“بسبب كون اكتئاب السيدة إليوت في حالة خطيرة، تقرر أن تتلقى العلاج في الإقليم.”
كان يوان لا ينوي أن يخبر سيريت بأنه حصل على سلطة تحقيق خاصة من الإمبراطور ليحقق مع ليديا. لأنه لو قال إن ليديا مرتبطة بموت صوفيا فسوف تندفع دون أن تضع شيئاً في الحسبان.
ليديا في وضعها الحالي كانت شخصًا خطيراً جداً، ولم يكن بإمكانه أن يرى سيريت تُعرض نفسها للخطر بأي شكل.
“لا أريد! لماذا قد تأتي ليديا إلى هنا!”
صرخت سيريت بوجه متجمد.
منذ بضع دقائق فقط كانت تفكر أنها ربما تستطيع أن تكون سعيدة مع الطفل. لكن يوان سحق ذلك بهذه السرعة. شعرت سيريت وكأن اليأس يضغط على رأسها.
“سيريت.”
نظر يوان إلى وجه سيريت الشاحب بدهشة.
“لا. قل لها ألا تأتي.”
“الحديث انتهى بالفعل.”
أمسك يوان ذراع سيريت وكأنه يقول لها أن تهدأ.
نفضت سيريت ذراعها بعيداً عن يوان ونهضت من السرير. كانت تشعر بالاستياء من يوان. أن يدعو ليديا كما في حياتها السابقة.
هل ستستمتعون مرة أخرى بعلاقة خفية في البيت الذي أعيش فيه؟ هل ستأتي ليديا كل ليلة إلى غرفتك؟ هل سأضطر مرة أخرى إلى الصمت ومشاهدة كليكما تتقلبان معًا في البيت الذي أسكنه؟
سيريت ابتلعت بصعوبة الكلمات التي ظلت تدور في فمها ثم قالت شيئاً آخر.
“لماذا تدعو ليديا دون أن تتشاور معي بكلمة واحدة؟ كان يجب أن تتناقش معي!”
“أنا آسف. بما أنك تبدين منزعجة أيضاً فاذهبي إلى موشيلي.”
نهض يوان من السرير وأخذ صك ملكية قصر موشيلي التي سقط على الأرض واقترب من سيريت.
عندما وضعها في يدها رمتها سيريت على الأرض.
“تقول لي أن أذهب إلى موشيلي؟ يبدو أن هناك سبباً يجعل وجودي هنا غير ممكن، صحيح؟”
شعرت سيريت وكأنها تُطرد. فكرة أنه بما أن ليديا ستأتي، فعليها هي أن تذهب إلى موشيلي، كانت جارحة جداً فطفحت مشاعرها.
تنهد يوان بخفوت ثم التقط الأوراق التي رمتها سيريت، ووضعها مجدداً في يد سيريت.
“أعيديها ثم ارتاحي لبضعة أيام في موشيلي.”
“ولماذا تعيدها إلي؟ هل رميتها في وجهي لتقول لي أن أصمت لأن ليديا ستأتي؟”
رمت سيريت الأوراق مرة أخرى.
“سيريت.”
“لأنك ذهبت إلى العاصمة والتقيت ليديا بعد وقت طويل، يبدو أن مشاعرك بدأت تنتعش من جديد، صحيح؟”
“…….”
“هل كنت تشتاق إلى ليديا لهذه الدرجة؟ بعد رؤيتها لم تعد تستطيع العيش بدونها؟ ولهذا ستجلبها إلى قصر الإقليم؟”
“كفى.”
فتح يوان فمه بوجه متجمد.
الكلام الخارج من فم سيريت كان يزعجه بشدة. كان قد أكد لها أنه ليس بينه وبين ليديا أي شيء.
“هل تشعر بالجنون من شدة الشفقة على ليديا؟ نعم، ليديا التي فقدت زوجها وأصيبت بالاكتئاب بدت مثيرة للشفقة وبائسة فتعلقت نظرك بها، أليس كذلك؟”
“دعينا نتوقف.”
تنهد يوان بوجه متعب.
“هل ليديا مصابة بالاكتئاب فعلاً؟ ليديا التي أعرفها ليست من النوع الذي يصاب بالاكتئاب لأن زوجها مات. لو كانت ستقتل زوجها بيديها فهي ستفعلها، لكنها ليست امرأة ستحزن لفقدان زوجها!”
“اهدئي قليلاً.”
أمسك يوان كتف سيريت ليجلسها على السرير. لكن سيريت دفعت يد يوان بعيداً.
“لوفي برونك، ربما تكون ليديا قد قتلته حقاً.”
قتلت القط الأبيض أيضاً، وقتلت صوفيا، وفي حياتي السابقة قتلتني أنا أيضاً، لذلك ربما لم يكن قتل زوجها أمراً صعباً عليها.
كان ما قالته بدافع الغضب، لكن فجأة راود سيريت شعور أنه قد يكون صحيحاً فعلاً.
“لا. لا تفكري بهذه الطريقة!”
تحول وجه يوان إلى ملامح شرسة بسبب كلام سيريت. كان يشعر بالقلق من أنها قد تبدأ الآن بالبحث وكشف حقيقة موت روبي برونك.
اهتزت عينا سيريت لرؤية ملامح يوان. كان إنكاره الشديد يوحي وكأنه يدافع عن ليديا.
هل ليديا قتلت فعلاً روبي برونك ولذلك يوان يحميها؟ أم أنهما قتلاه معاً؟ تساقطت الدموع من عيني سيريت.
عندما رأى يوان منظر سيريت وهي تسكب الدموع قطرة بعد أخرى، جذبها إلى حضنه بوجه يائس.
كان يوان قلقاً. كان خائفاً جداً من أن تُصاب المرأة بين ذراعيه مرة أخرى، أو أن تموت مثلما في الحلم.
“أحبكِ، سيريت. لذا أرجوكِ…”
أرجوكِ ابقي بجانبي بأمان. لم يكن يوان يرغب إلا بذلك فقط.
“…لا أستطيع أن أصدقك. لا أستطيع أن أصدق كلامك حين تقول إنك تحبني.”
ضحكت سيريت بسخرية من كلمات الحب التي همس بها يوان في أذنها.
ما دامت ليديا موجودة، لا يمكن أن يوجد أي مستقبل سعيد لها مع هذا الرجل.
ومهما همس بكلمات حلوة، لم تستطع سيريت أن تثق بيوان بالكامل.
عند كلمات سيريت، أزاحها يوان من حضنه بوجه متجمد.
“ألستِ أنتِ التي لا تريدين تصديقي؟”
بسبب ذلك الرجل الذي جرّح قلبها، فهي لا تحاول أن تصدق حبه.
لقد قدمه لها في يديها مرات عديدة، ولكنها في كل مرة تدفنه في الوحل وتختلق عذراً يتعلق بامرأة أخرى وترفض أن تتلقاه.
زوجتي تجعلني بائس لهذه الدرجة.
“أريد أن أصدق. أريد أن أصدقك بشدة.”
احتضنت سيريت بطنها.
كان طفل يوان داخلها. كانت سيريت أكثر من أي شخص آخر ترغب في أن تصدق حب يوان الآن.
بالنسبة لسيريت التي أرادت مستقبلاً مختلفاً عن حياتها السابقة، فإن خبر زيارة ليديا إلى قصر الإقليم كان يعني أن مصيرها سيكون مثل حياتها السابقة تماماً.
في مثل هذا الوضع، أن تعتمد فقط على حب يوان غير المؤكد كان أمراً مخيفاً جداً بسبب رعب الموت الذي اختبرته في حياتها السابقة.
“إذن صدقيني. فقط صدقي، أليس هذا كل ما في الأمر؟”
“كيف أصدق؟ كيف يمكنني…”
“أنو بسبب ذلك الرجل؟ لأن ذاك الذي أحببته لدرجة أن قلبك تآكل ما زال يملأ قلبك. صحيح؟”
نظر يوان إلى سيريت بوجه بارد. هل لأنها لا تستطيع محو ذلك الرجل من قلبها لا تستطيع أن تصدق حبي؟ هل هذا ما يحدث؟
“نعم. بسبب ذلك الرجل لا أستطيع أن أصدقك.”
كيف تعاملت معي في حياتي السابقة؟ كم بكيت بسببك؟ كم تأذيت، وكم عانيت؟
لذا كيف يمكنني أن أصدقك بالكامل بكلمة أحبك واحدة فقط.
لمعت عينا يوان الرماديتان ببرودة. ظلتا تنظران إلى سيريت لوقت قبل أن يلتقط صك ملكية قصر موشيلي الذي سقط على الأرض.
وضع يوان وثائق القصر مجدداً في يد سيريت، ثم فتح فمه.
“من الأفضل ألا تظني أنكِ ستفلتين من يدي لمجرد أنني أعدتِ هذه المستندات لكِ.”
“…….”
نظرت سيريت إلى وثائق القصر التي وضعها يوان في يدها. ثم تساقطت الدموع قطرة بعد أخرى فبللت الظرف.
“هناك الكثير من الطرق لأقيّدكِ بها.”
أدار يوان ظهره كما هو وغادر غرفة النوم.
جلست سيريت على الأرض منهارة وقد تُركت وحدها. أمسكت بوثائق قصر موشيلي وبكت بنحيب طويل.
كانت مصيرًا قاسيًا تقترب منها شيئاً فشيئاً.
***
خرج يوان من غرفة نوم سيريت وبدأ العمل وهو في حالة مزاجية سيئة.
بسبب غيابه عن الإقليم، تراكمت الكثير من الأمور التي يجب التعامل معهاا، فلم يكن هناك أي مجال للراحة.
بينما كان يعمل بانشغال حتى إنه تجاوز وقت الغداء، وجد أن الوقت قد صار وقت العشاء. استدعى يوان أحد الخدم وطلب منه أن يبلغ سيريت أنه يريد تناول العشاء معها.
بعد فترة قصيرة، عاد الخادم إلى المكتب وفتح فمه بوجه حرج.
“السيدة قالت إنه لا رغبة لها الآن، فليتناول الدوق العشاء أولاً.”
في الحقيقة، الكلمات التي سمِعها الخادم من سيريت كانت بالضبط هي “ليس لدي مزاج لتناول الطعام وأنا أنظر في وجه الدوق.” لكنه حور كلماتها من أجل سلام الزوجين.
ابتسم يوان ابتسامة مرة، ثم أومأ وكأنه يفهم.
“اخرج.”
“نعم.”
خشية أن تمتد الشرارة إليه، غادر الخادم المكتب بخطوات سريعة.
بعد أن غادر الخادم، مال يوان بجسده عميقاً في الكرسي وزفر تنهيدة. كان ذلك بمثابة يد مصالحة منه، لكنه قوبل بالرفض.
كانت سيريت لا تزال صعبة، وفجأة خطرت ليوان فكرة أنها ربما ستبقى امرأة صعبة طوال حياتها.
في النهاية أنهى يوان تناول العشاء وحده. الجلوس وحده على طاولة واسعة لتناول الطعام جعله يشعر حقاً بالوحدة.
لقد جلس وحده على هذه الطاولة الواسعة لا حصر له من المرات، لكن اليوم لأول مرة شعر بالوحدة والفراغ.
فكر أنه لو كانت سيريت معه لكان الأمر أفضل، لذلك لم يستطع أن يأكل كثيراً وفي النهاية أنهى وجبته.
في وقت متأخر من الليل، توجه يوان بشكل طبيعي إلى غرفة نوم سيريت. مهما كان الشجار كبيراً فلم يكن يريد النوم في مكان منفصل. حتى لو تشاجرا مرة أخرى شعر أنه من الأفضل البقاء قربها.
عندما دخل غرفة نوم سيريت، كانت سيريت مستندة إلى رأس السرير تحدق في يوان.
“لقد جئت إلى الغرفة الخطأ يا سمو الدوق. هذه غرفتي.”
عند كلمات سيريت المليئة بالأشواك، ارتسمت ابتسامة خفيفة على فم يوان. كانت كلمات صريحة لطرده، لكنه شعر بالارتياح لمجرد سماع صوتها.
تجاهل يوان كلمات سيريت بخفة واتجه نحو السرير.
“بما أنها غرفة زوجتي فأنا أظن أنني جئت إلى المكان الصحيح.”
“لا. أريد أن أنام وحدي.”
“أما أنا فأريد أن أنام معكِ يا زوجتي.”
بغض النظر عما كانت ستقوله سيريت، صعد يوان إلى السرير واستلقى بجانبها.
نظرت سيريت إلى يوان المتمدد بجانبها بعيون حادة مليئة بالغضب.
كانت ترغب في طرده لكنها كانت تعلم أنه ليس رجلاً يمكن طرده بسهولة، لذلك فكرت سيريت أنها هي من يجب أن تخرج.
أدارت سيريت ظهرها ليوان محاولة النزول من السرير. أمسك يوان بذراعها على عجل.
“إلى أين ستذهبين؟”
“نم هنا يا سمو الدوق. سأفسح لك المكان بكل سرور.“
التفتت سيريت نحو يوان ونزعت يده التي كانت تمسك بذراعها.
تنهد يوان وجذب سيريت إلى صدره. بسبب قوة يوان، سقطت سيريت على صدره.
لم يفلت يوان سيريت التي دخلت بين ذراعيه، وهمس بصوت منخفض.
“إلى متى ستستمرين هكذا.”
“ماذا بي؟”
تحررت سيريت من بين ذراعي يوان ونظرت إليه من أعلى.
داعب يوان خد سيريت وأذنها بينما كان يحدق في عينيها الزرقاوين. كان كل ما يتمناه هو أن تمتلئ تلك العينين بالسعادة.
“هل تعرفين كم كنت سعيداً في الطريق وأنا أحمل صك ملكية قصر موشيلي؟ كنت غارقاً بالسعادة فقط لأنني كنت أتخيلكِ سعيدة. توقفي عن الغضب. لقد أخطأت لذا سامحيني.”
كلمات يوان جعلت الدموع تملأ عيني سيريت. لقد كانت سعيدة هي أيضاً حين فكرت أنها ستعيش مع الطفل ويوان معاً. لكن الآن كل شيء كان مخيفاً فقط.
مسح يوان الدموع التي تراكمت في عيني سيريت ثم ضمها إلى صدره مرة أخرى. لم يكن لدى سيريت أي طاقة لتبتعد عن يوان، فظلت ساكنة بين ذراعيه.
“اذهبي إلى موشيلي لمدة شهر واحد فقط.”
لم تُجب سيريت على كلمات يوان. كانت فقط تبكي بصمت بين ذراعيه، وهي تفكر أنها ربما بحاجة للذهاب إلى مكان آخر غير موشيلي.
التعليقات لهذا الفصل " 114"