كان الرجل الذي وجّه المسدس إلى رأسه يسير في حياةٍ سابقة لم يكن يتذكرها.
كان يوان الصغير يكره مسابقة الصيد الشتوية. كان يكره ازدحام قصر الدوق بالناس، وكان الجو الحماسي الخاص بها مزعجًا له.
“جيريمي! هذا لي!”
بينما كان يوان يتجوّل في الحديقة عبس بسبب الضوضاء. التفت نحو الجهة التي يأتي منها الصوت، فرأى فتاةً صغيرة تطارد أخاها.
كانت الفتاة تضفر شعرها الأشقر المشابه لضوء الشمس على الجانبين، تبدو كأرنب أذناه متدليتان. وكانت ترتدي فستانًا ورديًا طويلًا حتى الكاحل، مع شريط كبير، بدا يناسبها جدًا.
“ قالت أن اسمها سيريت إنوهايتر، أليس كذلك؟”
تمتم يوان وهو يحدق بهدوء في ظهر سيريت وهي تبتعد.
رؤية الطفلة وقد كبرت عن العام الماضي جعلت يوان يبتسم دون أن يشعر. العام الماضي كانت أصغر قليلًا.
“اااه! جيريمي، إنه لي. قطعة البسكويت هذه تخصني!”
كانت سيريت تطارد جيريمي، لكن حين شاهدت قطعة البسكويت تدخل فم أخيها انفجرت بالبكاء.
عبس يوان عند سماع صوت بكاء سيريت المرتفع.
“صاخبة.”
تلك الطفلة كانت صاخبة كلما رأيتها. لذلك أجد نفسي أنظر إليها مرارًا.
انها صاخبة في هذا العام أيضًا. هزّ يوان رأسه وغادر المكان.
بعد إنهاء تنزهه والعودة إلى غرفته، ظل صوت سيريـت وهي تصرخ بأن قطعة البسكويت لها وهي تبكي يتردد في أذنيه.
“صاخبة حقًا.”
متذمرًا، توجه يوان نحو المطبخ. عندما ألقى نظرة خجولة داخل المطبخ، اتسعت عينا الطباخ واقترب من يوان.
“سيدي الصغير، ماذا تحتاج؟”
“بسكويت.”
تفادى يوان نظرات الطباخ لأنه شعر بالخجل لسبب ما.
اتسعت عينا الطباخ دهشة. السيد الصغير للدوقية لم يكن يأكل الحلويات كالأطفال. أن يطلب يوان بسكويتًا جعل الطباخ يظن أن هذا اليوم مليء بالغرائب.
“ارجع إلى غرفتك رجاءًا. سأجعلهم يرسلونه إليك.”
“حسنًا.”
هزّ يوان رأسه قليلًا وعاد إلى غرفته.
بعد وقت قصير، جاء أحد الخدم إلى غرفة يوان ومعه بسكويت وحليب. ما إن خرج الخادم حتى أخذ يوان طبق البسكويت وخرج من الغرفة.
واتجه نحو الجناح الغربي حيث يقيم الضيوف، أمسك يوان خادمًا مارًا وسأله.
“أين الغرفة التي تقيم فيها فتاة بيت الفيكونت إينوهايتر؟”
“الغرفة بجانب الدرج.”
استدار الخادم وأشار إلى إحدى الغرف.
هزّ يوان رأسه إشارة إلى أنه فهم، ثم توجه إلى غرفة سيريـت. طرق الباب لكنه لم يتلقَّ أي رد، ففتح الباب ودخل.
قالوا له إن دخول حجرة سيدة دون إذن تصرف غير لائق، لكن بالنسبة له تلك كانت مجرد طفلة مزعجة، لذا رأى يوان أنه ليس من الضروري أن يتصرف كرجل نبيل.
لم يكن في الغرفة أحد. بعد أن دخل الغرفة الخالية، وضع يوان طبق البسكويت على الطاولة الصغيرة بجانب السرير.
ارتفعت زاوية شفتي يوان برضا.
كل هذا حتى لا تبكي تلك الطفلة المزعجة مجددًا.
***
الفتاة التي كانت تبكي بسبب البسكويت قد كبرت الآن إلى حد أنها باتت تحضر حفلات الرقص.
نظر يوان بوجه متجهم إلى سيريت وهي ترقص بمهارة لا بأس بها ممسكة بيد أحد النبلاء الشباب.
كان ذلك المشهد مزعجًا له بشكل غريب. لدرجة أنه كان يفضل رؤيتها تبكي وتصرخ لأن قطعة البسكويت خاصتها سُلبت.
مع أنها أصبحت الآن آنسة شابة ولن تبكي لمجرد أن أحدهم أخذ منها البسكويت.
يوان لم يفهم مشاعره. فهي لم تُحدث صخبًا، وكل ما فعلته أنها أمسكت بيد النبيل الشاب ورقصت بخجل مثل أي سيدة شابة في سنها، فلماذا يضايقه الأمر لهذه الدرجة؟
“هل ذلك الوجه الخجول هو المشكلة؟”
تمتم يوان وهو يقطب حاجبيه.
ثم التقت عيناه بعيني سيريت وهي ترقص. وما إن تلاقت النظرات حتى أدارت رأسها بسرعة، وكأنها رأت شيئًا لا ينبغي لها رؤيته.
عندها ابتسم يوان بخفة. شعر وكأنه قد رُفض.
كان شعورًا يختبره لأول مرة، فانتابه خاطر مشاكس يدفعه لإرباك قلب سيريت.
كيف سيكون وجهها لو طلب منها الرقص؟ بما أنه طلب من السيد الشاب للدوقية فهي لن تستطيع الرفض. كان هناك حس بالعناد يتملكه على غير عادته.
وفي تلك اللحظة انتهت الموسيقى. رفع يوان شفته إلى جانب واحد وتوجه نحو سيريت.
لكن سيريت خرجت من قاعة الحفل هاربة تقريبًا. لم يعجبه وجهها الذي احمر بالخجل، فظل يوان يتابعها بعينيه حتى النهاية.
“مزعجة.”
تنهد يوان بصوت منخفض وأبعد نظره عن الباب الذي خرجت منه.
ومنذ ذلك اليوم ظل وجه سيريت وهي تحمر وتغادر قاعة الحفل يتراقص أمام عينيه لفترة طويلة. كانت فتاة مزعجة حقًا.
***
“ما رأيك في ابنتي ليديا؟ أنت تعرف قلبها أكثر مني يا يوان، أليس كذلك؟ إن قبلتَ بليديا، فسأتجاوز أي معارضة وسأجعلها أميرة إمبراطورية.”
قال الإمبراطور وهو يراقب وجه يوان.
من كونه يناديه باسمه بدل الألقاب المعتادة، كان واضحًا أن الإمبراطور متلهف جدًا.
“أعرف جيدًا أن ليديا لا تليق بعائلة فريكتويستر، لكنني أود منحها كل شيء تريده.”
عندما واصل الإمبراطور كلامه، نظر إليه يوان بوجه خالٍ من التعبير.
الزواج من ليديا إليوت. لم يكن أمرًا سيئًا.
ليديا كانت ابنة غير شرعية للإمبراطور، لكنها كانت أكثر طفلة يعتز بها. كانت زهرة المجتمع الراقي، تعرف كيف تتعامل مع الناس، وستكون نافعة للعائلة أو للأعمال.
وفوق ذلك، لو اكتسبت لقب الأميرة الإمبراطورية، ستكون ليديا شريكة زواج لا مثيل لها لأجل العائلة. صحيح أنها تعجز عن الإنجاب، لكنه لم يعتبر ذلك مشكلة كبيرة.
أما الطفل، فيمكن تبنيه من عائلة تابعة أو من أي مكان آخر ما دام ذكيًا. بل ربما يكون ذلك أنسب للحفاظ على استقرار العائلة والأعمال. فلا ضمان أن يكون طفلي أنا ذكيًا.
“إن تزوجتَ ليديا، فستصبح عائلة فريكتيستر جزءًا من العائلة الإمبراطورية.”
قال الإمبراطور وهو يُظهر القلق على وجهه.
كان عرضًا مغريًا جدًا، لكن يوان لم يستطع أن يجيب بالموافقة فورًا. من الغريب أن في تلك اللحظة ظهرت في ذهنه سيريت إينوهاتر صاحبة العينين الزرقاوين.
تلك الفتاة المزعجة والتي لا شيء فيها يُذكر ظلت تطفو في رأسه.
لو تزوج ليديا فلن يستطيع بعد ذلك أن يسمح لنفسه بأن يجد عيون سيريت الزرقاء جميلة. ومع تلك الفكرة شعر بطريقة ما وكأنه يخسر شيئًا.
رغب يوان في أن يعيش وهو يجد عيني سيريت إينوهاتر الزرقاء جميلة.
واعتبر هذه الرغبة سخيفة، فحاول جاهدًا أن يستخرج من رأسه سببًا يمنعه من الزواج بليديا.
‘لكن يجب أن يكون لي طفل أنا أيضًا.’
بهذا أقنع يوان نفسه بسبب يرفض به ليديا.
الآن عليه أن يجد عذرًا مناسبًا كي لا يُغضب الإمبراطور.
“أعتذر يا جلالة الإمبراطور. عليّ أن أسدد دين والدي الراحل.”
بصوت هادئ لكنه حاسم، أخبر يوان الإمبراطور أن الفيكونت إينوهاتر أنقذ حياة والده. وأن عليه أن يسدد ذلك الدين بالزواج من ابنة ذلك البيت، شرح يوان الأمر للإمبراطور وعينيه تتلألآن بالرضا.
خرج يوان من قاعة الاستقبال بعد انتهاء اللقاء مع الإمبراطور وقد ارتسمت ابتسامة على شفتيه من غير أن يشعر.
كانت فكرة اندفعت في لحظة، لكنها بدت له مرضية جدًا. إن منح ذلك الفتاة المزعجة والصاخة لقب فريكتويستر، فلن تكون مزعجة ولا صاخبة بعد الآن.
“سمو الدوق.”
اقترب ديريك من يوان الذي كان قد زار القصر الإمبراطوري برفقته.
أعطى يوان تعليماته فورًا لديريك الذي اقترب منه.
“ابحث عن ألماسة زرقاء. بأسرع وقت ممكن.”
“نعم، يا سمو الدوق.”
كان ديريك متعجبًا، لكنه لم يسأل كثيرًا. بدا مزاج الدوق جيدًا جدًا، فظن للحظة أنه ربما سيتزوج الآنسة إليوت.
لكن شريكة الدوق كانت على خلاف المتوقع إحدى آنسات إحدى الأسر التابعة. مقارنة بالآنسة إليوت، كانت أقل بكثير، ولهذا بدا الأمر غريبًا على ديريك.
مع ذلك فهم شيئًا واحدًا بوضوح. وهو السبب الذي طلب لأجله الدوق الحصول على الماسة الزرقاء.
فعيني الآنسة إينوهاتر الزرقاء كانت تشبه المجوهرات. كانت عيناها تشبه الماسة الزرقاء.
***
يوان كان ينظر إلى عيني سيريت الزرقاء المتذبذبة بقلق.
صحيح أنها كانت ترقص معه، لكن بدا كأن ذهنها مشغول بشيء آخر، والارتباك كان واضحًا في أخطائها المتكررة.
“أ.. أعتذر.”
سيريت، التي داست قدم يوان، تفاجأت بشدة واعتذرت.
كان ذلك للمرة الثانية. بعد أن داست قدمه مرتين، بدأ يوان يتمنى أن ينتهي اللحن بسرعة.
أراد أن يطرد كل الأفكار من رأسها ويجعلها تفكر فيه وحده. وحتى يتمكن من ذلك، فالأفضل أن ينتهي سريعًا…
وأخيرًا انتهت الموسيقى، فأخذ يوان سيريت واتجه بها إلى الشرفة.
ثم، وأمام وجهها المتفاجىء، قدم لها عرض الزواج كما لو كان يشرح خطة عمل.
قال إنه بما أن الفيكونت إينوهاتر أنقذ حياة والده، فسيسدد الدين عبر الزواج. عندها سألته سيريت بوجه بريء.
“هل سيكون الأمر بخير إذا تزوجنا بهذه الطريقة؟ أنت لا تحبني.”
حب.
حين خرجت كلمة الحب من فمها، سخر يوان في داخله.
كانت أكثر براءة مما اعتقد.
ولهذا شعر بالقلق للحظة. هل ستتحمل امرأة بهذه البراءة المجتمع الراقي للعاصمة؟ عالم اجتماعي قاسٍ لا يرحم الضعفاء.
منصب دوقة لا يمكن احتماله بحسن الخلق وحده. هل ستتمكن هذه المرأة من القيام به؟
امرأة تتفوه بكلمات بريئة ونقية مثل الحب… هل ستتحمل البقاء بجانبه؟
بعد التفكير بذلك، أجاب يوان على سؤالها بوجه خالٍ من التعبير.
“لا أعتقد أن الزواج يتم من أجل الحب.”
مع أفكار رومانسية كهذه، لن تصمدي إلى جانبي. لذا من الأفضل أن تتخلي عن تلك الأفكار الساذجة.
عيني سيريت الزرقاء اضطربت بعد أن سمعت جوابه. أمام تلك النظرة المجروحة، ابتسم يوان بسخرية.
هل كان عليه أن يمثل دور الرجل الواقع في الحب؟
وبعكس طبيعته، شعر يوان بالقلق من احتمال أن ترفض.
ولحسن الحظ، كان الرد إيجابيًا.
“حسنًا. سأقبل عرض زواجك يا سمو الدوق.”
يوان شعر بالارتياح. الآن يمكنه أن يعيش حياته كلها وهو يرى عينيها الزرقاء جميلة.
لا أصدق أن أمرًا كهذا منحني هذا القدر من الطمأنينة.
شعر يوان أن الأمر غريب وهو يحدق في عيني سيريت الزرقاء المتلألئة.
***
في ليلة زواجهم، مرّ كل شيء بلا وعي.
يوان، وهو يحتضن سيريت بين ذراعيه، اكتشف جانبًا غريبًا من نفسه.
كان دائمًا عقلانيًا وباردًا، لكنه لم يكن كذلك في الليلة التي ضمّ فيها سيريت.
فقد عقله، ولم يبقَ سوى غريزته، مثل حيوان بلا عقل يغوص بلا نهاية داخل سيريت.
ذلك الشغف الحيواني استمر طوال الليل.
ولم تعد إليه حاسة الإدراك إلا عندما نامت سيريت، وقد أنهكها كل ما تلقّته منه بلا توقف.
حين عاد إليه وعيه، شعر يوان بالارتباك من نفسه.
التجربة التي تفوقت فيها غريزته على عقله كانت غريبة، وحتى مخزية قليلًا.
رغب في الهرب من الخزي، لكنه لم يستطع تجاهل المرأة النائمة بأسى أمامه.
مسح يوان جسد سيريت بلمسات هادئة ومنضبطة.
داعب خدها براحته، ثم غادر غرفة النوم سريعًا، خوفًا من أن يضايق المرأة النائمة لأنه لا يستطيع السيطرة على رغباته.
منذ ذلك اليوم، كان يوان يواجه نفسه العاجزة عن التحكم بغرائزها مرارًا وتكرارًا.
الليالي التي يقضيها مع سيريت كانت دائمًا تحطم اتزانه.
ومع الوقت، بدأ يعتاد على نفسه تلك، ولم يعد يشعر بالخزي…
التعليقات لهذا الفصل " 124"