لم يستطع أن يخبر سيريت بأن الطفل سيرحل. كان من الواضح أنها ستنهار بالكامل.
في تلك اللحظة، لم يكن مستعدًا لرؤية زوجته وهي تتحطم ألماً. ولم يعرف يوان وهو يهرب من سيريت.
أن الكلمات التي تمتم بها دون قصد ستُفهم بطريقة خاطئة تمامًا.
“انه ليس طفلكِ، لذا لا تشغلي بالك؟”
تمتمت سيريت بنفس تائه وقد خلا وجهها من الروح.
سمعت همسات الخدم. أن الدوق لا يُري الدوقة الطفل لأنه يرغب في إعطائه للسيدة إليوت.
كان ذلك صحيحًا.
محاصَرة تحت ضغط نفسي ساحق، لم تعد سيريت قادرة على التفكير بعقلانية.
“طفلي.”
انهمرت الدموع من عيني سيريت الخاويتين.
***
خرج يوان من المكتب واتجه إلى الغرفة التي أخفى فيها الطفل.
قال الطبيب دومان الذي جاء من العاصمة إنه لا أمل. وقال إن المسألة مجرد وقت، ومن الأفضل الاستعداد نفسيًا.
وعندما ذكر يوان عرضًا أن زوجته ضعيفة القلب ويقلقه أمرها، نصحه دومان بأن من الأفضل قول إن الطفل وُلد ميتًا.
قال إن الأمهات يجدن قبول حقيقة أن الطفل وُلد ميتًا أسهل من تقبّل أن الطفل الذي وُلد حيًا قد مات لاحقًا.
لكن يوان لم يستطع أن يكذب ويقول إن الطفل وُلد ميتًا بينما هو يتنفس.
دخل يوان الغرفة التي يوجد فيها الطفل. حمل الطفل الذي كان مستلقيًا على السرير بحذر.
كان الطفل يتنفس بصعوبة حتى اليوم أيضًا. كان قلبه ينبض مع انه بضعف، وكان يبكي بصوت صغير أيضًا.
“وهو يعيش هكذا….”
كيف يمكن أن يقال عن طفل كهذا إنه مات.
لم يرغب يوان في إنكار وجود الطفل.
صحيح أنه سيغادرهم عاجلًا أم آجلًا، لكن لا يمكنه أن يجعل الطفل ميتًا ولو بالكلام فقط.
كان لا يزال حيًا بوضوح. طفلنا الأول أنا وسيريت.
استحضر يوان وجه سيريت وهي تطلب أن ترى الطفل، فتوقف عن التنفس للحظة.
لو علمت أن الطفل مريض، كم ستتعذب؟ كم ستنزف حزنًا؟
سيريت لن تتحمل. الصدمة، الألم، الحزن، فقدان الطفل، كل ذلك لن تقدر عليه زوجته الضعيفة.
كانت تبكي أيامًا وليالي بسبب موت مجرد خادمة. فكيف سيكون الحال مع طفل أنجبته بنفسها….
حتى والدته القوية لم تستطع الصمود أمام حزن فقدان طفلها. لذلك كان واضحًا أن سيريت لن تتمكن من ذلك.
ولكي تُصاب بأقل قدر ممكن من الألم، لا يجب أن تُعلّق قلبها بهذا الطفل.
“آسف يا صغيري.”
قال يوان وهو ينظر إلى الطفل بصوت منخفض.
عليّ أن أحمي والدتك.
كان يوان قلقًا وخائفًا من أن ترحل زوجته الضعيفة كما رحلت والدته.
***
توقفت سيريت عن تناول الطعام. كانت ترفض الأكل باستمرار، وقد انطفأ النور من عينيها الزرقاوين الجميلتين.
ذبلت سيريت يومًا بعد يوم. ومع مرور الأيام أصبحت بشرتها أكثر شحوبًا، وصارت تشبه الطفل أكثر فأكثر.
أصابه القلق، وأراد يوان أن يجعل سيريت تأكل أي شيء. كلما رأى سيريت وهي تشبه الطفل الذي يحتضر، تذكر والدته. لم يستطع الوقوف مكتوف اليدين.
“ما الذي ترغبين في أكله؟ قولي لي. سأجلب لك ما تريدينه مهما كان.”
“…….”
“يا زوجتي.”
سألها، لكن سيريت لم تجب. ازداد توتر يوان، وطلب منها مرة أخرى أن تخبره بما ترغب في أكله. ومع ذلك ظلت سيريت تحدق في النافذة دون أن تفتح فمها.
“عليكِ أن تستعيدي صحتك كي تتمكني من رؤية الطفل.”
“…كاذب.”
عندها فقط التفتت سيريت ونظرت إلى يوان.
ومع الكلمة التي قذفتها، وخز شيء ما قلب يوان.
“قولي ما الذي ترغبين في أكله.”
أدار يوان وجهه عن عيني سيريت الخالية، وسألها مرة أخرى.
نظرت سيريت إليه بهدوء، ثم فتحت فمها وكأن الأمر يزعجها.
“شاي أسود. الشاي الذي كنت أشربه دائمًا.”
“حسنًا. سأطلب أن يجهزوه.”
فرح يوان بإجابة سيريت. كان يعتقد أنه بعد شرب ذلك الشاي ستستعيد سيريت قوتها.
بعد يومين، حين أبلغ الخادم يوان بأن أوراق الشاي التي قالت سيريت إنها تريد شربها قد وصلت، شعر يوان بالارتياح. كان ينوي في صباح الغد أن يحضر بنفسه الشاي الأسود والكعك ويطعمها.
نام يوان متمنيًا أن يأتي الصباح سريعًا، لكنه استيقظ على صوت الخادم القلق. رفع جسده جالسًا وعبس.
“ما الأمر؟”
“و… و… وقع أمر كبير.”
كان وجه الخادم شاحبًا، وكأنه سيفقد أنفاسه في أي لحظة وهو يتلعثم بالكلام.
ارتجفت حواجب يوان قليلاً.
الطفل، في النهاية…
كان يخطط أن يُطعم سيريت في الصباح، ثم يتحدث معها بحذر عن حالة الطفل.
أن يقول لها أن الطفل مريض ولن يعيش طويلًا، ويسألها مع ذلك إن كانت ما تزال تريد رؤيته.
تنهد يوان ونزل من السرير.
تابع الخادم كلامه بوجه صار أبيض كالثلج.
“الدوقة… يبدو أن الدوقة قد توفيت.”
سقطت يد يوان التي كانت تمسك بروب النوم.
لم يكن الطفل… بل سيريت.
“ماذا تقصد بهذا الكلام؟”
سأل يوان الخادم وهو يلتفت نحوه بصوت بلا ارتفاع أو انخفاض. غمرت الفوضى حدقتيه الرماديتين.
“من الأفضل أن تذهب لرؤيتها بنفسك يا سمو الدوق.”
قال الخادم بوجه بائس وهو يترقب رد فعل يوان.
تجاوز يوان الخادم بخطوات سريعة متجهًا إلى غرفة نوم سيريت.
كان الخدم مجتمعين أمام غرفة نوم سيريت وهم يتهامسون. ومع وصول يوان، ابتعد الخدم الذين كانوا يسدّون الباب على الفور إلى الجانبين.
تجاوزهم يوان ودخل إلى الداخل بخطوات بطيئة. ومع كل خطوة يخطوها، كان قلبه يخفق بعنف.
حين دخل غرفة النوم، توجهت نظرات يوان إلى سيريت الملقاة على الأرض تحت الطاولة. كان الدم يسيل من فمها، وشعرها يغطي عينيها.
على الطاولة وُضع كوب شاي مملوء وكذلك ابريق الشاي، وبجانبهما ورقة بيضاء مطوية بعناية.
كانت غرفة نوم سيريت المألوفة تبدو غريبة على يوان. المكان مألوف لكنه بدا وكأن شيئًا ما انحرف قليلًا، حتى غدا مختلفًا تمامًا. لدرجة أنه كان يشعر بالاختناق.
بوجه شاحب قليلًا، جثا يوان على ركبتيه أمام سيريت الملقاة. أبعد شعرها ببطء، فظهرت عيناها الزرقاء التي كان يحبّهما تحدقان فيه.
في تلك اللحظة، انقطع نفَسه فجأة، لدرجة شعوره بالإنقباض على عنقه.
هل هذا حلم؟ هل يعيش كابوسًا؟ كان الأمر خاليًا من أي إحساس بالواقع.
كانت عينا زوجته الزرقاوان ما تزالان جميلتين، لكنهما فارغتان، بلا أي شيء بداخلهما.
“سيريت.”
نادى يوان اسم زوجته للمرة الأولى. لكنه، رغم مناداته لها، لم تجب.
“سيريت!”
أمسك يوان كتفي سيريت وهزّها، وكأنه يطلب منها أن تجيب. لكن كتفيها كانتا باردتين وصلبتين، ففزع يوان وسحب يده.
مشاعر مجهولة لم يختبرها يومًا كانت تجتاح داخله بعنف. وكان يشعر بأنه سيختنق، فوقف مبتعدًا عن عيني سيريت الزرقاوين.
اتجهت نظرات يوان المضطربة إلى الورقة الموضوعة على الطاولة. مدّ يده ببطء وفتح الورقة، واهتزت عيناه.
كانت وصية سيريت.
“أشعر بحزن شديد. منذ أن أنجبت الطفل، لم أفكر إلا في الموت. أريد رؤية طفلي، لكن الدوق لا يريني إياه. أريد رؤية طفلي. طفلي.”
كانت الوصية القصيرة مليئة بكلمات عن رغبتها في رؤية طفلها. وضع يوان الوصية وأعاد نظره إليها.
كان ينوي أن يخبرها اليوم. كان ينوي أن يحدثها عن حالة الطفل.
كنت سأخبركِ عن حالته اليوم، فلماذا فعلتِ هذا…
انهار يوان جاثيًا أمام سيريت.
عينان زرقاوان جميلتان حتى الوجع. عينا سيريت اللتان لن يراهما مجددًا كانتا لا تزالان تحدّقان به.
أغلق يوان عيني سيريت ببطء.
اليوم ماتت زوجته.
***
عاد ريغان مسرعًا إلى قصر دوقية الإقليم بعدما علم متأخرًا بوفاة سيريت بسبب انشغاله بالسفر.
وما إن نزل من العربة حتى لمح يوان واقفًا أمام الدرج، فوجه له لكمة مباشرة.
ثم أمسك بياقة ثياب يوان ورفعه عن الأرض وهو يصرخ.
“لماذا قتلتها! لماذا قتلت تلك المرأة! أنت من قتلها! لم تنتحر، بل ماتت مختنقة بالوحدة!”
ابتسم يوان بضعف عند صراخ ريغان.
هل أنا من قتلها؟ هل كان الأمر حقًا هكذا؟ لم يستطع يوان إلا أن يضحك بسخرية متقطعة.
أردت فقط أن أحميها. فقط أن أحافظ عليها.
كان يشعر أن شيئًا ما قد انحرف جذريًا، لكنه لم يجد أي طريقة للعودة إلى الوراء.
ترك يوان ريغان الذي كان يبكي واتجه نحو غرفة سيريت.
على طاولة غرفة سيريت، التي تم ترتيبها، وُضِع دفتر مذكرات.
فتح يوان دفتر المذكرات بوجه خالٍ من التعبير وبدأ يقلب الصفحات.
لقد أحببت زوجًا لا يحبني منذ زمن طويل.
متى سينتهي هذا الحب من طرف واحد؟
ترى هل سيأتي يوم يحبني فيه زوجي؟
مع كل صفحة كان يقلبها، شعر يوان وكأن أحدهم يخنقه. كانت مشاعر سيريت تُنقل إليه كما هي من خلال دفترها.
أشعر وكأنني سأختنق من الوحدة.
بالنسبة لزوجي، أنا لا أزيد عن قطعة أثاث في البيت.
لم أعُد أتوقع أن يأتي يوم يحبني فيه زوجي.
أشعر أنني سأموت من الاختناق.
لكن لدي الآن طفل. يجب أن أعيش وأنا أنظر إلى طفلي فقط.
“سيريت.”
شعر يوان وكأن الألم يملأ رئتيه وقلبه بالكامل.
قلب يوان الصفحة الأخيرة.
كان الخدم يتهامسون بأن زوجي سيعطي طفلي لليديا.
هل هذا السبب الذي يجعله لا يريني طفلي؟
إنه طفلي أنا.
طلبت من زوجي أن يريني الطفل.
قال إن ذلك الطفل ليس طفلي.
كان كلام الخدم صحيحًا.
في يوميات سيريت الأخيرة لم يكن هناك شعور، بل خمول تام. يبدو أنها كانت مرهقة لدرجة أنها لم تعد قادرة حتى على التعبير عن مشاعرها.
عند تلك اليوميات الأخيرة، انهار يوان بمرارة وكأن كل شيء قد تساقط من حوله.
“هااا”
الزفير المنقوع بالألم خرج من صدر يوان بينما انثنت ركبتاه. احتضن يوان اليوميات إلى صدره وانفجر في البكاء.
في اليوم الذي ماتت فيه زوجته، وحتى في جنازتها، لم يذرف دمعة واحدة. كان ريغان محقًا.
من قتل سيريت كان هو.
لقد انتزع منها الطفل الذي كان منفذ الهواء الوحيد لامرأة كانت تختنق من الوحدة.
لم يقل لها شيئًا، تركها تسيء الفهم. لذلك انتهى بها الأمر بالموت. الشخص الذي خنق تلك المرأة كان هو.
“أنا من قتلتها…”
في النهاية أنا…لسيريت…
لم يستطع يوان احتمال حقيقة أنه لن يرى مجددًا عيني سيريت الزرقاوين.
انهمرت دموع الندم بلا توقف.
لم يدرك يوان إلا متأخرًا أنه أحب تلك المرأة التي قتلها حبًا شديدًا.
يتبع^^
ترجمة نينا @justninaae
****شرح: يوان قالها “طفلكِ….” وما كمل جملته بس بعدين قالها 아니야 وتنقرأ ‘انيا’ وهي تنفهم في سياق الجملة اللي يبي يقولها يوان ليس أو لا عليك طبعًا يوان قصده لا عليك انه خلاص معد بيقولها شفيه الطفل بس سيريت فهمت انه قالها انه ليس طفلك زي ما شفنا في فصل ١١١😖 اكرههم بدل ما يتكلمو مع بعض ويتفاهموا كل واحد يفسر الكلام من راسه صدق يا حياة الشقى
التعليقات لهذا الفصل " 127"
بكيت في هذا الفصل 😭