أغمض إسدانتي عينيه بقوة ثم فتحهما عند سماعه كلام تياريس. كانت تغيراتها تسعده وتقلقه في آن واحد.
كلماتها التي كانت توجهها نحو جيريميان وكأنها سيوف مصوبة نحوه هو شخصيًا.
أخذ إسدانتي يسترجع الذكريات ببطء. لقد ارتكب أخطاء كثيرة للغاية.
حتى مع علمه أن تياريس كانت ضحية، فقد أصرّ عليها بأن تتحمل المسؤولية،وعلى الرغم من أنها لم ترغب بأن تصبح دوقة، فقد اعتقد أنه من الطبيعي أن تتحمل غضبه لأنه فقد مكانه لصالحها،
وطلبه من جيريميان أن يخفي الحقيقة عنها… كل شيء كان خطأه.
نظر إسدانتي إلى تياريس وجيريميان بعينين غارقتين في السكون.
“أنتِ… كيف تجرؤين!”
“كلمة تجرؤين… لم أسمعها منذ زمن طويل. لم يعد أحد يستخدمها ضدي. آه، ربما سُمعَت مرة مؤخرًا، من يدري.”
تحركت عيناها الزرقاوان ببطء نحو إسدانتي، لكنه لم يشيح ببصره عنها.
عندما رأته يفعل ذلك، التوت شفتا تياريس بابتسامة ساخرة آسرة.
“إذا لم ترد رؤية دوقية نابارانت، التي تحرص عليها بشدة، تنهار أمامك، فابقَ مكانك.”
“أنتِ لا يحق لكِ فعل هذا! أنتِ…!”
“بسبب أنني من نسل الخونة؟ وماذا عن دوقية نابارانت؟ ألم يخفوني عن قصد مع علمهم بذلك؟”
“أنتِ… أنتِ… يا وقحة!”
ارتفعت يد جيريميان، وأراد إسدانتي أن يمسك بها، لكن تياريس كانت أسرع.دوّى صوت صفعة في الهواء، ودار وجه جيريميان على إثرها.
ورغم احمرار راحة يدها، لم تتغير ملامح تياريس ولم تكتفِ، بل فتحت فمها بالكلام.
حتى إسدانتي التفت إليها من وقع المفاجأة، بينما جيريميان فتح عينيه على وسعه وهو يحدق بها.
“أتمدّ يدك على من ربّيتها بنفسك؟”
“من كبلني ورباني في دوقية نابارانت هو أنت، وما أكثر ما تتكلم!”
“أتعتقدين أنني سأبقى صامتًا؟ ليس أنتِ فقط، بل حتى طفلتكِ تنتمي لدم تارمينون، سأتوجه فورًا لجلالة الإمبراطور وأبلغه…!”
“تلك الطفلة… هي ابنة إسدانتي أيضًا.”
كان الصوت باردًا كالصقيع، وموجّهًا إلى جيريميان.
في اللحظة التي خرجت فيها كلمة “الطفلة” من فمه، لم يعد إسدانتي يخفي نية القتل في عينيه.
كان مستعدًا لأن يقتل جيريميان في أي لحظة.
رؤية ذلك، جعل تياريس تدرك أنه لا حاجة بها للتدخل.
“حتى الحيوان يذود عن صغاره باستماتة…”
رغم أنها لم تكن تنوي أن تبقي جيريميان دون عقاب، إلا أن إسدانتي تدخل، فلم يكن هناك داعٍ بعد للكشف عن أوراقها المخفية.
“لذا، فهي أيضًا من سلالة نابارانت التي تحرص عليها بشدة.”
لم تتلقَ تياريس أي حنان منذ أن كانت في السابعة من عمرها.
ذلك الحنان كان موجهًا فقط إلى إسدانتي وإيريس.
هما فقط من ينتميان بحق إلى سلالة نابارانت، ومن يملكان حق خلافة القوة الروحية.
أما تياريس تارمينون، فلم تكن واحدة منهم.
“ابقَ هناك صامتًا في ركنك. طالما فعلت ذلك، فلن أسرع إلى القصر الإمبراطوري.”
نظرت نظرة خاطفة إلى خد جيريميان الذي بدأ في التورم، ثم خرجت من الغرفة.
حينها، توجه جيريميان بنظره الغاضب إلى إسدانتي وصرخ:
“وأنت! هل ستقف مكتوف اليدين أمام تصرفات كهذه؟!”
“الشخص الذي يقوم بهذه التصرفات الآن هو دوق دوقية نابارانت. وهذا ما جنته يداك.”
“كان يجب أن تنزعها من هذا المنصب!”
“وكيف كنت ستفعل ذلك؟”
سأل إسدانتي بحدة جيريميان الذي لم يكن قد استوعب الموقف بعد.
ورغم لهجة إسدانتي الحادة، تابع جيريميان حديثه بلا تردد:
“اسجنها! أو اكشف الحقيقة!”
“هذه هي المرأة التي عاشت حياتها كلها مسجونة داخل دوقية نابارانت.أتأمر بسجنها مجددًا؟ كيف تسجن من هي بالفعل سجينة؟!”
لم يرغب إسدانتي في مجاراة دلال جيريميان الطفولي أكثر من هذا.
فقال بنبرة هادئة:
“لو كُشفت الحقيقة، فلن تبقى دوقية نابارانت على قيد الحياة. أنت تعلم جيدًا من هو جلالة الإمبراطور.”
“حتى ولو…!”
“يكفي!”
صرخ إسدانتي بحزم نحو جيريميان الذي فقد كل قوته وانحنى برأسه يائسًا.
“أنا لا أنوي أن أتخلى عن تياريس، ولا أن أكشف عن هويتها.”
“لكن الطفلة تحمل دم تارمينون!”
“وهي أيضًا تحمل دمي. إنها من نسل نابارانت الشرعي.”
ترك إسدانتي هذه الكلمات كتحذير أخير موجّه إلى جيريميان، ثم غادر المكان.
“ولا تفكر حتى في إيذاء ابنتي. لأنه حينها… لن يكون بإمكانك النجاة بحياتك.”
وعندما خرج، وجد هالبارت واقفًا بتعبير محرج، وكأنه لم يكن يعلم هل تبِع تياريس أم لا.
فتح فمه ليتحدث إلى إسدانتي، ثم أغلقه بتردد.
“ما الأمر؟”
“آه، اممم… القائد… هل أنتَ حقًا…”
“سواء كنتُ من نسل نابارانت أم لا، فهذا ليس هو المهم.”
“وإن لم يكن هذا أمرًا مهمًا… فما هو الأهم إذًا؟!”
“الأهم… أنني رُزقت بطفل. ويجب أن أتحرك لحمايته. وكذلك لحماية تياريس.”
كان “هالبارت” يرغب في قول شيء آخر، لكن ملامح إسدانتي الجادة جعلته يطبق شفتيه.
لأنه، مهما قال، فلن يكون ذلك عزاءً له.
“لقد مضى الأمر بالفعل. فقط احرص على ضبط الألسنة.”
“سأفعل، وأضعه في الحسبان.”
تقبّل هالبارت نية إسدانتي في عدم التفكير أكثر في تلك الحقيقة.
فحتى لو لم يكن من نسل نابارانت، كان إسدانتي لا يزال منقذ هالبارت وقائده.
سواء كان من دم نابارانت أو لا، فلم يكن ذلك مهمًّا.
فـإسدانتي أثبت جدارته بنفسه.
حتى دون قوة الكنز الإلهي، استطاع أن ينجو في ساحة المعركة.
فما الذي سيتغير بمجرد انكشاف أنه من نسل نابارانت؟ لا شيء.
فهو لا يزال قائد الحدود الخاضع لرقابة سيبيرهان.
وإذا ما عُرف أنه من أهل نابارانت، فقد يرسل سيبيرهان قاتلًا ليقتله على الفور.
“قد يبعث أحدهم لاغتياله في أي لحظة.”
سار إسدانتي وهو غارق في التفكير، يتبعه هالبارت في صمت.
أما سبب بقاء تياريس، دوقة “نابارانت”، على قيد الحياة حتى الآن،فهو أنها لم تكن تمثل تهديدًا لـسيبيرهان.
فقد مضى وقت قصير منذ أن تسلمت قوة الكنز الإلهي، كما أنها غابت عن الأنظار بحجة إنجاب طفل،فبقيت في مكان بعيد عن أنظار سيبيرهان.
لكن الآن وقد عادت إلى العاصمة مع الوريث، تغير الوضع.ظهر وريث حقيقي لعائلة نابارانت،وإذا ما انتقلت قوة الكنز الإلهي إلى الطفل، فالله وحده يعلم ما الذي سيفعله سيبيرهان بـتياريس.
“لو أثارت حتى أدنى انزعاج، قد يُزهق روحها.”
على عكس إسدانتي، لم تكن تياريس تمتلك قوة الكنز الإلهي.
ولذلك، كان مصممًا على حمايتها بكل ما أوتي من قوة.
لقد جلبها إلى العاصمة بدافع من أنانيته، لذا كان عليه أن يتحمل المسؤولية.أن يحميها، ويحمي طفلهما أيضًا.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي “
إسدانتي وهو يفكر في الطفلة.
رغم أنه ترك إيريس مع سوليت لأنه كان في عجلة من أمره، إلا أنه لم يشعر بالاطمئنان، فسرّع من خطاه.
كانت إيريس، التي تشبهه كثيرًا لدرجة أن من يراها لا يشك بأنها ابنته،تأسر عينيه بجمال ملامحها الصغيرة ويديها الصغيرتين الممدودتين نحوه،
وبابتسامتها اللطيفة التي تشبه تياريس، لم يكن يستطيع أن يبعد نظره عنها.
وبينما كان يفكر في إيريس، سار بسرعة.
أما تياريس، التي كانت قد وصلت بالفعل إلى القصر الرئيسي،فكانت تشرح لـإيريس ما حولها في القصر غرفةً تلو الأخرى.
“هذه غرفة الضيافة، صغيرتي.”
“غرفة ضيافة؟”
“نعم، هذا المكان نرحب فيه بالضيوف. وعندما تكبرين يا إيريس،ستتمكنين من استقبال الضيوف هنا.”
“عندما… أكبر؟”
“نعم، عندما تكبرين، يا صغيرتي.”
كانت إيريس، التي تضحك بابتسامة مشرقة موجهة نحو تياريس،وتحرّك شفتيها بكلمات بريئة، تبدو وكأنها ملاك هبط إلى الأرض.
وقف إسدانتي خارج غرفة الضيافة، ينظر إليهما،تلك الصورة كانت كمشهد من لوحة فنية رائعة.
هل يحق لي أن أتدخل في هذا المشهد؟
“تفكير سخيف.”
من إن لم يكن هو، والد إيريس، من يحق له أن يتدخل؟
حاول إسدانتي أن يجمع شتات نفسه.
لقد كان منذ قليل يرى تياريس وهي توجه إليه كلماتها الحادة،لكنه قرر أن يتحلى بالوقاحة.
فمنذ اللحظة التي قرر فيها إعادتها، بعد أن كانت قد هربت، كان مستعدًا لتحمّل كراهيتها.
كان يعلم أنه قد يُبغَض من قبل تياريس.
لقد رأى السعادة على وجهها وهي في كوخ على حدود المملكة، ولهذا تردد.ولكن لم يتغير شيء.
بل، رؤيته لها وهي تعيش سعيدة بعيدًا عنه جعلت قلبه يبرد.لم يرِد أن يرى تياريس سعيدة في مكان ليس فيه هو.
بدأت تظهر في قلبه أنانية.
أنانية تقول له إنه يريد أن يرى تياريس سعيدة… إلى جواره هو.
تلك الأنانية، التي ترسّبت في أعماق قلب إسدانتي،كبرت شيئًا فشيئًا حتى أوصلته إلى قرار إخراجها من كوخ الحدود.
سيبيرهان، وانشغاله، ومشاغل الدوقية…
كلها كانت مجرد أعذار.في الحقيقة، لم يكن يمتلك الشجاعة.
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 106"