عندما أستيقظ… ربما أعود إلى قصر فروغن.
في الصباح، ستدخل روزينا مولي وتوقظني، تسألني إن كنت قد نمت أكثر من اللازم مجددًا. سيجلس نوح بجانبي بينما أتناول الإفطار، يقرأ الصحيفة بهدوء.
وفي الليل، سيأتي ليقرأ لي حكاية الكلب والذئب بصوته المتراخي المتعب. كنت أحب ذلك الصوت الناعم، الواضح.
كان يومًا عاديًا… عاديًا جدًا، بلا شيء مميز. ولم أدرك كم كان جميلًا ومميزًا إلا بعدما تحطم تمامًا، ولم يبقَ منه سوى بقايا يائسة أتأملها.
لهذا أنا لا أحب الأشياء المميزة.
«يا أميرة، لقد عانيتِ كثيرًا وأنت تكبرين.»
وماذا عن الكبار؟ ما زال الطريق طويلًا أمامي. ما زلت طفلة كبيرة تريد أن تتدلل. لم أتدلل على أحد من قبل… ربما الآن فقط أريد أن أفعل ذلك مع شخص ما.
الذكريات المتناثرة التي عادت إليّ بدت كحلم قاسٍ. حاولت تجاهلها، لكنها قبل أن أدرك استقرت في أعماق قلبي كشعور دائم بالطمأنينة.
بعد أن فشلت في الهروب من الواقع، فتحت عينيّ ببطء واتكأت على الجدار الرمادي الداكن، أواجه حقيقة حبسي في زنزانة انفرادية.
راقبت أنفاسي تتلاشى مثل ضباب البحر، وراودتني أفكار غريبة. شعرت بالعزلة والوحدة والوحشة.
كنت أحب أن أكون وحدي غارقة في أفكاري، لكن هذا مختلف… هذا عزلة كاملة، غرق في الوحدة.
لم أبكِ. لا عندما دخلت هذه الحياة القاسية، ولا عندما كدت أتجمد في الإسطبل، ولا عندما كدت أُقتل على يد المرتزقة. وحتى عندما تركت نوح، بقيت باردة، كأن المصائب لا تؤثر فيّ.
لم تهزّني المحن المتكررة الشاقة، بل كسرتني كلمات بسيطة وعدتني بالحماية. كما لا تؤثر بي العواصف الثلجية، أذوب بلا رحمة أمام خيط رفيع من دفء الشمس.
«إنه بارد… ومزعج.»
لماذا كل هذا الاضطراب في حياة كنت أريد أن أعيشها بلا شيء؟ حتى أنني دخلت السجن.
المعاملة لم تكن سيئة. الطعام جيد، والفراش نظيف. ربما كان نوعًا آخر من تحقيق الرغبات، لكنه لم يكن صحيحًا.
زارني المقدم جرونندال وطمأنني بألا أقلق، قائلاً إنه سيبرئني قريبًا. ربما بفضل دعمه، كان الضباط والحراس ينظرون إليّ باستياء فقط، دون أن يعاملوني بسوء.
«إذًا، متى ستطلقون سراحي؟»
كنت مغمضة العينين أفكر حين سمعت صوت كعب حذاء يرن بأناقة.
دخلت سيلين، ترتدي فستانًا بنفسجيًا، وشعرها البلاتيني مرفوع في كعكة.
لا بد أنها جاءت لتسخر مني. نظرت إليّ بعينيها الخضراوين اللامعتين وضحكت بلطف مصطنع.
«هل تظنين ذلك ممكنًا؟»
«جربي إذًا.»
«ما زلتِ تتكلمين فقط.»
غطّت فمها وضحكت كطفلة. نظرتُ إليها بذراعين متشابكتين، وعينين مليئتين بالازدراء.
«لماذا أنتِ هنا؟»
«ألا يحق لي زيارتك؟ أم تحاولين إغواء الحارس الآن؟ كما فعلتِ مع دوق العدو؟ لم أكن أعلم أنكِ امرأة خفيفة إلى هذا الحد.»
بينما كانت تتمتم، شعرت بشيء غريب في قلبي.
ربما لم تكن علاقتي بنوح عابرة فحسب.
كانت رابطًا خفيفًا وثقيلًا في آنٍ واحد، لا يمكن الإمساك به ولا تركه. تجاهلتُ الأمر وأغمضت عينيّ مجددًا.
استمرت في إطلاق كلمات مزعجة، حتى أسكتها كلامي العفوي:
«لقد طُردتِ في النهاية، أليس كذلك؟»
احمرّت عيناها والتوى وجهها. ارتجفت رموشها الطويلة كما لو كانت على وشك البكاء.
«هل استمتعتِ باللعب بمشاعر الناس؟ أنتِ شريرة حقًا، كالشيطان.»
«عمّ تتحدثين؟ تظنين نفسكِ صالحة؟ أنتِ تعلمين أنني سأُفرج قريبًا. ماذا سيحدث لسمعتكِ التي بنيتها بكل هذا الجهد؟»
«أنتِ وُلدتِ شريرة! تحاولين أخذ كل شيء مني! أمك ماتت بسببك!»
كما في القصة الأصلية، حمّل الأدميرال موت زوجته لهذه الطفلة البريئة، وبنت سيلين تفوقها وسعادتها على ذلك الأساس.
لذلك لم تستطع احتمال أن تُزاح هي، التي عاشت كأنها البطلة والأميرة، بواسطة أختها الصغرى.
ابتسمتُ بهدوء.
«تعلمين أن هذا ليس السبب. أنتِ تكرهين رؤيتي لأنني كنت وسيلة شعوركِ بالتفوق والسعادة. استخدام موت أمكِ كذريعة أمر لا يُغتفر.»
ابتلعت ريقها، تحاول التماسك، لكن الغضب والحقد في عينيها الخضراوين لم يختفيا.
سألتها بهدوء:
«هل فكرتِ في العواقب؟ والدكِ سيتحمل مسؤولية ضياع الوثائق السرية.»
«ماذا تقصدين؟»
«أنتِ من سرق أسرار العملية وسرّبها إلى فروغن وألصقتِ التهمة بي.»
اتسعت عيناها. صمتت لحظة، ثم قالت بهدوء غريب:
«اعتني بنفسكِ.»
واستدارت، وخصلات شعرها البلاتيني تتمايل كأنها تلوّح لي بالوداع.
«جيفري. سمعت أنك شهدت بأنك أنت من أعطيتها العقد.»
قال رئيس الوزراء داميان جرونندال بنبرة توبيخ وهو جالس في كنيسة قصر آل جرونندال.
أجاب المقدم بلا تعبير:
«صحيح.»
«ومن أين حصلت على الألماس الوردي الذي لا يوجد إلا في ميديا؟»
«أمي من عائلة ميديا النبيلة. هذا ممكن.»
«هل تنوي إعطاءها متعلقات والدتك؟ سيتحدث الناس عن زواج.»
«ألا يجوز لي؟»
«حتى وهي متهمة بالتواطؤ مع العدو؟»
«أنت أيضًا تزوجت أمي التي هربت من ميديا.»
تنهد رئيس الوزراء.
«أندم على ذلك. كانت تخفي عني أسرارًا.»
ثم قال بحزم:
«لطالما احترمت قراراتك، لكن هذه المرة لن أسمح. هي متهمة بالتجسس، وقد يؤذيك ذلك. وعدت أمك أن أحميك.»
سأل الابن:
«هل تلوم أمي؟»
تنهد الأب.
«تعرف الجواب.»
تذكر كلمات زوجته الراحلة:
«كنت أعيش بالذنب. لم أستطع إخبارك خوفًا من احتقار والدك. أرجوك، ابحث عن تلك الطفلة المسكينة، احمها واجعلها سعيدة.»
تمتم جيفري وهو يغادر:
«إلى أي مدى تنوون الذهاب؟»
في قصر دوق روتسيلت، كان الصمت ثقيلًا.
وقف سكرتيره فينسنت أمام النافذة، يعدّ الجنود الذين يقتحمون الحديقة.
تمتم:
«الدوق المجنون… فعلها أخيرًا.»
بمجرد أن سمع أن ديانا في خطر، ترك كل شيء دون تردد.
مكانته، ثروته، مستقبله، ثقة الإمبراطور… حتى حياته.
الآن لم يتبقَ له سوى تهم الهروب زمن الحرب، وانتهاك قانون الأمن الإمبراطوري، والخيانة.
قال فينسنت وهو يشعل سيجارًا:
«كان خيارًا واقعيًا… لكنه جنون.»
اقتحم الجنود المكتب.
قال أحدهم:
«سير فينسنت، نحتاج شهادتك بخصوص فساد السكك الحديدية والمشتريات العسكرية.»
ابتسم وأجاب:
«استدعوا محامي الكونت أولًا. لن أقول شيئًا قبل ذلك.»
تناثرت الأوراق، وتحطمت اللوحات تحت أقدام الجنود.
نفث دخان سيجاره وقال بخفة ممزوجة بالفراغ:
«انتهى كل شيء…»
ثم تمتم بابتسامة باهتة:
«والآن بعد أن أصبحت عاطلًا… أتساءل إن كان بإمكاني المواعدة بحرية؟»
التعليقات لهذا الفصل " 30"