كان يستيقظ باكرًا كل صباح، يذهب إلى فوجه أو مقر القيادة، ثم يعود مع حلول المساء، ولا يفوّت أبدًا زيارتي في غرفتي. لو كنا زوجين عاديين، لربما جاء لسبب مختلف، لكنه كان مختلفًا.
كان تواصلنا يقتصر على ما قد يحدث بين الأصدقاء: الحديث، أو لمس شعري أحيانًا.
هذه العلاقة المكبوتة والممتدة جعلتني شديدة الحساسية، إلى حدٍّ بدا لي نفاقًا.
حتى اللمسة البسيطة، الخالية من أي نية سوى اللطف، كانت تجعل قلبي يخفق بعنف، ويجعل جسدي يرتجف لا إراديًا. شعرت وكأنني زهرة ميموزا خجولة، ضئيلة الشأن.
وكالعادة، وفي الوقت نفسه، طُرق الباب.
دخل نوح الغرفة، وجلس على كرسيه كعادته. انحنى قليلًا إلى الأمام، وقرّب وجهه من وجهي بتعبيرٍ فاتر. راقبني بعينين متزنتين، مدروستين، وكأنني شخص مختلف اليوم عمّا كنت عليه بالأمس.
كانت عيناه، كلون السماء في يومٍ غائم، تلمعان بألوان خفية كلما اكتشف شيئًا لا يفهمه سواه. أغلقت الكتاب الذي كنت أقرأه، وأسندت ظهري إلى مسند السرير، وأدرت رأسي المتيبس نحوه.
«لماذا لم تعد تحكي لي القصص الخيالية هذه الأيام؟ أشعر بالفضول لمعرفة السبب.»
«حسنًا، المؤلف في إجازة.»
«لدي سؤال.»
«تفضلي.»
«الذئب اختطف الفتاة، لكنه لم يلتهمها فورًا. أليس هذا دليلًا على أنه لم يكن ينوي قتلها؟»
لو كان ينوي أكلها، لكان دخل بيتها وقتلها قبل أن يأتي الراعي الأسود لإنقاذها.
ضيّق نوح عينيه عند سؤالي، واقترب أكثر بينما كنت أجلس على السرير آكل البسكويت.
«نعم… أظن أنني سأؤجلها قليلًا.»
قال ذلك بصوته الخافت المعتاد، ثم أمسك بذقني بيدٍ واحدة. وبإبهامه مسح فتات البسكويت عن فمي. كانت بصمته، رغم خشونتها وقوتها، تمر بسلاسة فوق شفتيّ الرقيقتين، وتلامس زوايا فمي برفق.
ارتجفت من الدهشة عند اللمسة غير المتوقعة، وتقلص جسدي. ضحك ضحكة منخفضة.
«كنت أراقبها منذ وقت طويل لأن رائحتها لذيذة. من المؤسف أكلها فورًا. سأشعر بالأمر نفسه.»
ذلك الرجل الذي كان يومًا ما يتمايل بذيله بأناقة كثعلبٍ فضي، بدا الآن كذئبٍ مفترس يتوق للطعام.
«هل البسكويت لذيذ؟»
عند هذا السؤال اللطيف فقط، أدركت صوت تفتت البسكويت الذي لم أبتلعه بعد داخل فمي. نظرته الملحّة، وكأنها تحثني، أجبرتني على المضغ والبلع بسرعة.
«… نعم.»
هل طلب مني أن أبتلع بسرعة ليقبّلني؟
وجهه قريب جدًا. هل يجب أن أغمض عيني الآن؟
كيف يبدو وجهي الآن؟ هل احمرّ؟
عاجزة عن الحركة، ثبتت عيناي على أصابعه المطوية بعناية. كانت أفكاري تدور بجنون.
«نظّفي أسنانك واذهبي للنوم. سأغادر الآن.»
صوت نوح الهادئ أعاد أفكاري الهائجة إلى مكانها.
ابتسم بلطف، ثم نهض وغادر الغرفة. نظرت إلى الكرسي الفارغ الذي تركه خلفه، ومسحت وجهي كما لو كنت أغسله.
«أعتقد أنني مجنونة.»
حتى الكلمات والتصرفات التافهة تبدو وكأنها تحمل مئات المعاني والتخيلات، وهذا يعذبني. ذلك بسبب صوته الأجش وتعبيره الكسول.
وجوده وحده يجعلني أشعر بشيءٍ غريب. كأنني أنا وحدي من فسد وتعفّن.
فركت شفتيّ متذكرة الإحساس، ثم سقطت على السرير. كانت يداه ناعمتين وطويلتين، لكن أصابعه خشنة بعض الشيء ومتشققة… ربما لأنه جندي.
هززت رأسي بقوة، بينما امتلأت أفكاري بما قد أطلبه في يوم بلوغي بألوان خام تكاد تكون «ممنوعة».
«أفكار جيدة… أفكار جيدة… ألوان جيدة…»
كان من الصعب التفكير بأشياء بريئة فقط، لأنه رجل يفيض بالجاذبية.
إلى حدٍّ أن المخاوف الأساسية التي كانت تشغلني حتى الآن بدأت تتلاشى.
أخذت نفسًا عميقًا، هدأت أفكاري، ثم غفوت أخيرًا.
كان صباح ليلة عيد الميلاد.
حدقت في النافذة المتجمدة، وأنفث أنفاسي بصوت مسموع. حتى تحت أشعة الشمس الساطعة ونفَسي الدافئ، لم تظهر أي علامة على ذوبان الزجاج المتجمد على هيئة رقاقات ثلج.
إنه مكان قاسٍ البرودة. الهروب وبدء حياة جديدة مجرد حلم. يتراكم الثلج بكثافة حتى إن فتح الباب الأمامي يؤدي إلى انهيار جدار الثلج المتراكم طوال الليل. وحتى لو سرقت سيارة وهربت، فالأرجح أنك ستموت متجمدًا في العاصفة الثلجية.
في الحقيقة، أنا فقط أختلق الأعذار لعدم الهروب. لو عقدت العزم، فلا شيء يعجزني. كنت شاردة، ألمس برفق إكليل الزينة الخشبي المنحوت على شكل غزال والمعلّق على النافذة.
غدًا عيد ميلادي؟ بل إنه يقيم لي حفل بلوغ الرشد. لماذا يفعل كل هذا؟ هذا الاهتمام ثقيل ومبالغ فيه. إنه ليس عيد ميلادي أصلًا، ولست متأكدة حتى من تاريخ ميلادي. أليس هذا مجرد عيد ميلاد زائف؟ فجأة، تخيلت نوح وهو يبتسم لي ابتسامة مشرقة، ولمست جبيني بقلق.
«آه!»
لمسة مفاجئة على كتفي أفزعتني. صرخت وكأنني رأيت شبحًا. كان نوح، مرتديًا سترة فوق قميص عاجي اللون، يميل برأسه ببطء وينظر إليّ.
«هل تشعرين بالملل؟»
«لا.»
«هل تودين اللعب معي؟»
«ما زلت أستمتع.»
بدا عليه أنه لا يفهم ما الممتع في ذلك. ابتسم بخيبة خفيفة بينما كنت أتجنب النظر إليه وأجيب بإجابات قصيرة وجافة.
«أليس ممتعًا من دوني؟»
كلما تعاملت معه، ازددت ارتباكًا، فظننت أن من الأفضل أن يتركني وحدي الآن.
«لا.»
«اليوم ليلة عيد الميلاد. أهناك شيء تودين فعله؟»
«لا. هل تقترح أن نتراشق بالثلج؟»
أوه، يبدو أنني أخطأت بالكلام. رأيت عينيه الزرقاوين تلمعان بحماس، كقائدٍ تلقى تحديًا.
«اخرجي. سأريك المهارات التي اكتسبتها في معارك المدفعية.»
«لا أريد. كنت أمزح فقط.»
أسند نوح ذقنه على مرفقيه عند حافة النافذة، ونظر إليّ بنظرة عارفة. انضغط خده إلى جانب واحد، وكان ذلك لطيفًا نوعًا ما. سألني مرة أخرى وكأنه يقرأ أفكاري، بينما أنظر إليه بعناد.
«إذن، هل نصنع رجل ثلج؟»
«لا.»
«كنت أشعر بهذا منذ فترة، لكن أميرتي متقلبة حقًا.»
تنهد نوح تنهدًا خفيفًا، وعيناه المنخفضتان بدتا حزينتين. لماذا تلين قلوب الناس بهذه السهولة؟
«حسنًا… سأصنعه.»
عند إجابتي المترددة، اعتدل ظهر نوح وابتسم ابتسامة جميلة. كدت أرى تسعة ذيول تتمايل خلفه. ملفوفةً بإحكام في وشاح ومعطف وقفازات، خرجت إلى جحيم البرد القارس.
بينما كنت أترنح بالكاد، أسرع نوح وحملني، ثم وضعني في بقعة مشمسة.
بينما كنت أجمع الثلج لأصنع رأسًا، رأيت ثلاثة أو أربعة جنود يدحرجون كرات ثلج ضخمة من بعيد.
«النسب غير متناسقة. الرأس صغير جدًا.»
هز نوح رأسه وهو ينظر إلى كرة الثلج التي صنعتها بجهد، بحجم بطيخة. أشار بأصبعه الأنيق إلى مكان وضع الكرة العملاقة التي ستكون الجسد، وتمتم بهدوء:
«لقد عملت بجد.»
عن ماذا تتحدث؟ لم تلمس الثلج حتى!
«لماذا لا تفعل شيئًا؟»
«فعلت. أمرتهم بصنع الجذع.»
«عليك أن تصنعه بنفسك.»
«ألن تتلف ملابسك؟ من المهم أن يحافظ الرجل النبيل دائمًا على مظهر أنيق.»
يا إلهي…
«إذًا لماذا قلت إننا سنصنعه معًا؟ قل فقط إننا سنشاهد ما يصنعه مرؤوسوك.»
بينما كان يناقشهم بجدية، أسرع أحد الجنود وصنع رأسًا مناسبًا للجسد الضخم، ووضعه فوقه.
«هل هذا كافٍ؟»
«همم… إلى اليمين سنتيمتر واحد. نعم.»
ردّ نوح وهو يغمض إحدى عينيه، رافعًا قلمه وكأنه يقيس الزاوية. نظرت إليه متسائلة: ما الفرق؟ ناولني جزرة وزرًا.
«سأترك الوجه لك. هذه فرصة مهمة.»
«نعم…»
اقتربت من رجل الثلج، تاركةً خلفي تعبيره الجاد. كان طويلًا لدرجة أنني لم أستطع الوصول إليه. انحنى نوح أمامي، وأشار إليّ أن أركب على ظهره، ثم نظر إليّ بعينين حادتين.
«قلت إنها مهمة.»
«إذًا افعلها أنت!»
تمتمت وأنا أركب على ظهره، وأدخل الجزرة في وجه رجل الثلج. وضعت الأزرار وغصنًا للفم. ربّتّ على كتفه ليُنزلني، لكنه خطا بضع خطوات وهو لا يزال يحملني، محدقًا في رجل الثلج.
«الأنف مائل. والعينان غير متساويتين.»
«هل هذا مهم؟»
أنزلني ونظر إليّ بدهشة.
«كنت أحاول أن أصنعكِ. لذلك كان مهمًا.»
«لا يشبهني أبدًا…»
تنهد، وغطّى عينيه بكفه وكأنه مصدوم من لامبالاتي.
«انظري، لون الزر مثل لون عينيك. لم يكن لدي، فأخذته من معطفي. أعتز به.»
«نعم.»
أعاد وضع الجزرة وعدّل الأزرار قليلًا، ثم مسح يديه بمنديل ونظر برضا.
«أفضل بكثير. رجل الثلج ديانا.»
«لا أعرف ما الفرق، لكنه متقن، أليس كذلك؟»
«نعم. جميل، رجل الثلج ديانا.»
لو كان صغيرًا ولطيفًا لفهمت، لكنه صنعه ضخمًا كأنه سلاح نهائي، ويصر أنه أنا. نزعت قفازاتي المبتلة ونفخت على يديّ المحمرتين. ألبسني نوح قفازيه وقال:
«هذه أول مرة أصنعه منذ أن صنعته مع والدي وأنا صغير.»
«هذه أول مرة لي. لم أفعلها من قبل لأنني كنت أخاف أن تبرد يداي.»
«هناك الكثير من “الأول مرة”. حتى الكرات.»
«نعم.»
رفع نوح أنفه الحاد قليلًا، مرر يده في شعره الفضي اللامع، ثم استدار فجأة نحوي.
«إذًا افعلي كل شيء معي. للمرة الأولى.»
«لم أشترِ أرضًا أو أبع مبنى من قبل. هل ستفعل ذلك معي أيضًا؟»
«إن أردتِ.»
كم يجب أن يكون ثريًا ليجيب بهذه السهولة؟ أخذ مزحتي بجدية وبدأ يسألني عن نوع المبنى الذي أريده. هززت رأسي.
«كنت أمزح فقط.»
«نعم. سأفعل كل ما تريدينه. أخبريني بأي شيء لم تجرّبيه أو ترغبين بتجربته.»
لماذا تقبل المزحة فورًا؟ يا للخسارة.
«أمم… أتمنى أن أعيش حياة عادية فقط.»
«وما هي؟»
«مثل أي شخص عادي.»
«الزواج وإنجاب الأطفال؟ الجميع يفعل ذلك.»
اقترب وجهه الناعم الخالي من العيوب فجأة، فتراجعت بجذعي وومأت. لم يكن اقتراح الزواج المفاجئ هو المربك، بل مظهره. كيف يمكن لبشر أن يكون جلده ناعمًا هكذا؟ ولماذا يمتلك شعرًا زغبيًا ناعمًا على وجنتيه؟ بينما أحدق في بشرته الخزفية، تابع بصوت منخفض:
«يمكنك فعل ذلك معي أيضًا. لا حيلة لي، فقد تقرر الأمر بالفعل.»
«لكن… كم تعرف عني لتتحدث عن الزواج بهذه السرعة… ههه.»
«وهل يهم ذلك؟»
كان أهم من عيون رجل الثلج وأنفه وفمه. مهم، لكن… نسيت الأمر. لأن عيني نوح انحنتا بلطف، وظلال خفيفة سقطت تحتهما. تلك الابتسامة المميزة كانت تجعلني أنسى كيف أتنفس أحيانًا.
وفي تلك الليلة، صُدمت عندما سمعت الخبر المفاجئ من هذا الرجل المجنون.
التعليقات لهذا الفصل " 16"