خرج يوان من غرفة سيريت بوجه شارد. انطفأت انوار عينيه الرماديتين المليئتين بالدم.
بخطوات بطيئة، توجه يوان نحو الطفل. الطفل الذي كانت سيريت تتوق لرؤيته، الطفل الذي كان آخر أملٍ لها.
دخل يوان الغرفة التي يوجد فيها الطفل، وطرد الجميع من هناك ثم حمل الطفل بين ذراعيه. كان الطفل لا يزال ذا وجهٍ مائل إلى الزرقة، يتنفس بصعوبة بالغة.
الطفل الذي بدا وكأنه سيموت في أي لحظة، كان عمره أطول مما ظن.
“أيها الطفل، لقد قتلتُ أمك.”
انهمرت الدموع فوق ابتسامة واهنة.
غمر الندم قلب يوان. كان يجب أن يريها إياه. كان عليه أن يتركه في حضنها ولو مرة واحدة. حتى لا تقع في سوء فهم سخيف كهذا.
“لو أنني أريتها إياك، هل كانت ستتركني أمك؟”
أراح يوان جبينه على جبين الطفل الصغير. وبحرارة جسد الطفل الدافئة الخافتة، ارتسمت على وجه يوان ابتسامة باهتة.
“هل سترحل أنت أيضًا قريبًا؟ لتلحق بوالدتك….”
أمسك يوان بيد الطفل الصغيرة. كانت صغيرة إلى حدّ مخيف، حتى لمسها كان يخيفه.
في تلك اللحظة، فتح الطفل عينيه ونظر إلى يوان. عينان زرقاوان كالصقيع. هما نفس عيني سيريت التي أحبها يوان.
“سيريت.”
رأى يوان سيريت في عيني الطفل. عيناه اللتان تشبهان أمه تمامًا فجّرتا شهقة بكاء من صدره.
العيون الزرقاء التي ظنّ أنه لن يراها مرة أخرى. كانت عينا الطفل تحملانها.
في تلك اللحظة أدرك يوان أمرًا.
هذا الطفل الذي لا اسم له هو الأثر الوحيد الذي خلّفته سيريت. الدليل الوحيد على أنها كانت زوجته يومًا.
ضمّ يوان الطفل إلى صدره بقوة.
سيُنقِذه. هذا الطفل على الأقل، لابد أن ينجو… بكل الطرق الممكنة.
***
سَمّى يوان الطفلَ “هنري”. ولأنه لم يستطع أن يخبر سيريت باسم الطفل شعر بالحزن.
بعد أن منح يوان الطفل اسمه، كرّس نفسه له. ترك الأعمال للآخرين، وانعزل في مقر الدوقية مركّزًا كل اهتمامه على الطفل فقط.
لم يكتفِ بأطباء إمبراطورية إيلون، بل قابل كل طبيب عُرف بأنه بارع في البلدان الأخرى أيضًا. لم يقتصر الأمر على الأطباء فحسب، بل عرض الطفل على قبيلة هِلد التي تجيد التعامل مع الأعشاب.
اكتشف أحد أفراد قبيلة هِلد أن هنري في حالة تسمم بعشبة “فويت”. بما أن السبب عُرف، أصبح من الممكن الآن صناعة العلاج.
أنشأ يوان مختبرًا داخل مقر الدوقية، وجلب مقابل مبالغ طائلة أطباء بارعين وأفرادًا من قبيلة هِلد ليطوروا علاجًا للطفل.
وبينما كان يحترق قلبه قلقًا يومًا بعد يوم، لم يفعل يوان سوى الدعاء أن يظهر العلاج أخيرًا.
سواء لأن الطفل أدرك قلب والده، أو لأن سيريت كانت ترعاه من السماء، فقد صمد أكثر مما ظن الجميع. الطفل الذي قالوا إنه سيموت سريعًا تجاوز عدة محطات حرجة وعاش سنة كاملة.
“هنري.”
كانت الابتسامة تملأ وجه يوان وهو يحمل هنري. لم يكن الطفل سليمًا، لكنه رغم ذلك كان يتعرف على والده ويبتسم له.
لم يكن يستطيع أن يضحك مثل الأطفال الأصحّاء الآخرين بصوتٍ عالٍ، لكنه كان يبتسم بابتسامة جميلة للغاية. وكان يؤلم يوان أن سيريت لم تستطع أن ترى تلك الابتسامة.
كلما قضى وقتًا أطول مع الطفل، كان يوان يزداد شوقًا إلى سيريت. أحيانًا كان الاختناق يطبق على صدره حتى يشعر أنّه سيموت من الألم، كلما تذكّر أنه لن يراها مرة أخرى.
وفي كل تلك اللحظات، كان يصمد وهو ينظر إلى عيني هنري الزرقاوين اللتين تشبهان سيريت.
“تم الانتهاء من سحب العيّنة.”
عند سماع كلام الممرضة، أومأ يوان برأسه.
كان يوان يسحب دمه مرة كل ثلاثة أيام. ومرة كل أسبوع، كان يحقن جسده بالمادة السامة المستخلصة من عشبة فويت، ثم يحقن العلاج الذي لا يزال قيد البحث.
كان يوان يقدّم جسده عن طيب خاطر من أجل هنري. فإذا كان بالإمكان علاج هنري، وإذا كان سيكبر بصحة جيدة ويعيش أطول من والده، فكان يوان مستعدا لتحمّل كل ذلك بلا تردد.
تتابعت الأيام على هذا الحال من سحب الدم وحقن العلاج، حتى جاء يومٌ أخيرًا تم فيه تطوير علاج يمكن حقنه لهنري. وبعد أن تلقى العلاج، بدأ هنري يتحسن يومًا بعد يوم.
وفي اليوم الذي تمكن فيه الطفل من الوقوف على قدميه والمشي، اشتاق يوان إلى سيريت حد الجنون. أراد أن يخبر زوجته بأن هنري بدأ المشي.
كان لدى يوان الكثير من القصص التي راكمها مثل الحنين، وكلها كان يرغب في أن يرويها لسيريت.
ثم في أحد الأيام، شهد يوان جريمة ليديا.
“هنري، نادِني أمي. بما أنني سأصبح أمك، فمن الطبيعي أن تناديني أمي.“
أمسكت ليديا بذراع هنري وأخذت تهزه.
الطفل الذي بدأ بالكلام حديثا حدّق في ليديا بوجه خائف. رؤية ذلك جعلت يوان يغضب غضبا لا يوصف.
“ما الذي تفعلينه؟“
دخل يوان غرفة الطفل بخطوات مسرعة واحتضن هنري. وضع يده خلف رأس الطفل ونظر إلى ليديا بعينين متوحشتين.
كانت ليديا لا تزال تقيم في مقر الدوق حتى بعد موت سيريت. وبعد وفاة سيريت كانت تتصرف وكأن من الطبيعي أن تتقمص دور سيدة القصر.
“لا شأن لي بما تفعله السيّدة إليوت، لكن لن أغفر لكِ إن عبثتِ مع هنري.”
لم يكن يوان يهتم بما كانت تفعله ليديا في القصر لأن كل انتباهه كان موجها إلى هنري. لكن ما حدث الآن لم يكن شيئا يمكن التغاضي عنه.
بالنسبة إلى هنري لا توجد إلا أم واحدة فقط. سيريت فريكتويستر. وحدها تلك المرأة كانت أم هذا الطفل.
“أنا لا أزعج هنري. أنا فقط أحاول أن أصبح أمّه.”
نظرت ليديا إلى يوان بوجه يقول وكأنها لا ترى أي خطأ في ما تقوله.
عند تلك الكلمات تجمّد وجه يوان.
“أم هنري هي سيريت. ولا أنوي أن أجعله يعرف امرأة أخرى على أنها أمّه.”
قال يوان بحدّة قاطعة.
“لكن هنري يحتاج إلى أم. سيريت ماتت بالفعل ولا يمكنها أن تكون أمّه.”
عند تلك الجملة انقطعت عقلانية يوان بالكامل. فنادى الخادم الذي كان يمر عبر الممر.
“هل ناديتني يا سمو الدوق؟”
“احزموا أمتعة السيدة إليوت وضعوها كلها في العربة. الضيفة ستعود إلى منزلها اليوم.”
قال يوان وهو ينظر مباشرة إلى ليديا.
ارتجفت حدقة ليديا بشدة.
“يوان!”
“سأستغني عن مراسم الوداع. ارحلي بسلام يا سيدة إليوت.”
ثم خرج يوان وهو يحمل هنري بين ذراعيه.
كان صوت ليديا الغاضب يتردد خلفه، لكنه لم يعره أدنى اهتمام.
وهكذا انتهت علاقة يوان وليديا.
***
في أحد أيام الخريف الدافئة تحت أشعة الشمس، نظر يوان من نافذة الغرفة.
في ساحة القصر الأمامية، كان هنري يلعب ويركض مع معلمته المنزلية إيف راسينغ.
بلغ هنري الآن الخامسة من عمره. وكأنّه لم يكن مريضًا يومًا، فقد كبر ليصبح صبيًا مشاغبًا.
ابتسم يوان وهو ينظر إلى هنري وهو يمسك بطرف تنورة إيف راسينغ ويضحك بصوت عالي.
“هنري طفل كثير الضحك. يبدو أنه يشبه زوجتي.”
تمتم يوان لنفسه.
منذ رحيل سيريت، أصبح يوان يحدّث نفسه كثيرًا. هناك الكثير من القصص التي يرغب في إخبارها لها.
متى يا ترى سيتمكن من إخبارها بكل تلك القصص؟
ابتعد يوان عن النافذة وجلس أمام المكتب.
على المكتب كانت هناك وثائق تفيد بتعيين جيريمي إينوهاتر أبًا روحيًا لهنري.
وقّع يوان على الوثائق وفتح الدرج. فوقعت عيناه على مسدس موضوع بداخله.
أخذ يوان المسدس بيده.
هناك الكثير جدًا من القصص التي يريد أن يرويها لسيريت.
الطفل الذي قالوا إنه لن يعيش طويلًا، أصبح الآن بصحة جيدة وبلغ الخامسة من عمره.
رفع يوان المسدس ببطء ووضعه على صدغ رأسه.
ناداه هنري ببابا أولًا، ثم عندما أصبح أكبر قليلًا، أي في الأيام الأخيرة أصبح يناديه أبي.
وضع يوان إصبعه على الزناد.
إنه طفل كثير الضحك وكثير البكاء. يبدو أنه يشبه والدته.
أغمض يوان عينيه ببطء.
في الفترة الأخيرة كان يسأل كثيرًا عمّا كانت عليه أمّه. قال له إنها كانت إنسانة محبوبة للغاية، وأن والده أحبّها كثيرًا.
ضغط إصبع يوان على الزناد.
طاخ–
نزف الدم من صدغ يوان وانساب متدفقًا.
كلما مرّت الأيام العادية بهدوء، كان شوقه لسيريت ينتشر في جسده مثل السم.
ظنّ أنه سيكون بخير. وأن وجود هنري سيجعله يصمد.
لكنّه لم يكن بخير ولو قليلًا. كلما كانت الأيام هادئة بلا أحداث، ازداد شوقه إلى سيريت.
كانت هناك كلمات كثيرة كان عليه أن يقولها لها.
لذا يا سيريت، انتظريني. سأتي إليك.
في اللحظة التي سبقت انقطاع أنفاسه، عقد يوان وعدًا.
قال إنه إذا التقيا مجددًا، فسيكون هو من يحبّ سيريت أولًا وأكثر. ولن يتركها وحيدة أبدًا.
في حياته السابقة، أنهى يوان فريكتويستر حياته مختنقًا بالشوق.
***
طاخ–
كان صوت الطلقة صاخبًا. رفرفت الطيور مذعورة لتملأ سماء الخريف الصافية.
رفعت سيريت رأسها نحو السماء بينما كانت نشر الغسيل في الفناء.
يبدو أن شخصًا ما يصطاد الطيور المهاجرة. تذكّرت مسابقة الصيد فارتسمت ابتسامة لطيفة على وجهها.
“لقد مضى عام كامل تقريبًا.”
وبينما تسترجع الذكريات، خيّم الحزن على ملامح سيريت.
تُرى… هل يعيش يوان جيدًا؟
في تلك اللحظة، جاء صوت هانا، فمحَت سيريت تعبيرها والتفتت للخلف.
“سيدتي! قلت لكِ سأفعل ذلك.”
هرعت هانا من داخل المنزل وانتزعت الغسيل من يدي سيريت.
سيريت كانت تمسح على بطنها المنتفخ ثم قالت.
“أنا فقط أشعر بالملل.”
“إذا كنتِ تشعرين بالملل فاقرئي كتابًا أو مجلة. لا تقومي بهذه الأشغال. لم يبق الكثير على موعد الولادة.”
“سأشعر بالأسف لو تركتُ كل شيء عليكِ وحدك. ثم إن الحركة تساعد على الولادة السهلة.”
ابتسمت سيريت بلطف وهي تنظر إلى هانا.
استقرت كلٌّ من سيريت وهانا في دولة رونليف المجاورة لإيلون. كانت قرية هادئة، وأهلها طيبون حتى مع الغرباء مثلهما.
وبالمال الذي جمعته سيريت من بيع لوحاتها، اشترت بيتًا صغيرًا بثلاث غرف، وبدأت تعيش مع هانا حياة بسيطة وسعيدة على طريقتهما.
بعد أن تلد طفلها سينتقلون إلى مكان آخر، لكن حتى ذلك الحين تنويان العيش بسعادة في هذا المنزل الصغير المتواضع.
“هناك الكثير مما تشعرين بالأسف حياله يا سيدتي.”
“وهنري أيضًا يقول إنه يشعر بالأسف.”
ضحكت سيريت ضحكة خافتة بينما تمرر يدها على بطنها.
اسم الطفل كان كما سماه يوان يومًا ما.
هنري.
ابتسمت هانا ابتسامة صغيرة، ثم حدقت إلى بطن سيريت بقلق.
“لكن لو كان الطفل فتاة، ماذا ستفعلين؟ هل ستسمّينها هنري أيضًا؟”
“قلت لكِ إنه فتى.”
“وكيف عرفتي ذلك يا سيدتي؟”
“أنا أعرف كل شيء.”
نبرة سيريت كانت مفعمة باليقين.
بالطبع لم تكن تعرف ما إذا كان طفل حياتها السابقة فتى أم فتاة، لكن شعورها كان يقول إنه فتى.
ثم إن يوان هو من اختار اسم هنري.
“إن وُلدت فتاة، فأنا لا علاقة لي بالأمر.”
قالت هانا وهي تهزّ الغسيل بقوة لتسقط منه قطرات الماء، فتطايرت الرذاذات نحو وجه سيريت، فقبضت ملامحها على خجل ثم ضحكت بخفة.
في تلك اللحظة، دخل ساعي البريد بيت المرأتين بخطوات ثابتة. كان يحمل ابتسامة ودودة وهو يحييهما.
“سيدة إينوهاتِر، آنسة هانا، صباح الخير.”
“صباح الخير يا سيد سكانيرو.”
ردّت سيريت مبتسمة.
“هل وصلت رسالة؟”
“نعم، رسالة من ايلون.”
أجاب ساعي البريد على سؤال هانا وهو يمدّ الرسالة نحو سيريت.
أخذتها وهي تشكره، ثم ما إن انصرف حتى فتحت الظرف.
”هاه؟”
ما إن انتهت من قراءة محتوى الرسالة حتى خرج منها صوت خافت.
وامتلأت عينا سيريت الزرقاء، اللتان أحبّهما يوان حد الجنون، بالدموع في لحظة.
التعليقات لهذا الفصل " 128"