2
كان صوتًا رفيعًا لكنّه يحمل قوّةً.
وبالنّظر إلى اليدِ الأنيقةِ التي تمسك الكأس، خُمِّن أنّها امرأةٌ شابّة.
“اشربيه بينما تُدفّئين جسدَكِ.”
كان المطرُ ينهمر بهدوءٍ ويُبلِّل العالم.
استدارت أودري وبدأت ترتيبَ الكتب.
مرّ بعضُ الوقت، وساد صمتٌ خفيف.
التفتت أودري برأسِها.
كان المطرُ قد توقّف، وكانت الشّمسُ تُضيء الشّارع.
أكانت زَخّةً عابرة؟
وكأنّها انجذبت إلى الضّوء، اتّجهت أودري نحو النّافذة.
ما إن فتحتها حتّى اندفع هواءٌ نقيٌّ ومنعش.
كان الهواءُ الذي لامس بشرتَها ناعمًا.
وكانت أشعّةُ الشّمسِ الدّافئةُ، على غير عادةِ أواخرِ الخريف، باعثةً على الاطمئنان.
كان الأمرُ أشبه بالسّحر.
ومع الإحساسِ بالتحرّر الذي حمله الهواء، ارتسمت ابتسامةٌ خفيفةٌ على وجهِ أودري.
التفتت عند سماعِ صوتِ احتكاكٍ خفيف.
كان صاحبُ العباءة يضع كأسَ الشّاي.
اقتربت أودري منه.
“كان الشّاي لذيذًا. بفضلِكِ دَفِئَ جسدي أيضًا. أودّ أن أردّ الجميل.”
“ليس في الأمرِ ما يستدعي ذلك.”
ومع صوتٍ هادئ، مدّ صاحبُ العباءة يدَه.
وعندما اكتفت أودري بالنّظر، خرجت فجأةً يدٌ كانت مخفيّةً نصفَها داخل العباءة.
كانت يدَ امرأةٍ نحيلة.
أمسكت المرأةُ يدَ أودري أوّلًا، ثمّ رفعت رأسَها المنحني قليلًا.
وبفضل العباءة، ظلّت عيناها غيرَ مرئيّتَين.
انتقلت النّظرةُ التي كانت تتأمّل عيني أودري الذّهبيّتَين إلى كفِّ أودري البيضاءَ الخشنة.
وتبعت أودري تلك النّظرة، فنظرت إلى يدِها.
كانت يدُها الجافّةُ خشنةً ومشقّقة، لا جمالَ فيها.
رفعت رأسَها كأنّها تُشيح بوجهِها، وتوجّهت بنظرِها إلى المرأةِ الغريبة.
كانت تتساءل عن ملامحِ المرأةِ خلف العباءة، لكنّها لم تستطع رؤيتَها.
لم يكن ظاهرًا سوى شفتَين رقيقتَين مبتلّتَين بالدّفء.
وعندما لاحظت شامةً صغيرةً بجانبِهما، فكّرت أنّها مميّزة.
أخرجت المرأةُ شيئًا مِن صدرِها.
كان قلمًا.
وكان على غطاءِ القلمِ ذي اللّونِ العاجيّ نقشٌ فضّيٌّ فخم.
كان شيئًا لا ينسجم مع مظهرِها.
وكان أيضًا أجملَ شيءٍ تراه أودري في حياتِها لأوّلِ مرّة.
“هل يُمكنني استعارةُ ورقة؟”
نظرت أودري حولها، ثمّ أحضرت دفترًا كان فوق الطّاولة.
كان هديّةً مِن السيّد فينلي في الذّكرى السّنويّةِ الأولى لعملِها في المكتبة.
كان أثمنَ ما تملك.
ولم تكن راغبةً في إعارة دفترِها العزيز، لكنّ زبونًا آخر دخل في تلك اللّحظة، فلم يكن أمامَها خيار.
“تفضّلي.”
مدّت الدّفترَ المُجلَّد بالجلد، وهي تأمل أن يُستَخدَم بحذر.
أخذته المرأة وبدأت تكتب شيئًا في الصّفحةِ الأُولى.
“مرحبًا بكِ.”
قالت أودري وهي تتحرّك نحو الزّبونة.
كانت سيّدةً في منتصفِ العمر، تطلب كتابًا لتُهديه.
وعندما عادت أودري مِن المخزنِ الدّاخليّ بعد أن وجدت الكتاب، كانت المرأةُ ذات العباءة قد اختفت.
لم يبقَ سوى الدّفترِ الموضوع على الطّاولةِ الصّغيرة أمام الموقد، تقلّب صفحاته نسمةٌ خفيفة.
وبعد أن غادرت الزّبونة أيضًا، عاد الهدوء إلى المكتبة.
فتحت أودري الدّفتر.
كان هناكَ خطٌّ الجميلُ منسوجًا على الورق كالتّطريز.
* * *
طَخ. طَخ. تَحَطُّم.
كان يومًا تعصف فيه رياحٌ جافّة.
توقّفت خطواتُ أودري إكبون فجأةً أمام بيتِها بعد عودتِها مِن العمل.
تَحَطُّم.
خرج صوتٌ خشنٌ مختلطٌ بالشتائم عبر الباب.
هوى قلبُها فجأة.
“سئمتُ هذا البيتَ اللّعين.”
“…….”
“انظري إلى حالِ هذا المكان. أبهذا الشّكل أتمنّى العودة؟!”
“آه.”
ومن خلف الصّوتِ الأجشّ، سُمِع بكاءُ الأُختِ لينا المكبوت.
“اصمتي! هذه المرأةُ التي لا تفعلُ شيئًا سوى الأكل، ما الذي يجعلها تبكي؟!”
“يا عزيزي، أرجوك لا تفعل هذا.”
“اتركيني! ألَن تتركيني ؟ أيتها المرأة! بسببكِ أصبحت حياتي على هذا الحال! أهذا بيتٌ أم مشفى؟ مرضى في كلّ مكان، فكيف لي أن أرغب في القدوم؟!”
تَحَطُّم.
وعند صوتِ تحطّم الأواني، استعادت أودري وعيَها.
المُرهِقُ حقًّا نحن.
نحن مَن نتألّم ونعاني.
يأتي بين الحين والآخر ليُثير الفوضى ثمّ يرحل، فما الذي يدّعي أنّه مُرهِق؟
أصابها العجز أمام صورةِ والدِها الذي يتصرّف كأنّه الضّحيّةُ الكبرى.
وبشقّ الأنفس، حرّكت ساقَيها اللّتَين كانتا جامدتَين من البرد والتنَمل من الجمودِ، ثمّ استدارت.
مُهمِلٌ، سكّيرٌ، مقامرٌ، جبان.
كانت تلك الكلمات تصف ديلان إكبون.
رجلٌ يُثير الفوضى في البيت.
وكان كونُه والدَها أمرًا مُخجِلًا.
ركضت حتّى انقطع نفسُها بعيدًا.
لم تُرِد مواجهةَ شخصٍ وضيعٍ كهذا.
كان ديلان إكبون يُثير فيها السّخريةَ والخوفَ معًا.
ولم تكن أودري غريبةً عن تلقّي الضّربِ منه.
كانت تشعر بالذّنب تجاه أمّها وأُختها اللّتَين ستواجهانه، لكنّها أرادت الهرب إن استطاعت.
ولَمْ يهمّها إن وُصِفَت بالجبانةِ.
“هاه…”
توقّفت عن الرّكض وأخذت تلهث.
اخترق الهواءُ الباردُ رئتَيها كأنّه يمزّقهما.
كان الأمرُ مُرهِقًا، لكنّه مُنعشٌ أيضًا.
فعندما تكاد الرّئتان تنفجران، لا يبقى مجالٌ لأيِّ تفكير.
وكانت أودري تستمتعُ بتلك المعاناة.
وعند وصولِها إلى جدولٍ صغيرٍ قرب البيت، جلست على الأرض.
أسندت ذراعَيها على ركبتيها، ووضعت ذقنَها فوقهما.
نظرت إلى البعيد.
كان السّماءُ البعيدُ سـ تلوّن بالأرجوانيّ.
وبينما كانت تُحدّق في ذلك المشهد، أخرجت شيئًا مِن حقيبةٍ قماشيّةٍ قديمة.
كان دفترًا جلديًّا ناعمَ الملمس.
فتحته وقلّبت الصّفحةَ الأُولى.
قرأت العبارةَ القصيرة مرارًا.
وعاد الضّيقُ إلى صدرِها.
وفي النّهاية، انحبس بصرُها في الظّلام وهي تُحدّق في الجملةِ المكتوبةِ بأناقةٍ وفخامة.
ومر الوقتُ..
لا بدّ أنّه غادر الآن.
كان الرّجلُ الذي يُدعى والدًا يأتي نادرًا، يُثير الفوضى في البيت، ثمّ يرحل.
وكان دائمًا كذلك، وكأنّه يبحث عن شخصٍ يُفرّغ عليه غضبَه، فلا يُعرَف أين يقيم.
نهضت أودري بعد أن نفضت الغبارَ عن ثوبِها.
كان المكانُ الذي تعيش فيه قريةً صغيرةً بعيدةً جدًّا عن العاصمةِ الإمبراطوريّةِ روبِن.
وفي طرفِ تلك القرية، بعيدًا عن الأنظار، كان بيتٌ صغيرٌ منعزل، هو مأوى أودري وعائلتِها.
كان بيتًا متواضعًا أسفلَ تلٍّ منخفض، لا تصل إليه أنظارُ النّاس.
وعندما بلغت قِمّةَ التّلّ، رأت دخانًا أسودَ يتصاعد عاليًا.
امتلأت عيناها بالدّخانِ القاتم وهي تركض بلا وعي.
حبست أنفاسَها لحظة، ثمّ انطلقت تجري بجنون.
كان عددٌ مِن النّاس قد تجمّعوا حول البيت.
وكان بينهم أقربُ الجيران إلى بيتِها، الحدادُ السيّد سميث، وزوجتُه سارا.
كانا الجارين الوحيدين اللّذين يتبادلان مع عائلتِها السّؤال والاطمئنان.
“أمّي! أُختي!”
التفتت أنظارُ النّاس المنشغلين بحملِ دلاء الماء إليها.
“أودري! على الأقلّ أنتِ بخير!”
سمعت صوتَ سارا، لكنّ أودري لم تُصغِ.
اندفعت نحو البابِ الأماميّ.
وقبل أن تمسك المقبض، أوقفها أحدهم.
“لا! أودري، لا يجوز.”
أمسك السيّد سميث بجسدِها الصّغير الذي اندفع بلا تروٍّ.
“أمّي وأُختي في الدّاخل!”
صرخت أودري.
هل بقيت طويلًا عند الجدول؟
كانت النّيرانُ قد خفّت، لكنّها لم تنطفئ تمامًا.
وكانت الأجزاءُ المحترقةُ مهدّدةً بالانهيار في أيِّ لحظة.
“الأمرُ خطيرٌ جدًّا.”
حاول شخصٌ آخر إيقافَها.
“أمّي في الدّاخل!”
وأُختي التي لا تستطيع الصّراخ حتّى لو خافت.
“ومع ذلك، لا يمكن.”
“أمّي! أُختي!”
“قلتُ لا. إن دخلتِ ستموتين أنتِ أيضًا!”
“لا يهمّ.”
سال الدّمعُ مِن عيني أودري.
وكانت سارا التي تُمسك بها تبكي أيضًا.
“يجب أن تعيشي. مَن بقي حيًّا عليه أن يعيش.”
لماذا؟
لماذا تقولون ذلك؟
لماذا تتحدّثون وكأنّهم ماتوا بالفعل؟
“لا بدّ أنّهنّ ما زلن على قيدِ الحياة. إنّهنّ أحياءٌ!”
كانت أودري تصرخ حينها.
“البابُ الخلفيّ مفتوح!”
اندفعت نحو الصّوت.
كان الدّخان يتدفّق بلا توقّف مِن الأبواب والنّوافذ المفتوحة.
شقّت طريقَها عبر الدّخانِ الأسود إلى الدّاخل.
اخترق الدّخانُ الخانق أنفَها ورئتَيها.
وكانت النّيرانُ ما زالت متّقدةً في أماكن متفرّقة.
دخل معها السيّد سميث وعدّةُ رجال.
“أمّي! أُختي!”
كحّت بشدّة.
وبصعوبةٍ خرج صوتُها عبر الدّخان.
لكنّها لم تشعر بأيِّ استجابة.
“ليندا! لينا!”
“أُختي! إن كنتِ تسمعين صوتي، اضربي أيَّ شيء!”
كانت لينا، رغم إعاقتِها المكتسبة، لا تستطيع الكلام، لكنّها كانت تسمع قليلًا.
ومع ذلك، مهما أرهفت أودري سمعهاَ، لم يأتِ أيُّ ردّ.
لم يكن يُسمَع سوى صراخِ أودري لفترةٍ طويلة.
سامحيني يا أمّي.
أنا آسفةٌ جدًّا يا أُختي.
ربّما لأنّني فكّرتُ بتلك الأفكارِ السّيّئة.
أن أُغادِر البيت، وأن أطير بعيدًا وحدي بحريّة.
سواء مرّةً واحدة أو مئة مرّة، مجرّد التفكير في الهرب وتركِ عائلتِها جعلها شخصًا سيّئًا.
ولهذا حدث كلُّ هذا.
وكأنّ هذا المأساةَ وجدتَ لتُعاقب مذنبةً مثلَها.
كانت أودري تُعاتِب نفسَها بلا توقّف.
في ذلك اليوم، انهارت حياةُ أودري مع البيتِ المحترق وسطَ ألسنةِ اللّهب.
التعليقات لهذا الفصل " 2"