جلست سيلين بهدوء على كرسي خشبي مطليّ بالأزرق اللازوردي، تمسح دموعها مرارًا بمنديل دانتيل. وعلى الجانب الآخر من المكتب المعدني جلس رجل بملامح جادة، يدوّن شيئًا في دفتره.
سأل وهو يقطّب حاجبيه قليلًا:
«هل هذا صحيح؟»
«حاولت إخفاء الأمر لأنها أختي الصغيرة العزيزة، لكن… شعرت أنه إن استمر الوضع هكذا فسيكون الجميع في خطر. بدأت أظن تدريجيًا أن هذا ليس صوابًا.»
تلاشى صوت سيلين وهي تختنق بالبكاء. منحها الرجل لحظة لتهدأ، ثم سأل بنبرة أكثر هدوءًا:
«هل هناك دليل على أن أختك الصغرى كانت على علاقة وثيقة بالدوق؟»
«فقط ميديا، إحدى جهات تحالف فروغن، ترتدي عقد ألماس وردي.»
«هل تقولين إن الأخت التي تم إنقاذها كانت تملك ذلك؟»
«نعم. إلى جانب ذلك، إنه حجر باهظ الثمن للغاية، من الكماليات التي لا يقتنيها إلا نبلاء رفيعو المستوى المرتبطون بميديا. لماذا يُعطى لشخص تم اختطافه؟»
لم يكن المقدم هو من أعطاها العقد. جندي من دولة معادية لن يمنح ألماسًا ورديًا من أرض العدو. لا بد أنه كذب ليحمي ديانا.
ابتلعت حزنها ومسحت دموعها. كان أنفها وعيناها محمرّتين بشكل يثير الشفقة. لوّحت سيلين ببطء بيدها، نظرت إلى السقف، وتنهدت:
«آه…»
ثم تابعت:
«والدي لم يكن يعلم شيئًا. وعندما أدركت أختي أنني اكتشفت الأمر، حاولت إحراق غرفتي. لم أستطع إحضار العقد كدليل، لكن الخدم الذين كانوا هناك سيشهدون.»
«نعم، آنسة كلير. شكرًا على شهادتك.»
«أيها المحقق، أرجوك لا تخبر أحدًا أنني من أبلغت. أنا خائفة جدًا من العواقب. تشجعت فقط لأحمي والدي.»
«نحن نحافظ على سرية تامة لحماية المبلّغين. لا تقلقي، سنبذل قصارى جهدنا لحمايتك.»
المحقق، حين رأى مظهرها البريء وملامحها المثيرة للشفقة، لم يشك لحظة في أنها امرأة صالحة تكشف الشر.
كانت هي من اتهمت ديانا.
لقد وُلدتِ شريرة… شريرة منذ البداية. هذا مجرد فعل عادل لكشف الشر حتى لو تجاوز روابط العائلة.
معاقبة الأشرار شرٌّ ضروري. بالنسبة لي، أنتِ شخص شرير.
تنهدت سيلين تنهيدة خفيفة، بعد أن بررت لنفسها ما كانت تعتبره دائمًا أمرًا طبيعيًا.
يقع قصر الأدميرال في مدينة الميناء حيث مقر القيادة البحرية، لذا فهو قريب من البحر. من نافذة غرفتي، كنت أرى الميناء يعجّ بالناس كأنهم أسراب نمل.
قيل إنه احتفال بعودة السفن الحربية بعد المعركة البحرية الأخيرة. قبل وصولها، كان الجو احتفاليًا وصاخبًا، وأصوات الأبواق تتعالى.
لكن السفن العائدة بدت كقطع خردة سوداء محترقة ومهشّمة. ومع اقترابها، خفت الحماس تدريجيًا.
دخلت السفينة المدمّرة الميناء ببطء، تتسرب منها الزيوت ويتصاعد منها دخان أسود. ومع اقتراب المشهد اليائس، بدأت تختلط به صرخات النساء المنتظرات لأزواجهن أو أحبائهن.
قالت مربيتي بجانبي:
«يقولون إننا خسرنا معركة البحر الشرقي.»
أومأت ببطء وتنهدت.
«ستستمر الحرب حتى تنتهي مفاوضات الهدنة.»
وضعت المربية كتابًا سميكًا على المكتب وقالت:
«آنستي الصغيرة، ما رأيك أن نذهب اليوم إلى مكتبة الساحة؟ أنت تحبين الكتب. فكرت بشراء دليل للكتابة.»
اقترحت فجأة أن نخرج معًا.
أنا بطبعي لا أحب الخروج، فهززت رأسي. لكنها أصرّت بشكل غريب.
«المكتبة كبيرة جدًا، وستجدين كتبًا تعجبك.»
هل كانت مهتمة بي هكذا دائمًا؟ لم نكن قريبين لهذه الدرجة.
راودني شعور بالريبة.
«لا أريد الذهاب.»
«سيكون من الجيد لو ذهبتِ…»
كانت يداها المجعدتان متشابكتين برجاء. أمسكت كتفي بلطف.
«هل هناك مكان تمنيتِ زيارته؟ لنذهب معًا اليوم.»
«لماذا تصرّين على إخراجي؟»
«لأنه يجب أن يكون كذلك.»
كان صوتها متوترًا بالندم. شعرت بقشعريرة باردة.
وقبل أن أستوعب الأمر، اقتحم رجال بزي أزرق داكن الغرفة دون طرق.
تقدم ضابط ملتحٍ وقال:
«الآنسة ديانا كلير.»
«نعم.»
«ورد بلاغ عن علاقتك بمسؤول رفيع في فروغن. نظرًا لأنك ابنة أدميرال، لن نقيدك. نرجو تعاونك.»
فهمت ما حدث. وضعت المربية معطفًا كشميريًا على كتفي.
رائحة مألوفة… كان معطف نوح.
أدركت فجأة أنها كانت تحاول تهريبي بذريعة الخروج.
ابتسمت لها بسرعة. ابتسمت لي بمرارة.
كنت أعلم الآن أنها كاتبة قصص أطفال تكتب عن الكلاب والذئاب.
تبعت الضباط.
بلاغ مجهول يتهم ديانا بعلاقة مع مسؤول من فروغن، والدليل عقد الألماس الوردي من منجم ميديا…
كانت الصحف مليئة بالأخبار عن علاقتي بنوح. لا شك أن سيلين وراء ذلك.
لو انقلب الدوق على بيلفورد، فلن يسكت المستشار جرونندال.
في غرفة تحقيق مظلمة، قيل لي:
«أنتِ متهمة بسرقة أسرار عملية من معركة البحر الشرقي وتسريبها لفروغن.»
صُدمت.
هل سرقت سيلين الأسرار بنفسها ثم ألصقت التهمة بي؟
إنه فعل مجنون فقط لاتهامي بالتجسس.
ابتسمت ابتسامة جوفاء.
إن استمر الأمر هكذا، سأُعدم شنقًا أو رميًا بالرصاص.
بعد استجواب طويل، وُضعت في زنزانة انفرادية صغيرة.
جلست على السرير الحديدي البارد وهمست:
«سيلين مجنونة مثلي.»
في الصباح الباكر، ركضت امرأة ذات شعر نحاسي في ممر القصر وهي تمسك صحيفة.
التعليقات لهذا الفصل " 29"