“…… حسنًا. التفكير بإيجابية أمرٌ محمود، غير أنَّ هذا المكان لا ينبغي الاستهانة به أبدًا.”
بدا العم بول وكأنه يخشى أن تفرط إيلينا في تعليق آمالها، فتصطدم لاحقًا بجدار اليأس.
“رغم ذلك، لن أتخلى عن الأمل.”
كانت إيلينا تؤمن بوالديها. لم تدرك ذلك من قبل، لكن كلما أمعنت التفكير، وجدت في أمرهما نقاطًا مريبة لا تُحصى.
تنهد العم بول تنهيدةً يملؤها الارتباك والتردد.
“ماذا تنوين أن تفعلي؟”
“بشأن ماذا؟”
“هل ستواصلين البحث؟”
في قرارة نفسها، كانت تتوق لاستكمال التحري. فإيمانها بوالديها لم يكن ليمحو القلق الذي يعتصر قلبها.
بيد أنها لم تجد أحدًا تطلب منه العون في أمرٍ كهذا.
“لا أظنُّ أنَّ أحدًا سيجرؤ على الخروج حتى تخومِ حدود الوحوش الضارية.”
صيادو هذه المنطقة قضوا أعمارهم هنا، ولذا كانوا الأكثر درايةً بحجم الخطر. لن يتطوع أحدٌ للمساعدة في بحثٍ يتجاوز حدود الوحوش.
“…… هناك جايدن، أليس كذلك؟”
“لهذا إذًا استدعيتني سرًا لتخبرني.”
رسم العم بول على وجهه ابتسامةً خجولة. لقد خمنت إيلينا أنه تعمد الحضور في الوقت الذي كان فيه جايدن يغتسل.
التقى الاثنان لأول مرة حين بدأ جايدن العيش مع إيلينا منذ فترة قصيرة.
حينها، واجه العم بول طباع جايدن المفتقرة للمهارات الاجتماعية، مما جعله يشعر بالارتباك في حضرته.
‘إنَّ شخصية العم مثيرة للاهتمام حقًا.’
كان من شيمه أن يشعر بالهيبة من جايدن، ومع ذلك يفكر في استغلاله؛ هكذا هو العم بول دائمًا.
وكما قال، فلو كان الأمر بيد جايدن، لاستطاع مسح السلسلة الجبلية بأكملها.
فكلما تحدث العم بول عن بطولاته، كان يجزم أنَّ تلك الوحوش لن تشكل أدنى تهديد لجايدن.
لكن إيلينا لم تكن ترغب في إقحامه بطلبها.
“لا تفتح هذا الموضوع أبدًا.”
“ولماذا؟ لو طلبتِ من جايدن، فسوف يفعلُ كلَّ ما ترغبين به.”
لهذا السبب تحديدًا لم تستطع طلب ذلك. كانت تخمن أنَّ ماضي جايدن كان محفوفًا بالصعاب.
لقد نجا بشق الأنفس من تلك اللحظات المريرة ليجد السكينة أخيرًا، ولم تكن تريد تعكير صفوها.
حين تنظر إليه هذه الأيام، تراه قد بدأ ينفض عنه غبار القسوة القديمة ويستعيد اتزانه. غدت تعابيره أكثر حيوية، والرجل الذي كان ينام نومًا فزعًا في البداية، صار يغطُّ في نومٍ عميق.
لم تكن تقوى على إرسال شخصٍ كهذا إلى مكانٍ موحش.
وفوق ذلك، لم يكن من شيمها أن تلقي بعبءِ عملٍ تستطيع القيام به بنفسها على عاتقه.
وبما أنها لم تعد تأبه لنظرات القرويين كما في السابق، صار بإمكانها التحرك بنفسها.
‘ولكن، أن أقتفي أثر والديَّ الآن…….’
كان جايدن يشغل بالها. فكرة تركه وحيدًا والرحيل، أو البحث معه، كلاهما لم يكن يروق لها.
“إيلينا؟”
تناهى إليها من بعيد صوت جايدن وهو يناديها بعد أن فرغ من اغتساله. حينها حسمت إيلينا أمرها.
“على أي حال، لن أطلب شيئًا من جايدن. لذا لا تفتح هذا الموضوع ثانيةً. سأتدبر أمري بنفسي.”
رمقها العم بول بنظرة يملؤها القلق، لكنها بادرت بطمأنته بابتسامة رقيقة.
***
لم تطوِ إيلينا صفحة ذلك الأمر الذي دفنته في أعماقها. فلطالما حدثت نفسها أنها ستخرج للبحث عن والديها يومًا ما إن لم يعودا.
ورغم أنها غادرت القرية على عجل بسبب جايدن وفقدت بوصلتها لبرهة، إلا أنها قررت استغلال هذه الفرصة لتقصّي أثر والديها.
غير أنَّ وعورة الطريق فاجأتها بما لم تكن تحتسب. لقد سمعت الكثير عن خطورته، ولكن…….
‘لم أتخيل أبدًا أنني سأتسلق منحدرات صخرية حقيقية.’
التلال التي كانت شديدة الانحدار في البداية، تحولت فجأة إلى جروفٍ سحيقة. لولا جسدها القوي، لكانت قد استسلمت منذ زمن بعيد أمام قسوة هذا الطريق.
كانت القرية التي تقطنها إيلينا تقع في بقعة نائية للغاية، في منتصف سلسلة جبلية ضخمة، ولم يكن يربطها بالقرى الأخرى سوى طريق وحيد، وخلفها لم يكن سوى الجبال الشاهقة، لذا اعتاد البعض تسمية قريتها بـ:
“نهاية العالم.”
إلى هذا الحد كانت القرية متطرفة في موقعها، ووعرة في محيطها.
في الواقع، كانت هذه هي المرة الأولى التي تغادر فيها إيلينا حدود قريتها. ولم تكن وحدها في ذلك، فمعظم القرويين لم يبرحوها قط.
وحدهم الصيادون ووالدا إيلينا كانوا يجرؤون على الخروج.
وبالفعل، وهي في طريقها إلى هنا، لمحت إيلينا وحوشًا من بعيد. فلم تكن الأرض خارج القرية مأمنًا لأحد.
‘ولكنَّ هذا الأمر يثير العجب حقًا…….’
بدأت التساؤلات تغزو عقل إيلينا لأول مرة وهي تبتعد عن القرية.
‘لماذا كانت القرية آمنة كل هذا الوقت؟’
طوال حياتها هناك، لم تتعرض القرية لتهديد من وحشٍ أو كائنٍ ضار.
رغم أنَّ السوء يحيط بها من كل جانب، إلا أنَّ حمى القرية لم يُنتهك قط. ولا لمرة واحدة.
حتى القرويون لم يكونوا يخشون دهم الوحوش، بل كان جلَّ همهم ألا يخرجوا لأنَّ ما وراء الحدود خطر.
بدا وكأنَّ في القرية سرًا دفيناً، ولكن.
‘هذا شأنٌ أؤجله لاحقًا.’
كان عليها الآن أن تصبَّ جام تركيزها على العثور على والديها. وكلما اقتربت من “حدود الوحوش”، زادت الطريق وعورةً وقسوة.
باتت تدرك الآن لماذا يتجنب صيادو القرية هذا الدرب؛ ليس خوفًا من لقاء الوحوش فحسب، بل ربما تهربًا من تسلق هذه الصخور الصماء.
لم تمضِ ساعتان على مغادرتها، حتى بدأت تتجرع مرارة المقولة التي تؤكد أنَّ الخروج من الديار هو بداية المشقة.
وهنا، بدأت الشكوك تساورها.
‘هل سلك والداي هذا الطريق حقًا؟’
حين خاضت التجربة بنفسها، لم تستوعب كيف يمكن لأحدٍ أن يختار طواعيةً طريقًا موحشًا كهذا ليس فيه ممرٌّ واحدٌ ممهد. فلا أحد يرغب في تكبد هذا العناء المضني.
وبعد صعودٍ طويل، لاحت لها بقعةٌ تصلح للاستراحة؛ فجوة صغيرة في منتصف الجرف تتسع لشخصين بالغين.
أخذت إيلينا تلتقط أنفاسها وهي تمسح المكان بنظراتها. كان الحذر رفيقها الدائم، فلا تدري متى أو من أين سينقضُّ عليها وحشٌ غادر.
بدا المكان وكأنه تشكّل بفعل الطبيعة، ومن فرط وعورته لم تكن هناك آثارٌ تشي بمرور حيوانٍ أو وحش. وبينما كانت تهمُّ بالاستراحة والاطمئنان، وقع بصرها في الداخل على خصلة شعرٍ طويلة واحدة.
تسارعت نبضات قلبها بوجلٍ مشوبٍ بالتوجس.
التقطتها، نفضت عنها الغبار، وتأملتها مليًا. ورغم صعوبة الجزم، إلا أنَّ…….
‘لونها وطولها يشبهان شعر أمي كثيرًا.’
يبدو أنَّ والديها قد مرا من هنا حقًا.
ومع اكتشاف هذا الأثر، ازدادت وطأة الحزن والارتباك في صدرها.
‘لماذا، بحق خالق السماء، سلكا هذا الدرب؟’
لم تجد سببًا واحدًا يدفعهما لاختيار مسارٍ وعرٍ كهذا بدلاً من الطرق المعروفة.
بل إنَّ والديها لم يخططا أصلاً للتحرك في هذا الاتجاه؛ فعندما غادرا، لم يتزودا بأي عتادٍ مخصص لتسلق الجبال.
كما أنَّ ترك أثرٍ كهذا كان يدعو للريبة.
فخصلة شعرٍ واحدة هي أثرٌ يصعب العثور عليه ما لم يمعن المرء النظر، لكنه في الوقت ذاته أثرٌ يمكن لصيادٍ محترف أو خبير أن يلحظه.
وهنا انبثق تساؤلٌ آخر. لتتأكد، قامت بتمشيط المحيط بدقة أكبر، فحصت الممر المؤدي إلى هذه البقعة بدلاً من البقعة ذاتها.
‘كما توقعت، لا يوجد أي أثرٍ لمرور بشر.’
كان هذا ما شعرت به أثناء صعودها. وهذا الجزء كانت تتوقعه إلى حدٍ ما.
فعندما عثروا على مكان اختفاء والديها بالقرب من القرية، لم يتركا خلفهما أي أثرٍ يصلح للتعقب.
لقد اختفيا وكأنهما صعدا إلى السماء، رغم كل محاولات الصيادين لتمشيط المكان.
إذًا، فقد حرصا على ألا يتركا أثرًا طوال الطريق حتى وصلا إلى هنا، ثم تركا دليلاً على مكوثهما في هذا المكان. هل كانت سقطةً منهما؟
‘كلا. لو كانت خصلة الشعر وحدها، لقلتُ إنها هفوة، ولكن…….’
بالنظر إلى قطعة القماش التي وجدها العم بول، يمكن القول إنَّ هذه الآثار كانت متعمدة.
فرغم أنَّ والديها كانا يتسمان بالعفوية أحيانًا، إلا أنهما لم يكونا ممن يرتكبون هفواتٍ متكررة في الأمور الجسيمة.
بل على العكس، كانت تمرُّ بهما لحظاتٌ من الحدة والذكاء المتقد وكأنهما شخصان آخران.
‘لأي سببٍ قاما بهذه الأفعال الغريبة؟’
تشابكت الأفكار في رأس إيلينا، ولم تستطع بلوغ أي نتيجة. لم تكن تدري إن كانت فرضيتها صائبة، فاستبدَّ بها دافعٌ واحد: أن تواصل السير لتستكشف الحقيقة.
أفلتت ما خمنته أنه شعر والدتها ليتردى من فوق الجرف. طفت تلك الشعرة الرقيقة مع الرياح، لتمحو آخر أثرٍ للمكوث في هذا المكان.
وبعد أن نالت قسطًا من الراحة، استأنفت رحلتها.
***
أخيرًا، وصلت إلى “حدود الوحوش” التي ذكرها العم بول. كان طريقًا مضنيًا لدرجةٍ تكادُ تخرجُ المرءَ عن طوره.
وزاد من مشقته حرصها الشديد على ألا تترك خلفها أي أثرٍ لخطواتها.
‘أمي، أبي.. حين نلتقي ثانيةً، عليكما أن تغفرا لي عقوقي ولو لمرة واحدة.’
أعلنت في سرها عن نيتها في التمرد على والدَيها بينما كانت تستكشف المكان.
أول ما استرعى انتباهها كان أثر قدمٍ ضخم، يقارب طوله طول ذراعها.
‘أثرُ وحشٍ ضار.’
وكأنَّ المكان يصدق اسمه، فقد ظهرت آثارُ أقدامٍ عديدة لم ترهَا من قبل، مما يوحي بأنَّ الوحوش تتردد على هذا المكان بكثرة.
كانت الأحجام متسقة، مما يعني أنَّ وحشًا واحدًا كان يجوب المكان باستمرار. وبحساب حجم الأثر، استنتجت أنه ليس وحشًا مكتمل النمو بعد. ومع ذلك، كانت هناك آثارٌ تبدو حديثة العهد.
‘عليَّ أن أتوخى الحذر.’
كان احتمال مواجهة الوحش قائمًا، لذا وجب عليها التحقق بسرعة والرحيل. زادت من حدة تركيزها.
بحثت عن أي أثرٍ من صنع البشر.
رأت غصونًا مكسورة، وأعشابًا مسحوقة وكأنَّ شيئًا ثقيلاً مرَّ فوقها، لكنها كانت كلها من صنع الوحوش.
‘هل كان يجدر بي سؤال العم بول عن مكان قطعة القماش تحديدًا؟’
وفي اللحظة التي أوشكت فيها على الندم، شعرت بنظرةٍ باردة تخترق جسدها وتقشعرُّ لها الأبدان.
أدارت إيلينا رأسها ببطء، لتجد بين ثنايا الأشجار زوجًا من العيون الصفراء الفاقعة يحدق فيها.
كر-ر-ر-ر.
وسط هيئةٍ شديدة السواد، كانت تلك العيون هي اللون الوحيد الذي يتوهج ببريقٍ مرعب.
لقد أدركت متأخرةً جدًا، أنَّ الوحش قد أطبق عليها وصار على مسافة أنفاسٍ منها.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"