“هل ستتركون الأميرة إيريتا وشأنها؟ من تصرفاتها آنذاك يتضح أنها كانت أميرة من دول الحلفاء، لكنها تعاونت مع بلفورد. ومع أن الأميرة كانت متورطة في الحادث، فإن العائلة المالكة في ميديا التزمت الصمت. يبدو أنهم يتصرفون من تلقاء أنفسهم.”
كان فنسنت، الذي وصل إلى مقر الفوج، يتحدث عن حادثة يوم الميلاد ويسأل عن أميرة ميديا. كانت عيناه القلقتان تتجهان نحو نوح، الذي كان مستندًا إلى الكرسي في مكتب قائد الفوج، وقد رفع ساقيه فوق المكتب.
ربطة عنقه، التي كانت دائمًا متقنة، كانت معوجة، وزرّان من ياقة قميصه مفتوحان. قائد الفوج، الذي يُفترض أن يكون قدوة، بدا الآن مهمَل المظهر، ككومة أمتعة غير مرتبة.
لم يكن يبدو بخير إطلاقًا.
أخرج فنسنت، السكرتير الوفي، سيجارًا من جيبه الداخلي وقدّمه بحذر إلى رئيسه المتعب.
“لا أدخن.”
“ظننت أنك قد تحتاج إليه. الجميع يبدأ هكذا.”
“اتركه الآن.”
أرخى نوح ربطة عنقه وأجاب بوجه خالٍ من التعابير. كانت نبرته الرتيبة توحي وكأنه يطلب أن يُترك وشأنه، لكنها حملت أيضًا معنى آخر: اتركوا الأميرة وشأنها.
كان ينظر إلى السقف بملامح غارقة في التفكير، بينما كانت حذاؤه العسكري الأسود اللامع يصدر صوتًا خافتًا.
العمل تحت إمرته يتطلب فطنة شديدة. فهو من النوع الذي يتفوه بالكلمات دون شرح، متوقعًا أن يفهمه الجميع.
“نعم…”
فهم فنسنت سريعًا، فغادر الغرفة بهدوء وأغلق الباب.
بقي نوح وحده، جالسًا بفتور يحدق في الفراغ. حتى مع غروب الشمس وتعاظم حمرة الأفق، لم يشعر بشيء. لم يفهم لماذا كان يجد جمالًا في دورة الشروق والغروب المتكررة.
الأوراق المرتبة على المكتب بدأت تكتسي بلون قرمزي. وصوت الساعة المنتظم زاد الصمت عمقًا.
كان هذا الوقت سابقًا هو أكثر ما ينتظره. كان توهج الغروب بالنسبة له إشارة خاصة، الشيء الوحيد الذي كان يمنحه معنى.
أما الآن، فلم يعد للوقت معنى.
تذكر وجهها الذي ظنه فريدًا: ملامحها الخالية من التعبير، الشاحبة التي تحمرّ عند أدنى لمسة.
كان مدهشًا كيف يرتفع صوتها الهادئ قليلًا عندما ترتبك، وكيف تتبدل تعابيرها الدقيقة إذا نظر إليها عن قرب.
كان مجرد الجلوس والنظر إليها أمرًا ممتعًا. في البداية بدت حية وغير حية في آنٍ واحد، لكن مع مرور الوقت صارت أكثر حيوية.
أراد أن يعرف ماهية ذلك الضوء الخافت الذي يلمع أحيانًا في عينيها ثم يختفي سريعًا. كانت شخصًا غريبًا؛ ثابتة الملامح، لكنها ترتدي أقنعة لا حصر لها.
كانت تحاول أن تتصرف كفتاة في سنها، لكنها أظهرت أيضًا برودًا وكأنها تسير عكس مسار العالم. أراد أن يعرف الحقيقة المختبئة خلف القناع المتغير.
التعليقات لهذا الفصل " 22"