قالت أبيلين وهي تشعر بالدهشة من الظهور المفاجئ لجارتها.
ابتسمت المرأة عند سماع رد أبيلين ومدّت يدها.
“أنا سعيدة بلقائكِ هكذا.”
صافحت أبيلين اليد التي مدّتها جوينا وحيّتها.
“أنا أدعى أبيلين. لقد انتقلتُ إلى هنا قبل أسبوعين. و… ظننتُ أنّ المنزل المجاور كان خاليًا.”
منذ انتقالها إلى المرسم الذي أعدّته سيلفيا، لم ترَ أحدًا يدخل أو يخرج من المنزل المجاور.
لذا، اعتقدت بطبيعة الحال أنّه منزل مهجور.
“لم يكن لي تواصل مع الجيران لذا تأخّرتُ في إلقاء التحيّة.”
“يمكننا أن نصبح صديقتين ببطء. أنا على العكس، لاحظتُ أنّكِ تختلفين عن الشخص الذي كنتُ أراه دائمًا، فخمنتُ أنّ هناك ساكنًا جديدًا قد انتقل، وكنتُ محقة.”
“هل كنتِ مقربة من الشخص الذي كان يعيش هنا سابقًا؟”
“نعم، كنا… نعرف بعضنا جيدًا.”
ارتسمت ابتسامة غامضة على ثغر جوينا.
“يبدو أنّكما كنتما مقربتين جدًا.”
“حسنًا، لقد زرتُ المنزل عدّة مرّات وما إلى ذلك.”
“إذًا فلا بدّ أنّكِ تشعرين ببعض الحزن، لعدم وجود جارة مقربة.”
“لا بأس. لاحظتُ غيابها منذ يومٍ ما، وإذ بصاحبةٍ جديدة تنتقل للمنزل.”
“ألم تخبركِ أنّها ستنتقل؟”
“نعم. اختفت كالريح. وأنا قلقة قليلاً ممّا إذا كان قد أصابها مكروه.”
“يا للهول…”
“أتساءل إن كانت قد طُردت من قِبَل صاحب المنزل.”
“مستحيل.”
بينما كانت أبيلين تجيب، تملّكها الفضول فجأة.
بدا أنّ هذا المنزل مملوك لسيلفيا، ولم تسمع عن المالك السابق سوى أنّه سيخلي المنزل قريبًا، ولم تسمع أيّ تفاصيل أخرى.
بما أنّه منزل ملحق به مرسم واسع، فقد خمّنت فقط أنّ المالك السابق ربما كان رسامًا أيضًا.
“لا بدّ أنّ هناك ظروفًا ما.”
هل يُعقل أن تكون سيلفيا قد طردت الساكن لتضعها مكانه؟ هزّت أبيلين رأسها معتبرةً ذلك أمرًا غير منطقي.
“نعم، هذا صحيح. فلكلّ شيء ظروفه…”
نظرت جوينا إلى المفتاح الذي بيدي أبيلين.
“إنّه يشبه المفتاح الذي كان يستخدمه المالك الذي عاش في هذا المنزل.”
“نعم.”
“تفضلي بالدخول أولاً.”
أومأت أبيلين برأسها محيّيةً إياها بعد إشارة جوينا، وهمّت بالدخول.
“أنا فضوليّة لرؤية كيف زيّنت الجارة الجديدة منزلها، متى ستسمحين لي بإلقاء نظرة؟”
التفتت أبيلين مندهشة من كلمات جوينا الملحقة. كان وجه جوينا يبدو هادئًا.
“المنزل؟”
“عليّ أن أزيّن منزلي أيضًا وأعيش فيه، لكنّني أشعر بالحيرة حيال كيفيّة القيام بذلك. ليس لديّ موهبة في هذا الجانب أبدًا.”
“آه، هذا…”
تردّدت أبيلين للحظة. رغم أنّها تعيش هنا، إلا أنّ المكان ليس ملكها، لذا كان عليها توخي الحذر الشديد في دعوة أيّ شخص.
تذكّرت أبيلين التحذيرات التي سمعتها من سيلفيا.
<هناك قاعدة واحدة فقط يجب اتباعها أثناء العيش في ذلك المنزل. يجب ألا تفعلي أيّ شيء يلطّخ سمعة الرسامة. أي لا أنشطة اجتماعيّة فوضويّة، ولا اقتراب من الكحول أو الأدوية الغريبة، ولا يسمح لـ ‘أيّ شخص’ بالدخول والخروج بما يسيء للمكان>
لم تكن تعرف ما إذا كانت زيارة الجارة تندرج تحت ذلك. لكن أبيلين أرادت توخي الحذر في تصرّفاتها قدر الإمكان.
بما أنّ هذا المكان هو الذي يأتي إليه فابيان لتلقي دروسه، كان عليها الامتناع عن التورط في أيّ أمور غير لائقة أو غير تربويّة.
“المنزل ليس مرتبًا بعد.”
“لقد مرّ أسبوعان على انتقالكِ؟”
“أنا كسولة جدًا. لم أنتهِ من ترتيب الأمتعة بعد، لذا أعتقد أنّه من الصعب استقبال الضيوف.”
“…….”
أضافت أبيلين بسرعة كلمات أخرى عندما رأت تعبير جوينا الذي بدا وكأنّ مشاعرها قد جُرحت بشكل غريب.
“لكن إذا دعوتِني أنتِ، سألبّي الدعوة في أيّ وقت. رغم بساطة الأمر، يمكنني خبز بعض الكعك ونتناوله معًا…”
“لا بأس. يبدو أنّكِ تترددين في إدخال شخص غريب إلى منزلكِ.”
“لا، ليس الأمر كذلك.”
نفت أبيلين بسرعة وهي تشعر بوخزة في ضميرها. لأنّ كلمات جوينا لم تكن خاطئة تمامًا.
بعد تعرّضها لتلك التجربة في بيت ضيافة عائلة روبنت، كان من الطبيعيّ أن يتولّد لديها حذر تجاه الغرباء.
“لقد فعلتُ ذلك لأنّني شعرتُ بالبهجة لظنّي أنّكِ رسامة.”
“كيف عرفتِ أنّني رسامة؟”
سألت أبيلين بتعجب.
“لأنّ يديكِ تبدوان كيديّ شخصٍ يرسم.”
توقفت نظرة جوينا عند يدي أبيلين.
“في الحقيقة، أنا أرسم أيضًا. لهذا عرفتُ ذلك. أنا آسفة إذا لم تكوني كذلك.”
“لا، أنتِ محقة.”
قالت أبيلين وهي تبتسم بدهشة.
“حقًّا؟ إذًا فإحساسي جيد.”
قالت جوينا ببهجة هي الأخرى.
“قومي برسم صورة لي لاحقًا.”
“سأفعل ذلك إذا سنحت الفرصة.”
ابتسمت جوينا بعمق عندما أومأت أبيلين برأسها موافقة.
“إذًا، سأدخل الآن.”
فتحت أبيلين الباب بالمفتاح ودخلت. لم تفارقها نظرات جوينا وهي تودّعها.
مرّت أبيلين بالردهة وصعدت مباشرة إلى الطابق الثاني حيث يقع المرسم.
فتحت الباب المجاور لغرفة النوم، فظهر أمامها مرسم واسع.
نظرت أبيلين إلى ذلك المشهد بنظرة مسحورة.
مرسمي الخاص.
لم تكن تحلم أبدًا بامتلاك مساحة كهذه في بريسين حيث أسعار المنازل باهظة.
لم تكن مجرد مساحة مهيّأة فحسب، بل كان كلّ شيءٍ متوفّرًا بداخلها.
كانت أدوات الرسم اللازمة موضوعة بأنواعها المختلفة.
كانت كلّها جديدة واشتُريت من متاجر أدوات فنيّة راقية.
لمست أبيلين تلك الأدوات وأطلقت تنهيدة صغيرة. وللحظة، خيّم الحزن على عينيها اللتين كانت تلمعان.
بعد انتهائها من لوحة إلغرينا الشخصيّة، كانت هذه فترة تفرّغ للعمل على مشاريعها الخاصّة.
لكن لسببٍ ما، لم تكن سرعة رسمها كما ينبغي.
كانت أبيلين تعرف السبب. تمنّت ألا تعرفه، لكن كان لزامًا عليها أن تعرفه بوضوح.
لقد بدأ تعذّر إمساك الفرشاة تحديدًا بعد سماعها خبر مغادرة كاليوس لبريسين.
“كم أنا حمقاء.”
ارتسمت ابتسامة فارغة على ثغر أبيلين وهي تحدّق في اللوحة القماشيّة الخالية.
حتى إنّها فكرت في أنّ شعورها هذا يشبه شعور مدمن كحولٍ يحاول الإقلاع عنه.
لم تستطع الإمساك بشيء، ولم يتحرّك قلبها لأيّ شيء.
لم يكن هناك ما ترغب في رسمه.
“…….”
لقد تهرّبت من سيلفيا بإجابات غامضة، لكن بما أنّه لا يوجد ما يجذبها لدرجة أسر قلبها، فقد قضت وقتها في هذا المرسم الرائع وهي تفكّر في أشياء أخرى.
<بالنسبة للفنان، كلّ ما يمرّ به ويسمعه ويراه يصبح غذاءً له. وأكبر تأثير من بينها هو مشاعر الحب تجاه شخص ما. فلا يوجد شيء يثري العمل الفني مثل ذلك>
كانت كلمات سيلفيا تتردد في أذنيها باستمرار.
<بالطبع، وعلى العكس تمامًا، قد يدمر الحب كلّ شيء أيضًا>
“لا.”
هزّت أبيلين رأسها لتطرد تلك الأفكار العبثيّة.
في الواقع، لم يكن الأمر أنّها لا تملك ما ترغب في رسمه.
“…….”
تقدّمت أبيلين نحو لوحة قماشيّة موضوعة في زاوية المرسم ومغطاة بقطعة قماش بيضاء.
هوش —
عندما رفعت الغطاء الأبيض، ظهرت خلفه لوحة لرجلٍ بدأت ملامحه تتضح.
شعر أسود وعينان حمراوان.
ذلك الوجه الذي لم يفارق خيالها أبدًا منذ اليوم الأول الذي رأته فيه.
* * *
بعد بضعة أيام، في صباحٍ باكر، حزمت أبيلين حقيبة سفرها وخرجت من باب المرسم.
كانت هناك عربة بانتظارها لتقلّها.
“أبيلين، يبدو أنّكِ ذاهبة إلى مكانٍ ما؟”
عندما اقتربت جوينا، استقبلتها أبيلين بابتسامة.
“أرى الحقيبة، يبدو أنّكِ ذاهبة إلى مكانٍ بعيد. هل هي رحلة؟”
“نعم.”
“يا إلهي، سيكون المنزل خاليًا طوال تلك الفترة إذًا. هل أحكمتِ إغلاق الأبواب جيدًا؟”
“بالطبع.”
ابتسمت أبيلين وهي تريها المفتاح.
لقد أغلقت جميع النوافذ وهزّتها عدّة مرّات للتأكد، وكررت سحب مقبض الباب بقوة قبل أن تغادر المنزل.
“إنه فصل جيد للسفر. بريسين حارّة جدًا… أتمنى لكِ رحلة سعيدة.”
“وأنتِ أيضًا يا جوينا. نلتقي… عندما أعود.”
فكرت أبيلين للحظة فيما إذا كان هذا الوداع مناسبًا لجارتها قبل أن تنطق بكلماتها.
“لا تقلقي. إذا حاول أحد دخول منزل أبيلين، سأمنعه بكلّ قوتي.”
انفجرت المرأتان بالضحك في الوقت نفسه.
حملت أبيلين حقيبتها وركبت العربة، بينما لوّحت لها جوينا بيدها.
“رغم أنّكِ سلبتِني ما يخصّني.”
بمجرّد رحيل العربة، تلاشت الابتسامة التي كانت على ثغر جوينا.
“…….”
التفتت ونظرت بحقد إلى باب المنزل الذي أحكمت أبيلين إغلاقه منذ قليل.
تشق —
فتحت حقيبتها التي كانت تحملها وأخرجت شيئًا ما.
كان مفتاحًا مطابقًا تمامًا للمفتاح الذي كانت تحمله أبيلين.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 103"