الحيلة
دخل دوق باين القصر الإمبراطوري مسرعًا بعد أن استدعاه سيبيرهان.
كان الخدم والوصيفات يرتجفون رعبًا بعدما انتشرت أنباء عن أن غضب الإمبراطور قد بلغ أقاصي القصر.
شعر دوق باين بتوتر بالغ من أجواء القصر المريبة.الإحساس المخيف الذي يتسلل إليه الآن يشبه تمامًا ما شعر به يوم أُبيدت عائلة مركيز تارمينون.
لا أصدق… هل يمكن أن يتكرر ما حدث في ذلك اليوم؟
تمنى دوق باين أن لا تقع هذه المرة كارثة تمس عائلة تحمل الكنز الإلهي.
كان فقدان آل تارمينون خسارة كبيرة حتى لدوقية باين.
إذ إن قوة الكنز الإلهي التي تمتلكها دوقية باين هي قوة الماء،لكن أعراضها الجانبية تختلف عن تلك في دوقية نابارانت.
فعندما يستخدم أحد أفراد دوقية باين قوة الكنز الإلهي،إن لم يتلقَ علاجًا فوريًا من دم تارمينون، فإنه يشيخ بسرعة مذهلة.
ولهذا السبب حاول دوق باين بشتى الطرق منع إبادة عائلة تارمينون.
ما كان يجب أن أثق بكلام الإمبراطور…
لقد كانت دوقيتا باين ونابارانت هما من قبِل عرض العائلة الإمبراطورية،لكن ذلك العرض كان قيدًا حديديًا قيدهم جميعًا.
فقد كان سيبيرهان الماكر يحتفظ بأدلة تُدين كِلتا الدوقيتين،تشير بوضوح إلى أنهما من لفّق التهمة لعائلة تارمينون.
ولأن تلك الأدلة بيده، لم يكن بوسع دوق باين أن يتحرك بتهور.أما دوقية نابارانت، فقد تصرفت وكأنها نسيت كل شيء،
لكن كلما تجاوز سيبيرهان حدوده، كانت مشاعر الغضب تتفجر من أعماقه.
ومع وجود نقطة ضعف كهذه، لم يكن لدوق باين مفر.
“أعلِن قدومي.”
“مولاي، دوق باين يطلب الإذن بالمثول أمامكم.”
“أدخِلوه فورًا!”
كان سيبيرهان غير قادر على كبح جماح غضبه،وكان يفيض سخطًا كمن أصابه الجنون.
متى كانت آخر مرة رأيت فيها الإمبراطور غاضبًا بهذا الشكل؟
استعاد دوق باين ذكريات قديمة.
كان هذا هو نفس بريق الغضب الذي ملأ عيني سيبيرهان يوم أن رفض مركيز تارمينون عرض الإمبراطور الراحل عندما كان سيبيرهان لا يزال وليًا للعهد.
وتحت ذلك البريق القاتل في عينيه، انحنى دوق باين احترامًا.
“استدعيتني، مولاي.”
“هناك سؤال أود طرحه عليك، يا دوق باين.”
“تفضل، مولاي.”
“ما حدود تضحيتك في سبيل إمبراطورية هيبيروس؟”
“إن كان ذلك في سبيل الإمبراطورية، فسأضحي بحياتي دون تردد.”
“وماذا عن أجلي أنا؟”
اختار دوق باين كلماته بعناية.
فقد أدرك أن سيبيرهان يختبره الآن.
“بما أن جلالتكم تقودون هذه الإمبراطورية،
فبالطبع سأبذل حياتي لأجلكم.”
“هذا يعني أن المشكلة حُلّت.”
“أي مشكلة، مولاي؟”
“دوقة نابارانت رفضت استدعائي لها.”
صُدم دوق باين ولم يعرف بماذا يرد.
هل ما سمعه لتوه حقيقة؟فـتياريس التي يعرفها، كانت تكنّ أعظم احترام لدوقية نابارانت،ولا يمكن أن ترفض أمرًا من الإمبراطور نفسه.
“إنها الحقيقة. تقول إن صحتها لا تساعدها.”
“مولاي، إن كانت دوقة نابارانت قد قالت ذلك، فلا بد أن صحتها فعلاً لا تسمح.”
“لقد منحتها وقتًا كافيًا!”
“لكن يا مولاي، الجسد النسائي ضعيف بطبيعته، فرجاءً التمهّل…”
“سمعت أن وريث الدوقية التالية أيضًا أنثى.”
كلمات سيبيرهان المفاجئة جعلت دوق باين يبتلع أنفاسه.
“لا يمكننا أن نسمح بأن تستمر النساء في اعتلاء منصب دوق نابارانت.”
“مولاي، دوقة نابارانت من نسل العائلة النبيلة، وتحمل قوة الكنز الإلهي.لا يمكنكم تنحيتها بهذه البساطة.”
“ومن قال إنني سأعزلها؟إن مات من يحمل قوة الكنز، فإنها ستنتقل إلى شخص آخر، أليس كذلك؟”
في ذهن دوق باين، ظهر اسم شخصٍ بعينه.
ابن جيريميان غير الشرعي، الشاب الذي لم يبلغ بعد سن الرجولة الكاملة: “تريزيمون نابارانت”.
“لا يمكن… هل تفكرون في ذلك الابن غير الشرعي؟”
“إن كانت الدوقة الحالية تعصي أمري،
فلا يمكن أن تبقى جالسة على عرش الدوقية.”
أغمض دوق باين عينيه بمرارة.لقد انتهى الأمر أخيرًا هكذا، كما كان متوقعًا.
منذ إبادة عائلة تارمينو”، كان واضحًا أن سيبيرهان يريد التحكم في عائلات الكنز الإلهي.
وطالما أن سيبيرهان يحتفظ بالأدلة القاتلة ضد دوقية باين،فليس أمامه خيار.
“سأذعن لإرادتكم، مولاي.”
“جيد. إذًا، دعنا نستدعي تريزيمون.”
ابتسم سيبيرهان بسخرية،لكن دوق باين لم يستطع حتى النظر إلى وجهه،فحوّل عينيه بعيدًا.
…..
“الإمبراطور استدعى الابن غير الشرعي؟!”
“نعم، سيدي.”
بعد أن انكشف سره أمام هالبارت بأنه الوريث الحقيقي لعائلة نابارانت،قرر إسدانتي أن يُطلع نيرفين على الأمر أيضًا.
فهو واحد من الركائز الأساسية في قوته،
وكان من الضروري أن يعرف الحقيقة ليُحسن التصرف.
وتبيّن أن قراره كان صائبًا،إذ جاء نيرفين اليوم ليخبره عن تحرّكات سيبيرهان.
“ما العمل الآن؟”
لم يكن هناك وقت للتفكير.اقتراب سيبيرهان من تريزيمون يعني أنه ينوي وضعه على عرش الدوقية.
والطريقة الوحيدة لإزاحة تياريس من هذا العرش هي قتلها.
أي أن الإمبراطور ينوي إرسال قاتل.
قبض إسدانتي يده بإحكام،وقد تأكد مجددًا من مدى دناءة سيبيرهان.
“لم أظن أن الأمور ستصل إلى هذا الحد…”
“لا مجال للتردد. علينا أن نتحرك فورًا.”
ألحّ نيرفين،
وإسدانتي كان يدرك ذلك جيدًا.
كان أمامهم خياران لا ثالث لهما:
إما أن يمنعوا رسول سيبيرهان من الوصول إلى تريزيمون،أو يرسلوا من يقتله فورًا.
“أخبر المراقبين… ليقتلوه.”
“أمرك.”
“لا تسمح له بالفرار إطلاقًا.إن خرج من هناك ووصل إلى الإمبراطور، فذلك يعني إعلان الحرب.”
“سأضع ذلك نصب عيني.”
خرج نيرفين مسرعًا من القاعة.
كان بحاجة إلى من يسبق الجميع في إيصال الخبر،فركض نحو فرقة الفرسان.
وفي اللحظة ذاتها، كانت تياريس تتلقى نفس التقرير من كارلوس.
“الإمبراطور؟”
“نعم، سيدتي الدوقة.”
تسرّب جو مشحون بالقتل من إدوين، الذي كان يرافقها كحارس.
أشار له كارلوس بنظرة تحذيرية، لكن إدوين لم يفهمها.
“هل هناك من يراقبه الآن؟”
“رجال منظمة أومبريه لا يغفلون عنه لحظة.”
“إذن اقتلوه.”
“عفواً؟”
“قلت اقتلوه. لا حاجة لي بابن غير شرعي يهدد طفلتي.”
تردد كارلوس بالرد،لكن قرارها لم يتزعزع.
فقد كانت قد منحت ذلك الابن غير الشرعي، الذي يطمع في منصب الدوق، أكثر من ما يستحقه.
والسبب الوحيد الذي منعها من قتل تريزيمون حتى الآن،هو جيريميان.
كانت تعلم أن جيريميان يولي تريزيمون اهتمامًا خاصًا،ولذلك لم تكن قادرة على التدخل بشكل مباشر.
لكن الوضع الآن مختلف.
فالذي يُهدد الآن لم يكن هي،
بل إسدانتي، وابنتها العزيزة.
لا أحد سيغفر لمن يحاول المساس بـإيريس.
انعكس بريق قاتل في عيني تياريس الزرقاوين.
“مفهوم.”
“كارلوس.”
“نعم، سيدتي الدوقة.”
“اذهب بنفسك.”
لم تكن تياريس ترغب في منح تريزيمون أدنى فرصة للهرب.كانت تعرف أنه إن نجا من الموت،فسيهرع مباشرة إلى سيبيرهان.
“سأنفذ الأوامر.”
ولوّح لها بتحية انحناء رسمية.ومع مراقبتها لابتعاده،انتاب تياريس شعور غريب.
أمر مريب…
كان كارلوس صديقًا حميمًا لـجيريميان
وفارسًا مخلصًا لعائلة نابارانت.لو كان كذلك، فلا بد أنه يعلم أنها ليست الابنة الحقيقية لـجيريميان.
ومع ذلك، لم يتردد لحظة في تنفيذ أمرها.
هل يجهل الحقيقة؟
لكن علاقته بـجيريميان وثيقة جدًا.من المستحيل أن يكون لا يعلم.قررت تياريس أن تسأله عن الأمر عند عودته من المهمة.
“هل أذهب أنا بدلاً منه؟”
كان إدوين ينظر إليها بعينين تضجّان بالعدائية.
خرجت تياريس من أفكارها،
وهزّت رأسها نافية.
“لا حاجة لأن تتدخل أنت أيضًا.”
“لو تدخلت، قد تُحلّ الأمور بسرعة أكبر.”
“إن أردت التواصل مع والدي، انسَ الأمر.
هذا شأن داخلي لدوقية نابارانت.”
“لكنه شأن يخصّ الآنسة أيضًا.”
لم يعد ينادي إيريس بـالآنسة الصغيرة، بل الآنسة فقط،لكن تياريس لم تملك الوقت لتعنيفه.
فركت جبهتها المضطربة؛الإجهاد المتراكم بدأ يصيبها بالصداع.
“نعم، شأن يخصّ إيريس أيضًا.لهذا أرسلت ‘كارلوس’ بنفسي.”
“لكن القائد رجل شريف لا يُجيد الحِيَل!
دعيني أتولى الأمر!”
زفرَت تياريس تنهيدة ثقيلة،وهي تنظر إلى فارسها الوحيد الموثوق به…
عصبيّ ومندفع، ولا يتوقف عن الكلام.
“حتى لو أردت إرسال شخص آخر، فلن أتمكن.تريزيمون نصفه نبيل.من يقتل نبيلًا في هذا البلد يُعاقب بالإعدام.”
“لكن لو كان القاتل من النبلاء أيضًا؟
إرسال قاتل الآن سيبدو واضحًا للغاية.”
“… معك حق.”
لم تكن قد فكرت في العواقب حتى الآن،
فالحدث داهمها بسرعة.ولو مات تريزيمون فجأة في حادث مريب،فسيستغل سيبيرهان الموقف ليُحقق مع دوقية نابارانت.
أدركت تياريس فجأة أنها كانت على وشك الوقوع في فخّ الإمبراطور.
ووضعت يدها على صدرها تُحاول تهدئة اضطرابها.
“هل لديك خطة بديلة؟”
“إن كان نبيلًا، فلابد أنه يستخدم عربة أو جواد، أليس كذلك؟”
“تقصد أن تستخدم حيلتك تلك مجددًا؟”
“أخبرتك أنني ندمت على ما فعلت.”
إدوين كان قد اعترف لها بكل ما اقترفه في الماضي،وطلب منها الصفح فور وصولهما إلى قرية الحدود.ولذلك، استطا
ع أن يكسب ثقتها أكثر.
“حسنًا، سأوكل لك مهمة أيضًا.
تحرّك قبل أن ينطلق ‘كارلوس’.”
“سأنهي الأمر فورًا.”
وضع إدوين قبضته على صدره في تحية حماسية،فأومأت له تياريس برأسها بخفة.
ثم حوّلت بصرها إلى النافذة.
كانت الشمس الغاربة تصبغ السماء باللون القرمزي…
أحمرٌ كأنه دم.
التعليقات لهذا الفصل " 110"