كانت ليديا قد جاءت أبكر من الموعد المتوقع، مما جعل سيريت تشعر ببعض الارتباك، لكنها تظاهرت بالابتسام وهي تستقبلها.
“هل كنتِ بخير؟”
ابتسمت ليديا أيضاً ابتسامة مشرقة وأمسكت بيد سيريت. قبضت ليديا على يد سيريت بقوة.
تغلغلت أظافر ليديا الحادة في كف سيريت. مع ذلك لم تفقد سيريت ابتسامتها.
لفّ يوان ذراعه حول خصر سيريت كما لو كان يحميها. عندها فقط تركت ليديا يد سيريت.
حتى يوان كان في ارتباك غير قليل لأن ليديا جاءت أبكر من الموعد. ما زال لم يتمكن من إرسال سيريت إلى موشيلي بعد…
في تلك اللحظة، سُمع صوت ريغان.
“قصر الدوقية كما هو.”
عند الصوت القادم من المدخل، توجهت أنظار يوان وسيريت. كان ريغان يتقدم بخطوات واسعة وهو ينظر حوله بوجه مبتهج.
نظرت سيريت إلى ريغان بوجه سعيد. رغم أن كل شيء كان فوضوياً، إلا أن زيارة ريغان كانت موضع ترحيب.
“سمو الدوق الأكبر؟”
“هل كنتِ بخير يا سمو الدوقة؟“
وقف ريغان أمام سيريت وألقى التحية عليها بطريقة رسمية. مد ريغان يده نحو سيريت.
كادت سيريت أن تمسك بيد ريغان مبتسمة، لكن يوان سبقها بخطوة وأمسك بيد ريغان وصافحه.
“ما الذي جاء بك يا سمو الدوق الأكبر؟”
أخفى يوان عدة مشاعر خلف وجه جامد. ترحيب، دهشة، انزعاج… إلخ.
ضحك ريغان ابتسامة عريضة ووضع يده على كتف يوان.
“إذا جئت إلى العاصمة كان عليك أن تزورني. كيف تعود دون حتى أن تُظهر وجهك، يا دوق فريكتويستر؟”
“لهذا جئت إذن؟”
“حسناً، أحضرت ليديا أيضاً، وسأستحم في الينابيع الساخنة أيضًا.”
وكان يريد التأكد أيضاً من أن سيريت بخير. ألقى ريغان نظرة جانبية على وجه سيريت وتمتم في نفسه.
السبب الأكبر لزيارته القصر الدوقي كان سيريت، لكن ريغان لم يستطع قول ذلك.
“قال لي ريغان أخي الأكبر إنه قلق علي، لذلك جئت معه. لا بأس، أليس كذلك يا سيريت؟”
قالت ليديا موجِّهة الكلام إلى يوان، ثم نظرت إلى سيريت.
ابتسمت سيريت بهدوء والتقت عيني ريغان.
“يشرفني أن يأتي صاحب السمو الدوق الأكبر.”
“كنت أعلم أن الدوقة ستقول ذلك.”
ابتسم ريغان بابتسامة منعشة.
نظر يوان بوجه متضايق جداً إلى سيريت وريغان وهما يبتسمان لبعضهما.
“ولماذا تنظر إلي بتلك النظرة المخيفة مرة أخرى، يا دوق فريكتويستر؟ أحضرت معي هدية، فابتسم قليلاً.“
ارتجف ريغان من نظرة يوان ورفع زاويتي فمه بقوة.
يبدو أنه لا يعرف إطلاقاً كم يكون مرعباً عندما ينظر بهذه الطريقة. حرّك ريغان رأسه بخفة.
“هدية؟”
“ليست هدية سأعطيها للدوق فريكتيوستر، بل هي هدية من أجل الدوقة. لو كانت هدية أعددتها أنا لكان جيداً، لكنها هدية من كوينتن دال لسمو الدوقة.”
قال ريغان ذلك وهو ينظر نحو المدخل.
جاء السائق حاملاً لوحة ملفوفة بورق تغليف. أنزل السائق اللوحة أمام ريغان، وكانت بحجم صحيفة مفتوحة.
أشار ريغان إلى اللوحة بإيماءة رأس وأكمل كلامه.
“إنها لوحة رسمها كوينتن دال وهو يفكر في سمو الدوقة. قال لي أن أتأكد من إخباركِ بأنه سيكون سعيداً لو قبلتها بسرور.”
بينما كان يتحدث، شعر ريغان بنظرات يوان الحارقة.
لوحة رُسمت وهو يفكر بزوجتي؟ كيف يجرؤ على التفكير بزوجتي؟ بدا وكأن الصوت الداخلي هذا يصل من خلال العينين الرماديتين ليوان، فبدأ ريغان يأخذ حذره.
“شكراً لك على هذه الهدية. هل يمكنني حقاً قبول لوحة كوينتن دال دون مقابل؟”
انفتح فم سيريت قليلاً. ولو للحظة، كانت سعيدة وممتلئة بالفخر لأنها أصبحت مُلهمة كوينتن دال.
مقارنة بذلك، تنهد يوان تلقائياً. كانت لوحة رُسمت بينما يفكر رجل آخر بسيريت، ولخاطِر سيريت.
فهذا يعني أنه ولو لوهلة واحدة كانت سيريت داخل رأس رجل آخر، لذا لم يكن يوان مسروراً أبداً.
أما ليديا فلم تكن مسرورة لأسباب مختلفة.
كوينتن دال كان أعظم رسّام في إمبراطورية ايلون. كان صاحب كبرياء مرتفع لدرجة أنه حتى طلبات العائلة الإمبراطورية لرسم لوحات لهم كان يرفضها.
كوينتن دال لم يرسم أي شخص كان. ولكن يقول إنه رسم وهو يفكر بسيريت؟ قطبت ليديا وجهها.
كانت قد طلبت عبر ريغان عدة مرات من كوينتن دال أن يرسمها، لكن دائماً ما عادت إليها كلمات الرفض، فزاد ذلك من جرح كبريائها.
“سيريت محظوظة. حتى تتلقى هدية من كوينتن دال.”
نظرت ليديا إلى سيريت بابتسامة وهي تُخفي غيرتها.
اصطدم نظر سيريت ونظر ليديا في الهواء. ارتجفت زاوية فم سيريت قليلاً، ووضعت يدها على بطنها.
اتبع نظر ليديا يد سيريت حتى وصل إلى بطنها. لماذا تضع يدها على بطنها؟ ليست حتى امرأة حامل. أصبح نظر ليديا معوجاً.
حين شعرت سيريت بنظرات ليديا، أنزلت يدها بسرعة عن بطنها وردّت بابتسامة من جديد.
“إنه شرف بالطبع.”
ابتسمت ليديا في وجه سيريت ثم أدارت جسدها نحو يوان.
“يوان، أين هي الغرفة التي سأقيم فيها؟ أخبرني.”
“اتبعيني رجاءًا.“
اتجه يوان نحو الدرج بوجه يبدو وكأنه يقول إن هذا جاء في الوقت المناسب.
كان ذلك تصرفاً نابعاً من رغبته ألا تبقى سيريت مع ليديا قدر الإمكان، لكنه ترك في نفس سيريت شعوراً بالمرارة.
ارتسم الحزن على وجه سيريت وهي تحدق بلا حراك في ظهري الاثنين اللذين يصعدان الدرج معاً.
“سيريت، أين نعلّق هذه اللوحة؟”
في تلك اللحظة، سُمع صوت ريغان.
عندما التفتت سيريت، ابتسم ريغان ابتسامة مشرقة.
كانت ابتسامة مشرقة بما يكفي لمسح كل ذلك اليأس التي سكن وجه سيريت.
***
وقفت سيريت أمام اللوحة التي أحضرها ريغان. كانت لوحة لكوينتن دال وهو يطبع قبلة على ظهر يد سيريت، لكن كوينتن دال داخل اللوحة كان مُبالغاً في تحسين مظهره مقارنة بواقعه.
“هل أعجبتكِ؟”
سأل ريغان الذي كان واقفاً بجانبها.
“نعم. إنها لوحة اليوم الأخير من معرض الصالون، صحيح؟”
“نعم.”
عند سؤال سيريت، ألقى ريغان نظرة على اللوحة وأومأ برأسه.
بعد عدة أشهر من العمل انتهى إنجاز اللوحة بالكاد. الخطة الأصلية كانت تقديمها كهدية لسيريت قبل أن تذهب إلى القصر الدوقي، لكن بسبب وفاة الإمبراطور المفاجئة وموت لوفي برونك لم يكن هناك مجال نفسي لرسمها.
“عندما أنظر إلى اللوحة أتذكر اللحظة التي انكشف فيها أن جنتلمان كانت كوينتن دال. لقد كان ذلك ممتعاً جداً.”
“عندما أفكر في ذلك اليوم ما زلت أشعر بالقشعريرة.”
وافق ريغان على كلمات سيريت وهو يضحك.
أشارت سيريت إلى كوينتن دال داخل اللوحة وألقت نكتة.
“أعتقد أن كوينتن دال داخل اللوحة وسيم بشكل مبالغ فيه.”
“هاهاها. ذاك الصديق يؤمن أن مظهره هكذا بالفعل.”
انفجر ريغان ضاحكاً.
“عندما أنظر بدقة يبدو أنه يشبه سمو الدوق الأكبر أكثر.”
“نعم؟ كثيراً ما أسمع أنني أشبه كوينتن دال.”
فرك ريغان مؤخرة عنقه عند ملاحظة سيريت الدقيقة. أثناء الرسم، أسقط الكثير من ملامحه الخاصة على كوينتن دال المزيف.
ولذلك كان كوينتن دال داخل اللوحة أقرب إلى مظهر ريغان من مظهر كوينتن دال الحقيقي.
“آه، هذا غير ممكن. كيف تشبهه؟”
هزّت سيريت رأسها كما لو أن الكلام لا يُعقل. كان ريغان وسيماً بمعايير موضوعية، بينما كان كوينتن دال رجلاً عادياً لا يلفت النظر.
“لا أفعل؟”
“نعم، سمو الدوق الأكبر أكثر وسامة بكثير.”
هل هذا حتى سؤال؟ هل من الممكن أنه لا يعرف كم هو وسيم؟ ضحكت سيريت بخفة وهي تنظر إلى ريغان.
كما هو متوقع، عندما تكون مع ريغان يرتاح قلبها. تتم مواساة قلبها المضطرب مرة أخرى هكذا. لو لم يكن ريغان هنا لما كان هناك شيء يضحكها اليوم.
“بكثير؟ أنا أكثر وسامة بكثير؟”
لم يستطع ريغان إخفاء سعادته من كلمات سيريت.
رغم أنه سمع كلمات عن وسامته مرات لا تحصى، إلا أن سماعها من فم سيريت جعلها تبدو وكأنها كلمات جديدة. كان يشعر برغبة في أن يجعلها تستمر بالكلام.
في تلك اللحظة، سمع صوت يوان المخيف من خلفهما.
“إذاً بيني وبين ريغان، من هو الأكثر وسامة؟”
عند سماع هذا الصوت، تفاجأ كل من سيريت وريغان تقريباً في اللحظة نفسها واستدارا للخلف. كان يوان متكئاً على إطار الباب واقفاً بشكل مائل.
كانت تعابير وجهه أكثر ميلاً من وضعية جسده، مما جعل سيريت وريغان يتوتران دون قصد.
وقف يوان الذي كان يتكئ على إطار الباب منتصباً وتقدم بخطوات واسعة نحو الاثنين.
في بضع خطوات فقط، وصل أمام سيريت، ووضع يده حول خصرها كما لو كان يعلن منطقته، وطبع قبلة على خدها.
ظهرت تجعيدة خفيفة على جسر أنف سيريت. عندما رفعت رأسها لتنظر إلى يوان، سأَل مرة أخرى بوجه خالٍ تماماً من الابتسام.
“من هو الأكثر وسامة؟”
“هذا سؤال طفولي يا سمو الدوق.”
“طفولي فعلًا. لذا من هو الأكثر وسامة؟”
“هل تسأل بصدق لأنك تريد أن تعرف؟ أم أنك فقط تعاند؟”
“من يعلم.”
هز يوان كتفيه.
العلاقة بين الاثنين لم تكن تبدو جيدة أبداً لأي أحد ينظر إليهما. لكن مشاعرهما كانت ممتدة ومتشابكة تجاه بعضهما فقط، بحيث لا يبدو أن هناك أي مساحة ليدخل أحد بينهما.
“أنا متعبة وأحتاج القليل من الراحة. إذن تحدثا أنتما الاثنان.”
أرسلت سيريت نظرة حادة إلى يوان، وابتسامة دافئة إلى ريغان، وغادرت غرفة اللوحة.
بعد أن غادرت سيريت، سأل ريغان يوان بحذر.
“هل تشاجرتما؟ لماذا تشاجرتما؟”
“لم نتشاجر.”
“لقد تشاجرتما، لماذا تتظاهر.”
“ما هذه اللوحة؟ لماذا أحضرتها؟ لماذا تزداد لوحاتك في منزلي باستمرار؟”
أشار يوان بذقنه نحو اللوحة المعلقة. زادت لوحة غير مرضية أخرى.
“الناس الآخرون يجنون لأنهم لا يستطيعون الحصول على لوحة لكوينتن دال.”
“أنا لست مثلهم، لذلك لا تُكثر من لوحاتك في منزلي.”
كان يوان لا يزال يكره أن سيريت تعتبر لوحة كوينتن دال شيئاً ثميناً. وكان يكره أيضاً أن تبدو علاقتها مع ريغان ودّية.
“سأرسم عملاً واحداً كل شهر وأعلّقهم كلهم هنا.”
ابتسم يوان بخفة وهو ينظر إلى ريغان الذي كان يتذمر.
ابتسم ريغان أيضاً بسبب ابتسامة يوان، وتمكن الاثنان أخيراً من النظر لبعضهما براحة بعد وقت طويل.
***
خطت ليديا بخطوات مستقيمة وهي تتجول في القصر ، ثم وجدت غرفة معلّق فيها لوحات ودخلت إليها.
في غرفة اللوحات كانت لوحات كلًا من الدوقات وزوجاتهم على مر السنين معلقة. وبحكم عمق تاريخ العائلة، كان من اللافت أن الجدران كانت مغطاة باللوحات الكثيفة في كل مكان.
أثناء تفقدها للوحات، توقفت ليديا أمام لوحة أم يوان. الشعر الأسود المرفوع بأناقة والبشرة البيضاء الشاحبة أعطيا شعوراً بملكة الشتاء.
ابتسمت ليديا ابتسامة هادئة وهي تنظر إلى والدة يوان.
“قالتِ لي إنني طفلة ثمينة، لذا يمكنني أن أصبح أي شيء، أليس كذلك؟ سأصبح الدوقة. فلهذا رجاءً ساعديني من أينما كنتِ.”
كان تعبير ليديا وهي تنظر إلى اللوحة هادئاً كالملاك. لم يكن من الممكن العثور على أي شر في ذلك الوجه البريء تماماً.
خرجت ليديا من غرفة اللوحات ومرّت أمام غرفة سيريت. ومن خلال الباب المفتوح قليلاً، كان يمكن رؤية سيريت وهي تتقيأ بشكل جاف.
فتحت ليديا الباب بهدوء ودخلت.
وبينما تنظر إلى ظهر سيريت التي كانت تغطي فمها بمنديل، سألت ليديا بصوت مليء بالترحيب.
التعليقات لهذا الفصل " 115"