها كاتنيس، أدركت يوجين جفاف فمها ولسانها وصولاً إلى حلقها.
‘أنا ظمآنة.’
— جرع، جرع.
تناولتُ وعاء الماء وشربتُه، بينما كنتُ أستعرض في ذهني الموقف الذي أصبحتُ فيه.
‘شعر أبيض… مَن هي الطفلة ذات الشعر الأبيض التي كانت بجوار كاتنيس؟’
استرجعت يوجين أحداث اللعبة التي لعبتها طويلاً بجدية، ولم يمر وقت طويل حتى تذكرت شخصية واحدة.
‘ويحي!’
ولسوء الحظ، فإن حال هذه الشخصية ذات الشعر الأبيض التي تسكن يوجين جسدها الآن لم يكن يبشر بخير أبداً.
لم يمضِ وقت طويل على شغف يوجين بهذه الروايات والألعاب.
تحديداً، حين بدأت تبحث عن شيء يلهي عقلها تماماً داخل منزلها الموحش.
هذا النوع من القصص، بخلفياته الغريبة وشخصياته الفريدة، كان ينقلها ولو لفترة وجيزة إلى عالم آخر.
فقط عندما كانت تغرق في عوالم جديدة، كانت تستطيع نسيان مشكلات واقعها للحظات.
ومن خلال انغماسها في هذه الأعمال، تعلمت يوجين مصطلحات عديدة: العودة بالزمن، التناسخ، التجسد، الانتقام، تطور الشخصية، شريحة من الحياة، رعاية الأطفال، وغيرها.
ومن بين كل هذه المصطلحات، كان من الواضح أي صنف تندرج تحته هذه اللعبة.
رواية هوس وسجن.
لماذا كان عنوان ‘القفص الذهبي’ يحتوي على كلمة ‘قفص’؟، كان ذلك بسبب شخصية تُعد الأكثر شعبية والأكثر شراً في هذه اللعبة.
‘الأمير.. ذلك المجنون.’
الأمير مايكل الذي سيأخذ البطلة كاتنيس إلى القصر كان رجلاً مجنوناً.
مجنونٌ بالبطلة.
في البداية، كان يعامل كاتنيس كحيوان أليف، ككلب دون رتبة البشر، لكنه لاحقاً يقع في حبّها، وعلى عكس كاتنيس التي كانت تشعر بالاشمئزاز من قسوته، غرق الأمير في حبّها لدرجة أنه لم يكن يستطيع العيش دونها ولو للحظة واحدة.
‘المشكلة هي أنه كان يريد من كاتنيس أن يكون هوسها به وحده هو أيضاً.’
Chapters
Comments
- 5 - الفصل الخامس منذ يومين
- 4 - الفصل الرابع منذ يومين
- 3 - الفصل الثالث منذ يومين
- 2 - الفصل الثاني 2025-12-31
- 1 - الفصل الأول 2025-12-31
التعليقات لهذا الفصل " 3"