2
أستغفر الله العظيم واتوب اليه
⚠️لا تجعلوا قراءة الروايات تلهيكم عن الصلاة وعن ممارسة الشعائر الدينية😁
كان الشخص الوحيد المخوّل بفتح جميع أبواب القصر الإمبراطوري قد وصل في التوقيت المثالي. فقد نفّذت وصيفة ديان أمرها بسرعة أن تذهب فور وصول الدوقة الكبرى إلى الإمبراطور وتطلب مساعدته. ومع ظهور الإمبراطور كارل، تشوّه وجه ديان بحزنٍ واضح.
«جلالتك…»
كان صوتها واهيًا كأنما سيتلاشى. فتجهم وجه كارل على الفور. ذلك الوجه الجميل الذي يتجاوز حدود النوع، حين يتغير بسببها، كان مشهدًا مدهشًا في كل مرة. أن يستجيب الرجل الذي يملك كل شيء في هذا البلد لندائها، لملامح حزنها كان شعورًا مسكرًا دائمًا. نظر كارل بعينين حادتين إلى أخته إليزابيتا، وقد انعكس الاحمرار في عيني ديان الرقيقتين كأن صبغةً حمراء انسابت فيهما.
تنهدت إليزابيتا بمرارة وهزّت رأسها.
«أأنتَ تبحث عن عشيقتك وتترك شؤون الدولة؟»
أومأت ديان برأسها وهي تكبح دموعها.
«سمو الدوقة محقة. أنا… أبدو دومًا عائقًا في طريق جلالته.»
قطّب كارل جبينه كمن يكبح شيئًا، ثم قال ببرود قاطع موجّهًا حديثه إلى أخته:
«كفى.»
«…»
«لا تختبري صبري أكثر.»
«لن أحتاج لذلك. بعد حفل الزواج سأعود إلى إقطاعيتي.»
استدار الإمبراطور ببرود وغادر الغرفة. لحقت به ديان على الفور. بقيت إليزابيتا تحدّق في الباب المغلق، ثم جلست بقوة، يغلي صدرها كأنها ابتلعت حممًا. عادت كلمات ديان القديمة إلى ذهنها:
«جلالته شمس. وكلما اقترب المرء منه، نال ضوءًا أكثر. حتى وإن كنتِ أخته، أيمكنكِ أن تعاكسي مزاجه؟ أنا قمَره الوحيد.»
تكسّر ضوء الشمس على الجواهر أمامها. الإمبراطورة السابقة أنجبت وليًا مات قبل أن يبلغ عامًا. ولم تُنجب بعده ولدًا. فأنجب الإمبراطور السابق من وصيفة الإمبراطورة الأم طفلًا هو كارل أولريخ. شدّت إليزابيتا قبضتيها. لولا عدم وجود وريثٍ شرعي آخر، لما صار كارل إمبراطورًا. عيبه النسبي لم يضرّ بمكانته السياسية… لكنه ترك أثرًا آخر في داخله.
***
«جلالتك، يكفي الآن.»
كانت ديان تمرر أصابعها ببطء في شعر كارل، الذي كان مستلقيًا ورأسه على حجرها. أغمض عينيه، مستسلمًا لنعاسٍ دافئ. تأملته. جبينه، حاجباه، أنفه، شفاهه كل شيءٍ فيه مثالي.
«كارل أولريخ إِهْمُونت.»
حتى اسمه كامل. وهذا هو الأهم. تباطأت يدها حتى توقفت. فتح عينيه ليجدها تحدّق في الفراغ، عيناها الزرقاوان خاويتان، شفتاها الحمراوان مرتخيتان، أطراف عينيها محمرة.
«ديان.»
انتفضت واعتذرت:
«آه… عذرًا، جلالتك.»
انبثقت الدموع من عينيها بلا صوت.
«ماذا قالت الدوقة؟»
«ماذا لو كرهتني الإمبراطورة؟… ستبغضني.»
قال كارل بفتورٍ حاسم:
«الإمبراطورة لن تمسّك بسوء.»
«لا تتركني… لا تتركني، جلالتك. يكفيني أن تكون بجانبي.»
«لا تقولي ذلك.»
«حسنًا.»
ومع ذلك، تمتمت العبارة مرارًا كأنها تعويذة.
تم إعداد الزواج الإمبراطوري بإشراف ديان بواتييه. من فستان الإمبراطورة إلى تاجها، كل شيء مرّ بين يديها. هزّ النبلاء رؤوسهم، لكن أحدًا لم يجرؤ على الاعتراض. فالمرأة الوحيدة في الأسرة الإمبراطورية، إليزابيتا، كانت مطلقة وفي هذه الإمبراطورية لا يحق لمطلقة الإشراف على زواج. كما أن ديان لم تُظهر أي تقصير، فاكتفى الجميع بالمراقبة.
«قلبكِ قوي فعلًا.»
قالها أخوها، الكونت رينوكس بواتييه، بنبرة ساخرة. رمقت ديان إحدى الوصيفات.
«أراكِ للمرة الأولى. ارفعي رأسك.»
شعرٌ أشقر، وعينان زرقاوان أغمق قليلًا… ليست فائقة الجمال، لكن…
«اخرجن جميعًا.»
بعد خروج الوصيفات، قالت بحدة:
«قلتُ لك، لا أريد وصيفات بشعرٍ أشقر وعيونٍ زرقاء!»
«وهل سنستبعد نصف الإمبراطورية؟»
«افعل كما أقول.»
تنهد وأومأ. عادت تختار قماش بدلة زفاف كارل.
«هذا أفضل.»
«كيف تختارينها بهذه النفس؟»
«انتبه لكلامك أمام الوصيفات.»
ثم سألها:
«هل ستصمدين حين تصل الإمبراطورة؟»
«الإمبراطور يبدو كأنه لا يعيش دونك، لكنه لم يمنحكِ العرش. وحين تنجب وريثًا…»
كلماته كانت كالإبر. ردّت ببرود:
«الإمبراطورة لن تنال شيئًا منه.»
«ماذا تعنين؟»
«لديه نفورٌ شديد من كلمة “إمبراطورة”. أفهمت؟»
«لكن اللقب بحد ذاته قوة!»
ابتسمت.
«القوة الحقيقية تحت اسم الإمبراطور. ما دمتُ أحظى بحبه، لن يعلو أحد فوقي. حتى لو كانت دوقة ديسبوني. هو لا يجعلني إمبراطورة لأنه يحبني.»
«هراء.»
«أنت لا تفهم الرجال. الحب يبرد…»
«أعلم.»
«تعلمين؟»
«حب الأحياء يبرد. أما حب الموتى فلا يخبو. الموت يجعل الحب أبديًا.»
أخرجت قلادةً فيها صورة امرأة تشبهها أم كارل الراحلة.
«هو يرى أمه فيّ. كلمة إمبراطورة تُبعده. هل نسيتَ سوء العلاقة بينه وبين الإمبراطورة السابقة؟»
ثم أغلقت القلادة بابتسامة ناعمة.
«عشيقة تملك الحب والسلطة خير من إمبراطورة لا تملك سوى اللقب.»
بعد شهر تقريبًا، اصطفّ فرسانٌ بعباءات سوداء عند بوابة العاصمة. في مقدمتهم ليونيل فالدِير، وزير الدفاع وقائد الحرس، ذو الشعر الأسود الذي يلمع بزرقةٍ خفيفة وعينين آسرتين.
كان في استقبال الإمبراطورة المقبلة.
«ها هم قادمون!»
لوّح بزمام حصانه وتقدّم الفرسان. ارتجّت الأرض بحوافر الخيل.
داخل العربة، رفعت أديل نصف جسدها.
«كم تبقى؟»
«ساعة تقريبًا.»
«ساعة…»
أغلقت النافذة والستارة.
«سأبدّل ملابسي.»
توقفت العربة أخيرًا. طرْقٌ مهذب وصوتٌ عميق:
«هل تأذنين بفتح الباب؟»
فتحت أديل الباب بنفسها. أول ما رأته لونٌ أزرق غامض.
جميل…
تراجَع ليونيل قليلًا، وقد فوجئ. التقت عيناه بعينيها الذهبيتين المتألقتين حتى في الظل. أدرك أنه كان يحدّق بها بلا لياقة. مدّ يده، فوضعت يدها فوقها بخفة.
نزلت من العربة. هبّت ريح، فلامس شعرها الأسود خدّه. ومع اختفاء ثقل يدها من فوق يده، وجدها تقف أمامه، تحدّق فيه بثبات.
Sel
للدعم :
https://ko-fi.com/sel08
أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 2"