لم يكن إسدانتي قادرًا على استيعاب الكلمات التي تُلقى عليه.
لم يتوقع أبدًا أن تتغير بهذا الشكل.كان يظن أن قلبها الضعيف سيتقبل اعترافه بالحب.
لكنه كان مخطئًا تمامًا.
هل كان ما فعلته بهذا السوء؟
لا يزال لا يفهم.لقد طلب من جيريميان أن يكذب، فقط لأنه أراد بقاء تياريس بجانبه.
كان يعتقد أنه إذا شرح الأمر لها، فستفهم كل شيء.
فهي صاحبة قلب واسع.
أدرك أنها صُدمت لدرجة تركت فيها دوقية نابارانت التي كانت تعتبرها عزيزة عليها،
لكنه ظن أن كل شيء سيُحل في النهاية.
فبينهما كانت إيريس،وكان وجودها أكثر أهمية من دوقية نابارانت،
ولذا كان يمكنه فهم قرارها بالرحيل.
لكن ما حدث الآن… لم يكن قادرًا على تقبّله.
“تياريس، أنا…”
“أنا متعبة، سأرتاح.”
لم تمنحه حتى فرصة للكلام، واستدارت لترحل.يده التي امتدت نحوها سقطت بلا قوة.
لم يكن إسدانتي يعرف ما الذي عليه فعله.
كانت هذه أول مرة يواجه فيها أمرًا كهذا.
أظهر مشاعره فتم رفضها، وصرخ بجسده أنه يحبها، لكن ما عاد عليه سوى التجاهل التام.
لم أكن أعلم أن هذا مؤلم بهذا الشكل.
تذكر فجأة كيف كان يتصرف معها في السابق.
هل كانت تشعر بهذا الألم أيضًا حينها؟
“قائد الفرسان، لديّ أمر عاجل يجب أن أبلغه لك.”
تكلم هالبارت بسرعة بينما إسدانتي لا يزال يحدق في باب غرفة الاستقبال التي غادرتها تياريس.
ولأن هالبارت لم يكن من النوع الذي يتحدث هكذا إلا لأمر مهم فعلًا،التفت إسدانتي إليه.
“وصل رسول من الإمبراطور، وقد بعثت له الدوقة برد.”
“ماذا كان في الرد؟”
“الإمبراطور أمرها بالحضور إلى القصر، لكنها رفضت.”
“… ماذا قلت؟”
“الدوقة رفضت أمر الإمبراطور.”
“هل يعقل هذا الكلام؟!”
كان سيبيرهان شخصًا مخيفًا.لم يكن بحاجة لبذل جهد لفرض رأيه في مجلس النبلاء، فقد كان يهيمن على الطبقة الأرستقراطية بأكملها.
لو أراد، لكان بإمكانه نشر شائعات مدمّرة عن دوقية نابارانت ولا أحد كان ليقدر على إيقافه.
كان بالفعل يعمل على نشر التوتر بين الناس،
ولو حول انتباهه إلى دوقية “نابارانت”، فقد تندلع أزمة خطيرة.
“وماذا بعد الرفض؟”
“لا أعلم. لكن يبدو أن لدى الدوقة خطة ما… لا أستطيع أن أخمن.”
دخل إسدانتي في تفكير عميق.لم تكن تياريس من النوع الذي يستفز سيبيرهان دون سبب.
لا بد أن لديها مبررًا قويًا، لكن لم يكن لديه الوقت الكافي لفهمه.فهي لا تتحدث معه أصلًا، فكيف له أن يسألها؟
“لقد لمحت محتوى الرسالة…”
“قراءة رسائل النبلاء جريمة كبيرة.”
“رأيتها قبل أن يُختم الظرف!”
تدخّل هالبارت بسرعة قبل أن يتهمه إسدانتي بشيء.
“كتبت أنها لا تستطيع دخول القصر بسبب حالتها الصحية.”
“قالت إنها ليست بخير؟”
“نعم.”
فجأة، تذكّر إسدانتي أن تياريس لم ترَ روبرت.
لم يكن هناك طبيب حقيقي في دوقية نابارانت،ولذا فإن الوحيد الذي يمكنه رعاية صحتها هو روبرت.
رغم أنه أرسل بعض الأعشاب الطبية لها عبر تاجر الأدوية،إلا أنه لم يكن متأكدًا ما إذا وصلت إليها.
قال سيشين إنه أوصلها،لكن لم يعرف إن كانت قد تناولتها فعلًا.
كان إدوين قد وجد الأعشاب في الكوخ وظن أنها نافعة فقدمها لها،لكن إسدانتي لم يكن يعلم هذا، فازداد قلقه.
وإن كانت تياريس مريضة فعلًا،فربما السفر بالعربة لوقت طويل أضر بها أكثر.
“استدعِ روبرت.”
“مفهوم.”
“أبلغه أن يأتي معي.”
“حسنًا.”
وما إن غادر هالبارت غرفة الاستقبال مسرعًا،
ظل إسدانتي وحيدًا يحدق في الباب.
ظل خيال تياريس وهي تدير ظهرها له محفورًا أمامه.
رفع يده، ثم قبضها بقوة.لكن لم يكن هناك ما يُمسك.
كل ما تبقى كان خواءً حارقًا داخل كفّه.
……..
حين دخل إدوين من البوابة الرئيسية لدوقية نابارانت،سمع همسات خدم القصر.
وعندما سمع أن سيشين قد عُزل من منصبه كمستشار وسُجن في المبنى الجانبي،أدرك على الفور أنه هو من أفشى مكانهم.
ذلك الحقير…!
تذكّر كيف أعطاه بعض اللحم بدافع الشفقة،
فصرّ على أسنانه.وأقسم أنه إن التقى به مجددًا في المبنى الجانبي، فسوف يطعن صدره بسيفه.
وجهه الذي علاه الغضب، كان يسير باتجاه مكتب تياريس.
رآه بعض الفرسان وحيّوه، لكنه لم يرد إلا بشكل مقتضب،ثم وقف أمام المكتب.
“سيدتي الدوقة، أنا إدوين.”
“ادخل.”
دخل وفتح الباب، لكنه فوجئ بالمشهد أمامه.
لم يكن هناك أي من تلك الأكوام من الوثائق التي اعتاد رؤيتها
بل كانت إيريس تضحك وتدور في المكان.
“إدي!”
قفزت الطفلة إليه ومدت ذراعيها.فرفعها إدوين بين ذراعيه ونظر نحو تياريس بعينين متسائلتين.
“ما هذا المكتب؟”
“تراه غريبًا؟”
“لم أستطع يومًا أن أتخيل دوقة لا تنهمك في الأوراق.”
“يا لك من لبق… تقول إنني كنت أعمل كثيرًا.”
“كنت قلقًا، لكنك تبدين أفضل.”
“من الجيد أنك ترى ذلك.”
أجابت تياريس بإيجاز، ثم حولت نظرها إلى الجانب،فرأى إدوين سوليت تقف قربها.
أومأ لها بتحية صامتة،وردّت سوليت بابتسامة مشرقة.
“سمعت أنك خدمتِ الدوقة بإخلاص.”
“لقد قمت فقط بما يجب عليّ كفارس.”
“أرغب في أن أعبّر عن امتناني نيابة عن خدم دوقية نابارانت.”
“لا حاجة لذلك. لا ينبغي توجيه الشكر لفارس أدى واجبه.”
لم يكن إدوين قادرًا على قبول شكر سوليت.
فهو لم يعد إلى هنا من أجل أن يتلقى كلمات الامتنان،بل عاد كي يكون مستعدًا في أي لحظة للهرب مع تياريس…
ومع الطفلة التي يحملها في حضنه الآن.
يوجين، الذي رآه بعد فترة طويلة، قال له إنه يحترم قرار تياريس.
وكان في وجهه فرحٌ خافت يعكس سعادته لأنه سيتمكن أخيرًا من كشف حقيقته لابنته.
ذلك جعل إدوين سعيدًا أيضًا،ولهذا كان عودته إلى دوقية نابارانت خفيفة الخطى.
فلو كانت تياريس مجبرة على البقاء هنا،
لكان قد حطم كل شيء وأخذها عنوة.
لا بد من تجنب المواجهة، نعم.
ليس لأنه يخشى مهارة إسدانتي،بل لأن عليه حماية تياريس مهما كان.فهو يحمل مسؤولية حماية ابنة من أنقذ حياته.
لكن عليه أن يفعل ذلك مع احترام رغبة تياريس إلى أقصى حد.
لا يمكنني أن أكون مثل ذلك الوغد.
اتخذ من إسدانتي درسًا وعبرة،وتحرك بحذر واكتسب ثقة تياريس.وكان هذا وحده كافيًا ليشعر إدوين بالرضا.
“إيريس، انزلي الآن.”
“أمي!”
ما إن لامست قدماها الأرض،حتى ركضت إيريس بخفة نحو تياريس.
ارتجّت الأخيرة قليلاً بسبب ثقل الصغيرة التي قفزت إلى أحضانها،لكن وجهها ظل مشرقًا.
كانت عيناها مقوستين مثل الهلال حتى اللحظة التي فُتح فيها باب المكتب ودخل إسدانتي.
“كنتِ هنا.”
“أبي!”
في فترة قصيرة، أصبحت إيريس وإسدانتي مقربين إلى حد ما.
فـإسدانتي كان يفيض حنانًا نحوها،
ولم يكن لدى إيريس سبب لكراهيته.
نظرت تياريس إلى الاثنَين المتشابهَين وتفكرت:
يقال إن الدم لا يُمكن إخفاؤه.
والآن بعد أن رأت الأمر بوضوح،لاحظت أن وجه إسدانتي يشبه كثيرًا وجه جيريميان الذي رأته في المبنى الجانبي.
لماذا لم يتمكن الناس من إدراك أنه ينتمي لعائلة نابارانت النبيلة؟
ربما بسبب الأحكام المسبقة.
من كان ليتخيّل أن القائد العسكري المنحدر من عامة الشعب،والذي نال لقبه النبيل بجهده،
هو في الحقيقة وريث الكنز الإلهي الشرعي؟
حتى تياريس لم تصدّق ذلك حين أخبرها،
فكيف بالآخرين؟
“لماذا تنظرين إليّ هكذا؟”
ربما لأنه أحس بنظراتها على خده،
سألها إسدانتي.
“لأنك تشبه إيريس كثيرًا.”
“قولٌ بديهي، أليس كذلك؟”
أجاب إسدانتي بتعبير يفخر فيه بشدة لتشبيهه بابنته،فلم تستطع تياريس إلا أن تضحك بسخرية خفيفة.
كانت تتساءل إن كان هو نفس الرجل البارد الذي لم يرفّ له جفن عندما فقدا طفلهما الأول.
لم تكن تعرف أن إسدانتي يحب الأطفال بهذا القدر.لو كانت تعلم… لو أنها كانت تعرف حينها…
توقفي عن التفكير الفارغ!
حاولت أن تمحو الأفكار التي بدأت تلتف في رأسها،وقبضت على يدها بإحكام.
لاحظ إسدانتي ذلك، لكنه لم يُظهر ردّ فعل.سادت لحظة من الصمت بينهما،
فشعرت إيريس بالجو الثقيل،
وبدأت تثرثر بكلمات طفولية خفيفة.
وكان إسدانتي يرد على كل سؤال من أسئلتها،
مما جعل تياريس تنصت إلى صوته بصمت.
كان إدوين واقفًا بجوا
رهم بتعبير لا يخفي امتعاضه،لكن لم يعره أحد أي اهتمام.
كان ذلك بعد ظهر يوم هادئ يمضي بسكون.
لدرجة أن تياريس نسيت تمامًا أنها كانت قد أرسلت رسالة إلى سيبيرهان.
ولم تكن تعلم أن سيبيرهان، بعد أن تلقى رسالتها،مزّقها غاضبًا وبدأ يصرخ بصوتٍ مجنون.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 109"