رجل شعره أسود يرتدي بدلة رسمية تحت معطف صوفي بني أمسك بيدي وحاول مساعدتي على الوقوف. كانت عيناه الزرقاوان، تحت شعر لونه معاكس تمامًا لشعر نواه، تنظر إليّ.
– «المقدم؟»
– «قفي بسرعة. يجب أن نعود قبل أن يأتي الجنود إلى هنا.»
ما أن أنهى المقدم كلامه، حتى شعرت بأن أطراف أصابعي التي أمسكت بها قد صارت باردة.
– «العودة؟»
– «إلى أين؟ ليس لدي مكان أذهب إليه.»
تذكرت نظرات من كانوا يرمقونني بالكراهية والازدراء في قصر الأدميرال. كان هذا العالم غريبًا، لكنه مألوف، وذكرني بوضوح بخيبات الأمل المريرة في حياتي السابقة.
تسللت فكرة العودة إلى حياة من الازدراء والوحدة إلى داخلي، مجمدة دمي. الناس الذين التقيت بهم في فروغن كانوا طيبين معي. لم أرغب في مغادرة هذا المكان الذي شعرت فيه بالدفء، كملجأ من عاصفة ثلجية قاسية. في العالم القديم، كنت أعتمد على نفسي للبقاء، لكن هنا، ليس لدي شيء. أمسكت بمعطف نواه حول كتفي وتنهدت بعمق، مراقبة ضباب أنفاسه يتلاشى، مستسلمة أخيرًا لشعور باليأس.
دحرجت عينيّ فقط ونظرت للأمام. كان من الواضح وجود جنود يختبئون في الحديقة، متوارين تحت الغطاء لحماية المقدم، ويراقبون هذا الاتجاه. ماذا لو رأى نواه هذا واتجه نحوي؟ هذه الفكرة جعلت رأسي يدور ببرودة أكبر.
هبّت ريح باردة، محركة الأوراق الذابلة التي بالكاد تمسكت بالفروع. فجأة اجتاحت نسمة باردة رأسي. اتخذت قراري. بالكاد تمكنت من النهوض من الأرض وأنا متمسكة بيده.
– «سأتبعك.»
نواه سيظل آمنًا. ليس رجلًا عاديًا.
يجب أن أرحل بسرعة. إذا اكتشف أحدهم علاقتي الخاصة به، قد يُوسمني بالجاسوس ويُقتل. إذا اتبعت الموقف كهدف مطيع، فالمهمة اكتملت، وبصفتي عدوًا، لا أرغب في خوض قتال غير ضروري. لذلك…
– «ابقِ هنا. لا تريدين العودة.»
أمسكني شعور بلا شكل عن حينه، منعني من اتباع إقناعات العقل. شعور الفراغ كان أشبه بالشوق لشخص ما ليأتي ويمسكني. أردت أن أعرف. أردت أن أفهم سبب لطفه معي، وما هو هذا الشعور الذي لم أفهمه بعد.
كلمات نواه الغامضة ترددت بداخلي، كاشفة عن معناها الحقيقي تدريجيًا. بدا وكأنه يعلم كل شيء: وضعي، المرتزقة الذين سيرسلون لقتلي، ووصول المقدم لإنقاذي. ربما لهذا السبب وضع الحراس في القصر، وأقام احتفال البلوغ وحفل الخطوبة الكبير، واستدعى جنود فروغن.
– «لا أستطيع أن أموت.»
إذا عدت إلى بلفورد، سأموت. ربما ليس فورًا، لكن يومًا ما. لكن في هذا الوضع، أقرب شيء للموت هو نواه. مهما كان لطفه تجاهي، حتى لو تطوع لقيادتي نحو الهاوية، لا أريد أن أراه يموت. رغم أن هذا شعوري الشخصي، كان غريبًا وغير مألوف. نظرت إلى المقدم الذي كان يسحب يدي برفق وكأنه يحثني على المغادرة.
– «المقدم، هل تعرف لماذا لم يأتِ والدي إليّ؟»
– «سمعت أن عملية إنقاذ سابقة حاولت لكن فشلت.»
ظننت أنني سأموت هنا، أبي. نجوت طويلاً، فأرسل المرتزقة. لكن إذا كنت ستنقذني على أي حال… صمت عن الكلمات التي كنت أحملها في قلبي، ولاحظت لمحة من الحيرة والتردد تومض في عينيه الزرقاوين. لابد أنه شعر بالفرق بين مظهري وملابسي عما كنت عليه عندما عشت هناك. سألت مرة أخرى:
– «قلت أنك ستنقذني، أليس كذلك؟»
– «نعم. هدفي هو إنقاذك.»
كان ردًا مبتذلًا، مستندًا إلى معتقدات ومبادئ البطل الصالح في الرواية الأصلية. من الظاهر، كنت مخطوفة.
– «الآن بعد انتهاء العملية، انسحب الجنود أولًا. إلا إذا أردت الموت معنا.»
بدت على المقدم الحيرة من صوتي المنخفض بشكل كبير.
– «عن ماذا تتحدثين؟»
– «أقول إنه لا حاجة لتقديم تضحيات غير ضرورية. هناك أكثر من مئة جندي من فروغن، ضباط، والشرطة العسكرية هنا الآن. الدوق علم بوصولك.»
ربما كان هدفه النهائي استخدامي لجذب نواه إلى فخ وقتله. عندما رأى وجهي اللامبالي، أومأ المقدم، رفع قبضته، وأشار إلى مكان ما.
– «أوقفت سيارتي عند الباب الخلفي. لنذهب بسرعة.»
نسيم الشتاء البارد داعب وجهي وهو يمر. سمعت صوت إطلاق نار بعيد. لم يبقَ سوى الحديقة البيضاء البكر، تتلاشى خلفي، صامتة.
– «نعم، فهمت.»
تبعت المقدم وركبت السيارة العسكرية المتوقفة بالقرب من الباب الخلفي. ما أن بدأت تشغيل المحرك واتجهت بالسيارة إلى طريق جانبي، أخرج المقدم جرابه ووضع يده الأخرى برفق على ظهري.
– «الآن يا آنسة ديانا، أميلي رأسك. جيش جروغن يتابعك.»
لم أخفض رأسي. بشكل غريب، شعرت بالارتياح. أدرت رأسي، ورأيت شخصًا يلمع من نافذة السيارة. فجأة، رأيت نواه واقفًا خارج الباب الحديدي الخلفي، يواجهني. كان بصري ضبابيًا، كما لو كنت في سحابة كثيفة. ومع ذلك، كانت رقائق الثلج المتساقطة على شعره الفضي واضحة بما يكفي لأراها. كان البندقية على كتفه، وطرف البرميل الحاد موجه نحوي، قريبًا من وجهه. تحت الفوهة، كانت شفتيه مغلقتين. خلفه، وقف اثنا عشر جنديًا من فروغن في صف، بنادقهم موجهة نحوي. ومع ذلك، لم أشعر بالخوف على الإطلاق. بالعكس، شعرت كأن منقذًا، يمسكني بعيدًا عن الجحيم. جلست مستقيمة وراقبته بهدوء.
التقيت بعينيه الزرقاوين الضبابيتين، الموجهتين نحوي. اتسعت عيناه عندما رآني في السيارة. اجتاحتني مشاعر لا حصر لها. هل سيعتبرني خائنة أم أسيرة؟ إذا قرر الأول، ماذا سيفعل؟ أمسكت بمعطف نواه الموضوع على كتفي بيد واحدة وابتسمت ابتسامة مرة نحوه. اللحظة التي نظرنا فيها لبعضنا كانت قصيرة، لكنها شعرت وكأن كل شيء توقف.
ربما كانت مقامرة. قد يظن أنني أهرب ويطلق النار عليّ. لا، هذا مجرد قلق. لا يريد موتي أو إيذائي. لطالما عرفت ذلك عنه، لكني أنكرت ذلك. كنت خائفة أن أتأذى إذا وثقت به.
رأيت نواه يهبط بندقيته ببطء، ووجهه الخالي من التعبير جامد. عيناه الخاليتان والثابتتان مثبتتان عليّ. زوايا عينيه كانت مصبوغة بالاحمرار، مظهرة نظرة حزينة. تحركت شفتيه ببطء، كما لو يحاول نقل شيء وراء النافذة الشفافة التي تفصلنا.
– «ديانا…»
لحظة قصيرة، سمعت صوت العجلات تدور، ثم انطلقت السيارة مبتعدة، تبتعد أكثر فأكثر. لم أستطع فهم الكلمات التي حاول إيصالها تمامًا. لم يوجه بندقيته مرة أخرى أو يأمر الجنود بإطلاق النار. لم يمسكني، ولم يتبعني. بالكاد تمكنت من تحويل رأسي، عالقة في قبضة الحماقة.
المشاعر التي شعرت بها تجاه نواه كانت دائمًا معقدة ودقيقة. ما أظهره لي كان أشبه بالاحتكار، لكن مع إحساس مفاجئ بالمسؤولية. عند التفكير الآن، أدركت أنه أراد أن يمنحني ما كان لدى سيلين، ما كانت تتمتع به. كأنه يحاول تعويضي عن حياتي التي لم تُحب ولم تُقدّر، بخلاف أختي التي كانت تُسمى أميرة. هل كانت النتيجة أنه سينقذني، ويصبح حبيبي، ويتزوجني؟ لماذا أنا، من بين الجميع؟
بدلًا من أن أشك فيه لأنني لا أعرف سبب لطفه، كان يجب عليّ أن أسأله بدقة إذا كان يقصد حقًا عندما قال إنه يحبني. تمامًا كما كان يحاول التأكد مني، أردت أن أعرف أيضًا.
لا، سأخبرك بالحقيقة. أحببت هذا المكان، ولا أريد العودة.
هذا كان مصدر الحماقة.
بدأت بقية قوات بلفورد وفروغن بالاشتباك، وترددت صرخات بعيدة مخيفة وأصوات إطلاق نار صاخبة عبر الجبل. كانت واضحة جدًا ومؤثرة، كأنها تأتي من جواري مباشرة.
جلست على مقعد الراكب، غطيت أذني، وانحنيت ودفنت رأسي في ركبتي.
أطلقت صرخة صامتة، شعرت كأنني أغرق. لم أختبر الحرب من قبل. الحرب مروعة جدًا. أكرهها.
لن أرى ذلك الفتى الوسيم مرة أخرى. هل سأراه بعد الحرب؟
لم أبكِ. كان يجب أن أنظر خلفي مرة واحدة على الأقل، لكنني لم أفعل. كان وداعًا هادئًا، مثل مقدمة أغنية وداع تعزفها أوركسترا.
تسارعت السيارة، مجتازة ظلام الطريق المغطى بالثلوج. دفء لمستي الأولى له، وآخر مرة رأيته فيها، كانا محفورين بوضوح في ذهني، قبل أن يتلاشى في ليل الشتاء الهادئ. الأشخاص الوحيدون الذين كانوا طيبين معي، والروتين الأكثر راحة منذ قدومي إلى هذا العالم، ابتعدوا تدريجيًا.
الناجيان الوحيدان من عملية الإنقاذ في يوم عيد الميلاد كانا المقدم غروينيندال وأنا. السيارة التي كنا فيها لم تمسها أي رصاصة.
عبَرنا الحدود بأمان ووصلنا إلى بلفورد. كانت الشمس تبدأ في الشروق، مبددة ضوء الفجر البارد والثقيل. كان هناك عبير خفيف للبحر في الهواء، كأننا نقترب من المدينة التي يقع فيها المقر الرئيسي للبحرية.
– «شكرًا لإنقاذي.»
جلست في السيارة وانحنيت للمقدم. كان عليّ التظاهر بأنني بخير، فقد يمكن سجني أو إعدامي كجاسوس للعدو.
– «آنسة كلير. المعاملة هناك كانت…»
مسح المقدم بعينيه الزرقاوين الملابس الفاخرة والمجوهرات والأحذية التي أرتديها، ثم توقف عند معطف الرجل الموضوع على كتفيّ. لابد أنه ظن أنني آكل جيدًا الآن، بعد أن كنت امرأة مهملة، أرتدي ملابس فاخرة وأبدو جيدة.
– «لنذهب إلى قصري أولًا.»
استدار المقدم بالسيارة وتوجه إلى قصره. بعد وصولنا، وتغيير الملابس، والجلوس ساكنة في غرفتي، دخل المقدم بعد طرق الباب.
هو، الذي عادة ما يكون تعبيره حادًا، حاول أن يبدو لطيفًا، كأنه يطمئن طفلًا.
– «أفهم ما فعلته هناك. كان عليك البقاء على قيد الحياة أولًا. كوني حذرة، سيكون الأمر محرجًا إذا انكشف.»
لم أستطع حتى أن أجد القوة لتقديم أعذار، فقط تنهدت بعمق. مثل السابق، كل شيء كان متعبًا وخاليًا من الحياة.
– «قد يكون ذلك الزي مضللًا، لذا سأجهز بعض الملابس الأكثر تواضعًا لك غدًا.»
– «حسنًا.»
لم يسأل المقدم أي أسئلة. ربما عرف من مظهري وردة فعلي أن نواه، الذي كان يوجه بندقيته، قد رآني ولم يأمر بإطلاق النار.
لم أكرهه. كان رجلاً خاطر بحياته للتسلل إلى أراضي العدو والقدوم لإنقاذي.
إنقاذ نفسي كان الخيار الحتمي والجواب الصحيح، كما يليق بالبطل الصالح في الرواية الأصلية. بالطبع، من منظوري الشخصي، كان الجواب الخاطئ.
التعليقات لهذا الفصل " 19"