“سمعت أنه تم العثور على النفط في إمرات؟ سمعت ذلك من رئيس الخدم. يقولون إن هندرسون يَسيل لعابه.”
قهقهت ليديا وهي تملأ السلة بالزهور.
كم سيكون هندرسون غاضباً؟
مجرد التفكير بهندرسون وهو غاضب كان يريح صدرها ويجعلها تضحك.
“أكنتِ تعرفين ذلك؟”
قطب يوان حاجبيه قليلاً. كانت ليديا قبل قليل تقول إنها ستمنحه شيئاً، ثم بدأت فجأة بالحديث عن إمرات، ولم يكن يتوقع أنها تعرف.
“سأعطي إمرات لك يا يوان. لا أريد إعطاءها لهندرسون.”
تلألأت عينا ليديا. كم هو أمر جيد، صحيح لا تستطيع إعطاءه طفلاً، إلا أها تستطيع أن تمنحه أرضاً فيها نفط.
“سيدة إليوت.”
“خُذها يا يوان. طالما أننا سنتزوج، فكل شيء سيصبح ملكك على أي حال.”
حدّقت ليديا في يوان بابتسامة كالشمس الصافية، بنظرة لم يكن فيها ذرة شك في أنه سيتزوجها.
ابتسم يوان بسخرية عند كلمة الزواج. كان كلاماً لا يُعقل.
بعد ذلك أخذت ليديا تُلقي بكلام غير معقول على التوالي.
أعطني مقعد الدوقة، وأعطني طفل سيريت أيضاً.
وأراد يوان أن يرى إلى أي مدى ستتمادى، لذلك لم يمنع هذيانها.
“بكل سرور.”
لفّ يوان ذراعه حول خصر ليديا وجذبها إليه. اقترب برأسه كما لو أنه سيقبّلها، ثم ترك كلمات مليئة بالسخرية.
“حسناً، ماذا أعطيكِ بعد ذلك؟ هل أُقبّلكِ أيضاً؟”
“يوان، هل أنت غاضب مني؟”
دفعت ليديا يوان بعيداً ونظرت إليه بوجه متصلب.
فرك يوان عينيه بيده وقد بدا عليه الإرهاق ثم فتح فمه.
“لأنك تقولين كلاماً لا يمكن تصديقه.”
حدقت ليديا في يوان بلا حراك، ثم سرعان ما ابتسمت بهدوء.
حتى لو تعامل يوان الآن مع كلامها ككلامٍ لا يُصدَّق، فقد كانت تعتقد أن يوان سيختارها في النهاية. يوان يظن أنه يحب سيريت، لكنها مجرد شخص خُدع بها.
عندما يستعيد يوان رشده، سيعود إليَّ في النهاية، أنا التي أملك أكثر بكثير من سيريت. حتى ذلك الحين سأتحمل قليلاً.
نظرت ليديا إلى يوان بوجه يسوده ارتياح.
***
تعافت سيريت بعدما تناولت الدواء الذي أحضرته هانا من القابلة. توقف النزيف بسرعة، ولم يعد هناك ألم في البطن أيضاً. من حسن الحظ يبدو أن الطفل بخير.
بعد أن استقر وضعها إلى حد ما، توجهت سيريت أولاً للبحث عن يوان. نظر يوان إلى سيريت بقلق عندما جاءت إلى مكتبه.
“هل أصبحتِ بخير الآن؟”
“نعم، أنا بخير.”
كانت سيريت تتحجج بنزلة برد وبقيت لفترة في السرير دون أن تتحرك.
كان يوان قلقاً عليها بشكل لا يوصف خلال الأيام الماضية لأنها كانت طريحة الفراش بسبب نزلة البرد.
“هذا مطمئن. إذا مرضتِ، أشعر بالأسى، لذا لا تمرضي.”
“…سأذهب إلى موشيلي.”
تجاهلت سيريت كلمات يوان اللطيفة وكأنها لم تسمعها، ثم فتحت فمها وتكلمت.
الإمبراطور ولوفي برونك لم يتمكنا من تجنب مصيرهما المحتوم. ولكن على عكس الاثنين، نجت هانا من مصيرها المحدد.
الفرق الوحيد هو أن هانا واجهت ذلك المصير في وضع مختلف تماماً، بعيدة عن المكان الذي ماتت فيه.
للهرب من القدر لا يبدو أن هناك سوى طريقة واحدة.
الابتعاد كثيراً عن المكان الذي ماتت فيه. كان لا بد من تغيير الظروف والبيئة لتتمكن من النجاة.
لذلك الآن، تفكر سيريت بالهرب بعيداً عن يوان وعن القدر، لتحمي نفسها وطفلها.
“لقد أحسنتِ التفكير.”
عند كلمات سيريت، أومأ يوان برأسه بوجه مطمئن.
“سأغادر بمجرد أن أكون مستعدة.”
“حسنًا.”
اقترب يوان من سيريت واحتضنها بحذر.
كان يريد أن يرسل سيريت سريعاً إلى مكان لا تصل إليه يد ليديا. كان قلقاً ومضطرباً خوفاً من أن تفعل ليديا شيئاً لها.
ليديا التي طالبت بلا مبالاة بمقعد الدوقة وبالطفل في حال حملت سيريت لم تكن في كامل عقلها بلا شك. إذا انفلت زمامها فستصبح سيريت في خطر.
كان انفصالهم لبعض الوقت مؤسفاً، لكنه لم يكن هناك خيار آخر.
دفعت سيريت يوان بعيداً ونظرت إليه بوجه بلا تعبير.
لن أسمح لك بأخذ طفلي مرة أخرى. ولن تأخذ حياتي أيضاً.
“سأخرج الآن.”
“سأوصلكِ.”
نهض يوان من على الأريكة ليلحق بسيريت وأمسك بذراعها أولاً.
دفعت سيريت يد يوان وأومأت برأسها نفياً.
“لا بأس. يا سمو الدوق، تابع عملك.”
خرجت سيريت من المكتب قبل أن يتمكن يوان من قول أي شيء.
عادت سيريت إلى غرفة النوم وسقطت على السرير وكأنها انهارت.
اقتربت هانا بخطوات سريعة ونظرت إلى وجه سيريت بقلق.
“هل أخبرتهِ أنكِ ستذهبين إلى موشيلي؟”
“نعم.”
“وماذا قال؟”
“قال إنني أحسنت التفكير.”
“…….”
إنه على وشك أن يفعل شيئاً مع السيدة إليوت، لذلك هو مستميت لإرسال سيدتي إلى موشيلي.
تكشّر وجه هانا وانقبض فمها.
لم يعجب هانا أبداً أن يوان هو الذي استدعى ليديا إلى قصر الدوقية. كما لم يكن يرضيها أنه ظل صامتاً بينما ليديا تجوب القصر كما تشاء.
“هانا، اذهبي إلى سمو الدوق الأكبر وبلّغيه رسالتي.”
“ما هي الرسالة؟”
“أن يأتي إلى الدفيئة الساعة التاسعة مساءً. أخبريه أنني أود مقابلته هناك.”
“في الليل؟ هكذا متأخراً؟”
سألت هانا بعينين متسعتين دهشة.
“نعم. لدي كلام مهم لا بد أن أقوله له.”
“حسناً.”
أومأت هانا دون أن تسأل أكثر بعدما سمعت نبرة سيريت الجادة.
تنهدت سيريت وهي تربّت على بطنها. لم يكن هناك من يمكنه مساعدتها الآن سوى ريغان.
***
أخذ ريغان يحدّق في الساعة مراراً. كان الوقت يمر ببطء شديد.
“تحركي بسرعة، حسنًا؟”
وبينما يوبّخ ساعة الجيب، لم يستطع ريغان تحمّل الجلوس في الغرفة والانتظار، فذهب في النهاية إلى الدفيئة قبل الموعد بثلاثين دقيقة. شعر أن انتظار سيريت في الدفيئة سيكون أفضل.
عندما دخل ريغان الدفيئة، رأى سيريت وهي تنظر إلى أزهار النرجس، فركض نحوها بخطوة واحدة كبيرة. كان قد أحسن صنعاً بالمجيء مبكراً.
“سيريت.”
عند صوت ريغان، التفتت إليه سيريت.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه سيريت. بدا عليها الإرهاق، فغلب القلق على ريغان.
“هل جسدك بخير؟”
كانت حالة سيريت الصحية سيئة طوال الأيام الماضية. بالنظر إلى وجهها، بدا أنها لم تتعافَ تماماً بعد.
“أنا بخير يا سمو الدوق الأكبر.”
“وجهك شاحب.”
“أنا بخير حقاً.”
ابتسمت سيريت ثم ترددت قليلاً قبل أن تتحدث.
“أنا… يا سمو الدوق الأكبر. هل يمكنني أن أطلب منك طلباً؟”
“بالطبع. قولي أي شيء. سأفعل كل شيء.”
كان ريغان قادراً على فعل كل شيء تطلبه منه سيريت. مجرد أن تطلب منه شيئاً جعله سعيداً لدرجة أن ابتسامته لم تفارق شفتيه.
أما سيريت، فكانت تنظر إلى ريغان بوجه مليء بالاعتذار.
“إنه طلب بالغ الحرج، لذا من الصعب أن أنطق به.”
“لا بأس، قولي. هل أعطيكِ لقب الدوق الأكبر، وهو ثروتي الوحيدة؟”
ضحكت سيريت بصوت خافت بسبب مزحة ريغان، لكن قلبها ظل غير مرتاح.
“…أريد أن أبيع لوحة. يجب أن أتخلص منها بسرعة، ولم يخطر ببالي أحد يمكنني طلب هذا منه سوى جلالتك.”
“هذا مجال تخصصي. أي لوحة تريدين بيعها؟”
“…لوحة كوينتين دال.”
خفضت سيريت نظرتها إلى أطراف قدميها هرباً من نظرات ريغان.
عند تلك الكلمات، نظر ريغان إلى سيريت بوجه مُرتبك للحظة.
شعر بقليل من الخيبة، لكنه سرعان ما زال عنه الشعور لأنه ظن أن أمراً ما قد حدث لسيريت.
“لماذا فجأة؟”
“أحتاج المال بشكل عاجل.”
“هل هو مال تحتاجينه من دون معرفة يوان؟”
لو كان الأمر يتعلق بالمال، فمال يوان يفيض بين يديه. بما أنها تطلب منه ذلك، فلا بد أن هناك ظروفاً لا تستطيع إخبار يوان بها.
“نعم، أود ألا يعرف سمو الدوق.”
“سأقرضكِ المال.”
“لا. لن أستطيع سداده.”
هزّت سيريت رأسها. لم يكن من اللائق أن تقترض هذا المبلغ الكبير من ريغان. رفضت بحزم ثم تابعت كلامها.
“إذا بعت اللوحة، هل يمكن أن أوفر حوالي مئتي ألف؟ وإن كان صعباً، فحوالي مئة وسبعين ألف على الأقل…”
تلاشت كلمات سيريت في النهاية.
كانت مدينة ليوان بمئة وسبعين ألف. كان ذلك المال الذي يجب أن تسدده، لذلك أرادت الحصول على ما لا يقل عن مئة وسبعين ألف روفينغ من ثمن اللوحة.
“لماذا تحتاجين مبلغاً كبيراً كهذا؟”
“…لأهرب من يوان.”
تجمعت الدموع في عيني سيريت وهي تنظر إلى ريغان.
***
‘هل نهرب؟ من يوان؟’
كانت كلمات أطلقها كنوع من المزاح، لكن ريغان كان يقصدها بجدية. أما سيريت أمامه فلم تفعل سوى أن تبتسم بضعف لذلك الكلام.
تساقطت الدموع من عيني ريغان وهو يراقب من بعيد نفسه وسيريت داخل الحلم.
كان يجب أن يأخذ تلك المرأة ويهرب بها في ذلك الوقت. لو فعل ذلك، لما ماتت تلك المرأة.
“آه!”
شهق ريغان وهو ينهض فجأة جالساً.
في الغرفة المملوءة بضوء الفجر الأزرق، رمش ريغان ببطء.
لقد حلم حلماً غريباً. يبدو أنه حلم بهذا بسبب الكلمات التي سمعها من سيريت في الأمس.
لكن كان حقيقياً جداً، لدرجة مؤلمة.
وكلما كان مشابهاً للواقع، كلما ازداد الألم في قلبه.
سيريت، التي قالت إنها ستهرب من يوان، لم تخبره أبداً بالسبب في النهاية. بدا وكأنها تتألم، فلم يستطع ريغان الاستمرار بالسؤال.
جلس ريغان على السرير، وفكّر طويلاً قبل أن يتخذ قراراً.
سيقوم بمساعدة سيريت.
كانت تريد الهرب من يوان، وشعر بأنه يجب أن يساعدها. لم يكن هناك سبب. فقط كان يشعر أنه يجب عليه فعل ذلك مهما حدث.
نزل ريغان من السرير وأخرج دفتر الشيكات الذي أحضره معه. كتب فيه ٤٠٠ ألف ووضع توقيعه.
وبعد أن أنهى التجهيز، انتظر فقط أن تشرق الشمس تماماً.
كان ريغان يمشي جيئةً وذهاباً بلا توقف في الغرفة وهو يتنهد من كثرة القلق.
وعندما اشرقت الشمس، أرسل ريغان إلى سيريت عبر أحد الخدم ورقة صغيرة.
كان محتواها أن يلتقيا أمام لوحة كوينتين دال.
وما إن سلّم الرسالة للخادم حتى توجه ريغان إلى الغرفة التي كانت معلّقة فيها لوحة كوينتين دال.
كان يحدّق بشرود إلى اللوحة التي أهداها لسيريت، حين سمع خلفه صوت حركة.
استدار ريغان، فرأى سيريت تغلق الباب وتتجه نحوه.
وقفت سيريت أمامه بوجه هادئ.
“سمو الدوق الأكبر.”
“قررتُ شراء اللوحة.”
ناولها ريغان شيكاً مكتوباً فيه ٤٠٠ ألف.
توسعت عينا سيريت بعد أن رأتَ المبلغ. كان مبلغاً كبيراً للغاية.
“هذا كثير جداً يا سمو الدوق الأكبر. أريد أن أتلقى ثمناً مناسباً.”
“إنه ثمن مناسب. وسأجعله كذلك قريباً.”
قال ريغان بنبرة واثقة وهو ينظر إلى سيريت.
“يا صاحب السمو، أنا ممتنة لك… ولكن…”
“تلك اللوحة تملك هذه القيمة، لا، قيمة أكبر من ذلك بكثير.”
“…….”
“لأن الاسم الحقيقي لكوينتين دال هو ريغان بوبرويل.”
“……!”
اتسعت عينا سيريت بدهشة وهي تنظر إلى ريغان.
“أنا هو كوينتين دال الحقيقي.”
كشف ريغان هويته وهو لا يزيل نظره عن وجه سيريت المصدوم.
التعليقات لهذا الفصل " 117"