في نهاية ممرٍّ مظلم، وقفت الخادمة والدوق في مواجهة بعضهما، يقيسان زمن الصمت بينهما. كانت مولي، الخادمة التي يحتجزها نوح، تنظر إليه بعينين حائرتين.
حاصرها بذراعيه وهو يستند إلى الحائط. حاولت أن تشيح بنظرها، لكن عينيه الباردتين الثابتتين، كأنهما لا تعرفان الرمش، كانتا تحدّقان بها من علٍ. كان فمه مطبقًا بإحكام، ووجهه الجادّ يلقي بظلٍّ عميق.
بدا وكأن أمرًا جللًا على وشك الحدوث. وأخيرًا، بعدما عجزت مولي عن تحمّل هذا التحديق الخانق، تكلمت أولًا:
“كولونيل، لماذا تفعل هذا؟”
“لا تسيئي الفهم يا ملازم دلفين. ليس اعترافًا.”
“أعلم. لكنه ما يزال عبئًا. وقد سُرِّحت من الخدمة.”
كان حوارهما، المعتاد على الاختصار، أشبه بلعبة عشرين سؤالًا، لكن مولي فهمت حالته فورًا.
انحنت قليلًا وتسللت من تحت ذراعه، وكتمت تذمرًا وهي ترتب تنورة زيّها.
بقي نوح مطأطئ الرأس، راحتاه على الحائط، كأنه قد يضرب رأسه به في أي لحظة.
إنه محطم تمامًا… ترى ما الجنون الذي قد يفعله؟
ارتسمت لمحة شفقة على وجه مولي اللامبالي.
“أتسأل إن كان ذلك صحيحًا؟”
“فكرت في الأمر 366 ساعة كاملة. ولم أصل إلى نتيجة.”
“حسنًا… ماذا تريد مني أن أفعل؟”
“لنضع خطة معًا.”
اشتد وجه مولي حين ضيّق نوح عينيه.
“أنا مجرد خادمة.”
“ألم تتسللي إلى قصري متظاهرة بأنك خادمة عادية؟ أنتِ محترفة.”
“لا، لست كذلك. أعمل لأنهم يدفعون جيدًا. أريد فقط أن أفعل شيئًا عاديًا.”
“اعتبريه عمل خادمة عادي.”
“أي نوع من التجسس تقوم به الخادمة؟”
كان يطلب الأمر ببساطة، كأنه يطلب طعامًا. هزّت مولي رأسها بتعب.
“التسلل صعب الآن. إعادة الآنسة آنذاك كانت فرصة أخيرة وضربة حظ. مع اقتراب المفاوضات من نهايتها، ستشتد الحراسة على الحدود. وحتى كاتبة قصص الأطفال في إجازة… يبدو الأمر مستحيلًا.”
كان الهدف الأصلي خطف الابنة الكبرى للأدميرال، لكنهم أعادوا الليدي ديانا بدلًا منها. وهي ليست سهلة أيضًا.
تنهدت وهي ترى وجهه يزداد كآبة.
“الجيش والعائلة المالكة لن يتجاهلا الأمر هذه المرة. سابقًا عوقبت فقط على ترك موقعك، لكن إن عدت الآن فسيطبق عليك قانون الإعدام. من الأفضل طلب الإعادة رسميًا…”
“تعلمين أن ذلك لن ينجح. ستموتين فورًا.”
كان يحدّق في لوحة حصان أبيض شاحب يخرج من العتمة، بعنوان “كابوس”.
“إذًا… لنعرف إن كانوا أحياء أم أمواتًا.”
“وسيلة تواصل.”
عضّ شفتيه وقال بصوت منخفض ثقيل.
راقبته مولي وهو يبتعد في الممر، ثم طرقت إطار اللوحة وتنهدت.
رغم أنه بدا كمن يحاول إنقاذ شخص مهم، كان قلقه ظاهرًا.
ببساطة… يريد أن يتواصل معها ويرى وجهها.
نظر إليّ المقدم غرونندال بعجز. طبيعي أن يُربك حين تبكي امرأة بلا تعبير سابق إنذار.
“هل كان لديكِ قلب؟”
لم أجب.
أخرج منديلًا، فشحت بوجهي رافضة. سألني بشفقة:
“هل تكرهينني؟”
“لا، ليس الأمر كذلك.”
جلس منخفضًا ينظر إليّ، بينما كان من حولنا يرمقونهما بإعجاب، فبطل بلفورد والمرأة التي أنقذها مشهد رومانسي بامتياز.
تذكرت الدوق الذي خطفني، وهو يضع برعم نرجس أصفر في كفي مبتسمًا.
ذلك المشهد هزّ قلبي الساكن. حين اشترى لي المجوهرات والأثواب لم أشعر بشيء. اعتدت الرفاهية في حياتي السابقة، بل زادتني فراغًا.
لكن زهرة عادية غلبت رجلًا خاطر بحياته لأجلي.
القلب، كحصن منيع، قد ينهار بلمسة ريشة. وكان نوح كذلك.
قال المقدم:
“ظننت أن الدوق يتلاعب بمشاعرك. لم أرد أن تتأذي. حاول خداع أميرة ميديا للتنازل عن حقها في العرش، لذا كان عليّ منع زواجك…”
خفض عينيه بأسف، كأنه يظنني ساذجة.
أنا امرأة في العشرين، بجسد في السابعة عشرة. أأُخدع بسهولة؟
عيناه الزرقاوان الصافيتان تنظران إليّ بشفقة.
“أعني… أنه استخدمك.”
مسحت وجهي المفجوع بالدموع.
ربما استخدم كلٌّ منا الآخر. لقد استخدمت قلبه وخنته.
الحكم على مشاعر الآخرين اعتمادًا على الظروف فقط حماقة.
“سأعود الآن.”
في القصر، أغلقت غرفتي وبدأت أفكر كيف أتواصل مع نوح.
جلست إلى مكتبي قرب النافذة المشمسة أبحث في الكتب.
طرقت المربية الباب. في الخمسين من عمرها، شعرها المشمشي الفاتح مربوط بعناية.
هي التي ربتني أنا وسيلين. ووقفت صامتة حين أُسيئت معاملتي.
قالت بهدوء:
“تقرئين كتبًا صعبة.”
“نعم.”
اقتربت وتصفحت الكتب.
“هل تريدين تعلم إشارات اليد؟”
“كنت أطلع عليها فقط.”
“لا تقرئي كتبًا عسكرية علنًا. لقد عدتِ للتو من أرض العدو.”
نصحتني فجأة.
“الأدب والفن يتجاوزان الحدود والزمن.”
ثم غادرت.
هل كان اسمها جانيت؟
بعد خروجها تذكرت قصة خيالية في الصحيفة.
كيف أتواصل؟ أنا لست جيدة في الكتابة.
رفعت رأسي أحدق في الأشجار المتمايلة، فتذكرت لوحات نوح الغامضة.
سألته مرة:
“أتحب اللوحات الكئيبة؟”
قال: “جميلة.”
وأوضح أنها تصور قس أحب امرأة سرًا، وصوّر رغبته كشيطان، ولم يعترف لها حتى موته.
قررت.
استدعيت خادمة جديدة.
“أحضري ورقًا وفحمًا.”
في حياتي السابقة تخرجت من كلية الفنون، تخصص رسم غربي.
سأرسم شيئًا لا يفهمه سواه، وأرسله إلى صحيفة بلفورد.
رسمت، وضعت اللوحة في ظرف مختوم بالشمع، وأرسلتها.
عادت الخادمة ومعها صحيفة.
“انظري، المقدم الذي أنقذك قد يصبح وريث عائلة الدوق.”
قرأت:
“بطل بلفورد، المقدم جيفري غرونندال… احتمال كبير أن يصبح الوريث…”
ثم أخرجت ورقة أخرى:
“هل كانت مهمة الإنقاذ لكسب قلب ابنة الأدميرال الكبرى؟”
ضحكت وألقيت الورقة.
السؤال—هل كان إنقاذي لأجلي حقًا؟—تحول إلى يقين.
لأنه ينسجم مع الظروف.
وعلى عكس نوح، هو يحكم بالظروف فقط… دون أن يهتم بما في القلوب.
التعليقات لهذا الفصل " 23"