كانت إيلينا استثنائيةً، لكنَّها لم تكن عظيمةً؛ فبالرغمِ من امتلاكِها قوةً لا تُضاهى، إلا أنَّها لم تكن تثقُ بقدرتِها على خوضِ معركةٍ حقيقيةٍ.
والسببُ ببساطةٍ.. أنَّها لم تُجرّب القتالَ قطُّ.
لطالما تجرَّعت مرارةَ التمييزِ والاضطهادِ في قريتِها، لكنَّ مضطهدِيها لم يجرؤوا يومًا على إيذائِها جسديًا.
غيرَ أنَّها تذكرُ في طفولتِها، حين رماها طفلٌ طائشٌ بحجرٍ دونَ وعيٍ. وعندما عادت إلى البيتِ والدموعُ تملأُ مآقيَها، استشاطَ والداها غضبًا لرؤيةِ الجرحِ الذي أصابَ جبهتَها، وهرعا إلى والديّ الطفلِ يصبّانِ جامَ غضبِهما.
ـ “كيفَ يجرؤُ طفلٌ على رمي حجرٍ باتجاهِ شخصٍ آخر؟!”
ـ “إنهما مجردُ طفلينِ، لعلّهُ لم يدرك فداحةَ فعلهِ.”
أجابَ والدُ الطفلِ ببرودٍ، رغمَ علمهِ بما اقترفتْ يدا صغيرهِ.
ـ “وهل عدمُ الإدراكِ يبيحُ فعلَ أيِّ شيءٍ؟ كان يجبُ تعليمُهُ وتأديبُهُ كي لا يكررَها! لقد كادتِ الإصابةُ تكونُ أخطرَ!”
ـ “قلتُ لكِ، قد يخطئُ الأطفالُ.”
ـ “لم يكن خطأً عابرًا!”
ـ “بل ابني يقولُ إنهُ خطأٌ!”
ـ “هدئوا من روعِكم جميعًا….”
وبينما احتدمَ الجدالُ، تمتمَ أحدُ الآباءِ بضجرٍ، ملقيًا باللومِ على إيلينا بدلًا من طفلهِ:
ـ “يا ليتكم لم تأتوا بتلك الطفلةِ الغريبةِ إلى قريتِنا، لقد عكرتِ صفوَ الأجواءِ فحسب.”
ـ “صحيحٌ، لو لم نستقبلْها منذُ البدايةِ، لما شعرَ أطفالُ القريةِ بالخوفِ أبدًا.”
أومأ بقيةُ الأهالي بالموافقةِ، وكأنَّهم وجدوا ضالتَهم.
ـ “هل انتهيتم من ترهاتِكم؟”
ـ “لماذا؟ هل كذبنا في شيء؟”
ـ “أجل، لماذا جلبتم معكم ذلك المسخَ من الأساسِ؟!”
في تلك القريةِ، كان مجردُ وجودِ إيلينا يُعدّ ذنبًا. شعرتِ الصغيرةُ بالرعبِ وهي ترى الأجواءَ تزدادُ حدةً بسببِها؛ تمنتْ لو كفتْ أمُّها عن الغضبِ، تمنتْ فقط أن تعودَ لبيتِها وتنزويَ مع والديها اللذين يحبانِها.
كانت تمقتُ نظراتِ الكبارِ القاسيةَ، وحتى الأطفالُ الذين رموها بالحجارةِ صاروا ينظرونَ إليها برعبٍ وكأنَّها هي من تسببت في هذه الفوضى.
اخترقت نظراتُهم المليئةُ باللومِ روحَها، وكأنَّ الجميعَ يهمسُ: “كلُّ هذا بسببكِ أنتِ”.
لم تجرؤ إيلينا على مناداةِ أمِّها، بل اكتفتْ بالتشبثِ بطرفِ ثوبِها. حينها، حمتها الأمُّ بجسدِها وصرختْ:
ـ “ألم أحذرْكم من قولِ ذلك! إيلينا مجردُ طفلةٍ! كم مرةً يجبُ أن أشرحَ لكم لتفهموا؟”
ـ “إنَّ بقاءَ طفلةٍ رضيعةٍ سليمةً عندَ مدخلِ القريةِ أمرٌ لا يقبلهُ عقلٌ. حقيقةُ أنَّها لم تلتهمْها الوحوشُ هي أكبرُ دليلٍ!”
“مقززة”.. “وحش”.. انهمرت نظراتُ الازدراءِ من كلِّ جانبٍ.
ـ “لا تنظروا لطفلتي هكذا، ولا تحيدوا عن صلبِ الموضوعِ. الخطأُ ارتكبهُ أطفالُكم حين رموها بالحجارةِ!”
ـ “أخبرناكِ، إنهُ مجردُ لعبٍ بين الصغارِ….”
ـ “لعبٌ؟ هل رميُ الحجارةِ يُعدّ لعبًا؟ هل تريدونني أن أُريكم كيف يكونُ اللعبُ على طريقتي؟”
تجمدت تعابيرُ الوجوهِ؛ فلا أحدَ في القريةِ يجهلُ القوةَ القتاليةَ لزوجي المتجرِ.
ثار الأهالي الذين حاولوا التملصَ من المسؤوليةِ، وتعالت أصواتُهم:
ـ “أليس هذا غلوًا في الحساسيةِ تجاهَ أمرٍ حدثَ بين أطفالٍ؟”
ـ “كان يمكنُ للأمرِ أن يمرَّ ببساطةٍ.”
ـ “يا للهولِ، لا مرونةَ عندكِ أبدًا.”
ـ “ألا تبالغينَ؟ نحنُ جيرانٌ في قريةٍ واحدةٍ، فماذا تنوينَ فعلهُ؟”
كانت تعلمُ ضيقَ أفقِهم، لكنَّ تماديهم في عدمِ الاعترافِ بالخطأِ جعلَ صبرَ أمِّ إيلينا ينفدُ.
ـ “ماذا سأفعلُ؟ سأرحلُ بعائلتي من هنا فحسبُ! استمتعوا بحياتِكم في قريتِكم الموقرةِ! عزيزي، هيا لنحزمَ أمتعتَنا!”
تأهبَ والدُ إيلينا، الذي كان يراقبُ الموقفَ، للعودةِ إلى المتجرِ دون التفاتٍ.
حين أدركَ القرويونَ أنَّهم جادونَ في الرحيلِ، تملّكهم الارتباكُ.
لطالما اعتمدوا على الزوجينِ لتأمينِ البضائعِ الخارجيةِ، وتفويضِهما ببيعِ غنائمِ الصيدِ لتجنبِ مخاطرِ السفرِ للقرى الأخرى.
رحيلُ عائلةِ إيلينا يعني أنَّ عليهم تحملَ تلك المخاطرِ والجهودِ بأنفسِهم.
لم يكونوا بحاجةٍ لإيلينا، لكنَّهم كانوا في أمسِّ الحاجةِ لوالديها. تبادلوا نظراتٍ خاطفةً ومرتبكةً.
ـ “احم.. احم.. يبدو أنَّكِ انفعلتِ أكثرَ من اللازمِ.”
ـ “حقًا، هل ترحلونَ لأجلِ أمرٍ بسيطٍ كهذا؟”
ـ “أجل! سأرحلُ لأجلِ هذا! لا يمكنني العيشُ في قريةٍ أعلمُ أنَّ طفلتي ستُؤذى فيها!”
وعندما استدارتْ لتمضيَ، تدخلَ أحدُ وجهاءِ القريةِ للوساطةِ:
ـ “سأحرصُ على تأديبِ الأطفالِ كي لا يرموا حجرًا بعدَ اليومِ. أليس كذلك يا صغارُ؟”
بلهجةٍ حازمةٍ، أجابَ الأطفالُ الذين كانوا يراقبونَ من خلفِ والديهم:
ـ “نعم.”
ـ “لن نفعلَها ثانيةً.”
لكنَّ هذا الاعتذارَ الباهتَ لم يكن كافيًا.
ـ “وماذا أيضًا؟”
ـ “ماذا تطلبينَ أكثرَ؟”
ـ “الاعتذارُ! من يتسببُ في جرحِ غيرهِ عليهِ أن يعتذرَ!”
ـ “إحم.. إحم.. أصبتِ. هيا يا أطفالُ، اعتذروا عما سببتموهُ من أذىً.”
نظرتِ العيونُ الصغيرةُ بارتباكٍ قبلَ أن يهمسوا:
ـ “أنا آسفٌ.”
ـ “آسفٌ لأني رميتُ الحجرَ.”
ـ “لقد أخطأتُ.”
بيدَ أنَّ الطفلَ الذي بدأَ بالرمي وتسببَ فعليًا بجرحِ جبهتِها ظلَّ صامتًا، حتى اضطرَّ والدهُ للتدخلِ تحتَ ضغطِ نظراتِ الجميعِ:
ـ “نعتذرُ منكِ. ابني جبانٌ قليلًا، لذا كانت ردةُ فعلهِ مبالغًا فيها.”
كان اعتذارًا بطعمِ الإهانةِ؛ مجردُ عذرٍ يزعمُ أنَّ ابنهُ فعلَ ذلك لخوفهِ من “تلك الطفلة”.
يا لـهؤلاء البشرِ المزعجينَ! رغمَ معرفتِها بأنانيتِهم، إلا أنَّ رؤيةَ ذلك وجهًا لوجهٍ كانت تثيرُ اشمئزازَها.
كانت الأمُّ تتحدثُ بقوةٍ، لكنَّها لم تكن تنوي الرحيلَ حقًا؛ فما دامت إيلينا عاجزةً عن التحكمِ بقوتِها، سيتكررُ هذا الموقفُ أينما ذهبوا.
‘من الأفضلِ لـ إيلينا أن تبتعدَ عن الزحامِ.’
كان على الوالدينِ قبولُ ذلك الاعتذارِ الهزيلِ على مضضٍ.
ـ “هذا تحذيرُنا الأخيرُ. إن أُصيبت طفلتي بأذىً، فلن نلزمَ الصمتَ بعدَ الآن.”
ـ “مفهومٌ، نعدكِ بذلك.”
منذُ ذلك الحينِ، لم يجرؤ طفلٌ على إيذائِها.
ـ “انظروا، إنَّها إيلينا.”
ـ “لا تقتربوا منها.”
ـ “يا رفاقُ…..”
ـ “هيا لنرحلَ من هنا!”
بدلاً من الأذى، اختاروا التجاهلَ الصريحَ، وظلوا يتجنبونَها طويلاً حتى خُيّلَ إليهم أنَّها أصبحت “طبيعيةً” وأخفتْ قوتَها.
‘أن تكونَ مختلفًا…. لهو أمرٌ يبعثُ على الشجنِ.’
لذا، قررتْ إيلينا أن تكونَ عاديةً. كافحتْ بكلِّ ما أوتيتْ من قوةٍ لضبطِ طاقتِها لتندمجَ مع الآخرينَ.
ولأنَّها قمعتْ قوتَها منذُ الصغرِ، لم تجد مهاراتُها سبيلاً للتطورِ؛ فنشأتْ فجوةٌ شاسعةٌ بين قدراتِها الكامنةِ وما تستخدمهُ فعليًا.
لهذا السببِ، رغمَ حواسِها المرهفةِ، لم تكتشفْ وجودَ جايدن مستلقيًا في الحديقةِ إلا بعدَ رؤيتهِ، ولم تدركِ اقترابَ من يبحثونَ عنهُ إلا حينَ صاروا أمامَ ناظريها.
وهذا أيضًا هو السببُ الذي جعلَها تتأخرُ في اكتشافِ الوحشِ الذي دنا منها الآنَ.
كانت غريزتُها تشعرُ بخصمٍ يقتربُ، لكنَّ وعيها لم يدركِ الحقيقةَ إلا حينَ استقرَّتْ عيناها عليهِ.
خفقَ قلبُها بعنفٍ أمامَ مرأى الوحشِ الشيطانيِّ.
ـ كـرررررر.
أدركتِ الآنَ لمَ يُدْعونَ هكذا؛ كائناتٌ مغلفةٌ بضوءٍ أسودَ متموجٍ ومنذرٍ بالشؤمِ، تختلفُ تمامًا عن الوحوشِ العاديةِ. كانت تبدو شديدةَ الغرابةِ لدرجةِ يصعبُ معها تصديقُ أنَّها كائناتٌ حيةٌ، لولا تلك الأعينُ الذهبيةُ المتوقدةُ التي تلمعُ وسطَ الظلامِ.
كان الوحشُ يقلّبُ عينيهِ مرخياً نظرهُ نحوها، وكأنَّهُ يتأملُ شيئًا مثيرًا للدهشةِ، دونَ أن يبديَ رغبةً فوريةً في الهجومِ.
‘ربما يراني فريسةً سهلةً.’
تحركت إيلينا ببطءٍ لئلا تستفزهُ، بينما كانت تلك الأعينُ الصفراءُ ترقبُ كلَّ خلجةٍ منها.
ـ كـرررررر
مثلما كان يراقبُها، كانت تدرسهُ هي الأخرى. كان طولهُ يناهزُ الثلاثةَ أمتارٍ؛ وكما توقعتْ من آثارِ أقدامِهِ، لم يكن مكتملَ النموِّ بعدُ.
لم تستطعْ قراءةَ مشاعرهِ فالعينُ هي كلُّ ما يظهرُ منهُ، وفي اللحظةِ التي تضيقُ فيها بؤبؤُ العينِ المشقوقُ طوليًا….
انفتحَ الغلافُ الأسودُ تحتَ عينيهِ، كاشفًا عن أنيابٍ حادةٍ.
ـ كـواااااااع!
ارتفعت زوايا فمهِ ببطءٍ….
كان يبدو وكأنَّهُ يبتسمُ، نشوةً بالعثورِ على طريدةٍ. يبدو أنَّ مرحلةَ الاستكشافِ قد انتهتْ.
انقضَّ الوحشُ في وثبةٍ خاطفةٍ.
ومعَ اقترابِهِ، تسارعت نبضاتُ قلبِها بجنونٍ. ورغمَ تعاظمِ الرعبِ من خطرٍ لم تعهدهُ من قبلُ….
بدأَ العالمُ من حولِها يتباطأُ فجأةً.
دوم.. دوم.. دوم.. دوم..
هدأت نبضاتُ قلبِها لتتماشى مع هذا البطءِ المفاجئِ.
أمرٌ عجيبٌ….
كان الخطرُ يطبقُ عليها، والوحشُ يزدادُ قربًا.
رغمَ الرياحِ الهائجةِ التي توحي بأنَّ ملوحًا بيدهِ قد يمزقُ جسدَها إربًا….
لم تعد إيلينا خائفةً.
لقد استرقتِ النظرَ عبرَ أحلامِها إلى حيواتِ كثيرٍ من البشرِ، وكان من بينهم من يُلقبونَ بـ “الأبطالِ”.
لم يسقطْ هؤلاءِ الأبطالُ من السماءِ؛ بل نالوا هذا اللقبَ لأنَّهم خاضوا محنًا متواصلةً، وقاتلوا مراراً وتكراراً، وانتصروا في النهايةِ.
شهدت إيلينا كلَّ تلك المعاركِ؛ كانت عصورًا من اليأسِ، حيثُ عاثتِ الوحوشُ الشيطانيةُ في الأرضِ فسادًا، وكان البشرُ فيها مجردَ لقمةٍ سائغةٍ.
ولإنقاذِهم، أبادَ الأبطالُ جحافلَ الوحوشِ.
بفضلِ رؤيةِ تلك الحيواتِ، عرفت إيلينا مكامنَ ضعفِ هذه الكائناتِ.
فرغمَ اختلافِ أنواعِها، تظلُّ نقاطُ ضعفِها متشابهةً في الغالبِ.
وهذا الجسدُ الذي وُلدتْ بهِ، قادرٌ على محاكاةِ تقنياتِ الأبطالِ إلى حدٍ ما.
استلت إيلينا خنجرَها من غمدِهِ.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"