عندما توجهت أوفيليا إلى غرفة الضيوف في الطابق الأول، رأت العقيد هيسن جالسًا على الأريكة بوجه أشد قتامة مما كان عليه في الكاتدرائية.
كان يشبك يديه بقوة ويطلق تنهدات عميقة متتالية، وبدا للناظر وكأنه يغرق في ضيق لا يطاق.
وقفت أوفيليا عند عتبة الباب تراقبه.
لا بد أن العقيد قد أدرك الحقيقة بالفعل؛ حقيقة أن كريستين كانت تحاول إيذاء ابنه الصغير، ثيودور.
بدا وكأنه ممزق بين إنكار الحقيقة وبين ألم اكتشافها، ولا يدري كيف يتصرف.
عندما تحركت أوفيليا قليلاً، شعر بوجودها ونهض من مكانه فورًا.
“… سمو الأميرة.”
خطت أوفيليا وجلست في المقابل.
كان التوتر واضحًا حتى في فنجان الشاي الموضوع أمامه؛ فالماء كان راكدًا وباردًا تمامًا، مما يعني أنه انتظرها طويلاً دون أن يجد الهدوء الكافي ليرتشف رشفة واحدة.
“لم أكن أتوقع أن تأتي بهذه السرعة.”
رمش العقيد ببطء ثم أحنى رأسه بأسى: “أعتذر عن الإزعاج … لكن الدكتور جيمس استدعاني على انفراد وأخبرني؛ أخبرني أن الطفح الجلدي الذي أصاب ابني الصغير لم يكن رد فعل تحسسيًا.”
“… إذن.”
ضيقت أوفيليا حاجبيها قليلاً، فأكمل العقيد بصوت متهدج: “نعم. كنتُ أظن في البداية أنه أصيب بالحساسية بسبب الماكارون الذي أطعمته إياه المعلمة، ولكن إذا لم يكن الأمر كذلك …”
أطبق العقيد شفتيه بقوة قبل أن يكمل بصعوبة: “يبدو أن كريستين قد خدعتني وقامت برشوة الأطباء. فبمجرد ظهور الطفح، أشارت بأصابع الاتهام فورًا إلى ابنة البارون دييغو، وجزمت بأن السبب هو حساسية الخوخ.”
كان صوت العقيد هيسن هادئًا، لكن مرارة الخيبة كانت تتسرب من بين كلماته.
“أنا تربطني علاقة شخصية بالآنسة ليتيشا دييغو. وبعد طردها، جاءت إليّ وهي تحمل قطعة الماكارون التي قيل إن ابني أكلها، وتوسلت إليّ أن أنصفها وأظهر براءتها.”
راقبت أوفيليا العقيد وهو يمسح وجهه مرارًا بيده من شدة الإرهاق.
“لقد جربتُ ذلك الماكارون بنفسي، وأستطيع أن أضمن أنه لا علاقة له بحساسية الخوخ التي يعاني منها ابنك. وكما سمعتَ، فإن طفح ثيودور لم يكن بسبب الخوخ.”
“… سمو الأميرة.”
بدأ صوت العقيد يرتجف، كمن يحاول ابتلاع حقيقة يرفضها عقله.
“هل حقا… ابنتي… كريستين… هي من فعلت ذلك؟”
هز رأسه نافيًا بسرعة وقال بلهفة: “كلا، يا سمو الأميرة. أخبريني بصدق الآن، وتقديرًا مني لإرسالكِ الدكتور جيمس، سأغلق هذا الموضوع وأتستر عليه وكأن شيئًا لم يكن.”
رفعت أوفيليا نظرها إليه وسألته بهدوء وهي تستند بظهرها إلى الأريكة: “هل تلمح الآن إلى أنني حرضتُ الآنسة ليتيشا لتدبير هذا الأمر؟”
وتابعت ببرود: “بما أنني على صلة بها، فهل تعتقد أنني جعلتها تعمل معلمة لابنك لتؤذيه، ثم جعلت الأمر يبدو وكأنه من فعل كريستين لتوريطها؟”
“……”
“هل تعتقد حقًا أنني بحاجة لفعل كل ذلك؟ ما الفائدة التي ستعود عليّ من إيذاء طفل بريء أو توريط كريستين؟”
“أعلم أن سموّكِ … لستِ من هذا النوع من الأشخاص. ولكن …”
تردد العقيد في كلامه وبدا معذبًا: “كريستين تصرفت برعونة تجاه ابنة سموّكِ مؤخرًا … فظننتُ أن ربما … لهذا السبب …”
“العقيد هيسن. صحيح أنني على صلة بالآنسة ليتيشا، لكنها أصبحت معلمة لابنك قبل وقت طويل من قيام كريستين بنشر الشائعات حول فيرونيكا في صالون ليرميل.”
“……”
“رغم استيائي مما قالته عن ابنتي، إلا أنني لم أقضِ حياتي مهتمة بكريستين إلى هذا الحد.”
“إذن، إذن …”
تلاشى صوته ولم يستطع إكمال جملته.
لقد تحطم إيمانه بكريستين، وكان يبحث عن أي شخص يلقي عليه اللوم، ولو كانت أوفيليا، فقط ليصدق أن ابنته لم ترتكب مثل هذه الجريمة الشنيعة.
‘هل تريد تصديق ذلك بشدة لدرجة التمسك بصلتي الهشة بليتيشا؟’
خاطبته أوفيليا دون أن تظهر استياءها، فهي تدرك أنه لو كان يشك فيها حقًا لما جاء إليها أصلاً؛ لقد كان فقط يفرغ صدمته.
‘من الطبيعي ألا يصدق والدًا أن ابنته فعلت ذلك بمجرد سماع الكلمات، بل سيكون من الغريب لو قال ‘لقد فعلتها وسأعاقبها’ فورًا.’
في تلك اللحظة، طرقت سيندي الباب بحذر ودخلت.
“سيدتي، لقد أحضرتُ المرهم.”
“أعطني إياه وانصرفي.”
“أمركِ يا سيدتي.”
وضعت سيندي المرهم في كف أوفيليا وانسحبت.
“هل تعرف ما هذا؟” سألت أوفيليا العقيد.
نظر العقيد إلى المرهم وحرك فكه بصعوبة: “… إنه المرهم الذي كانت كريستين تضعه لثيودور كلما جُرح. كانت تقول إنه يسرع الشفاء ويمنع الالتهاب …”
بما أنه يعرف المرهم وقد رآها تضعه للطفل من قبل، لم يعد هناك داعٍ للشرح المطول.
قررت أوفيليا توضيح كيفية حصولها عليه بصدق: “لقد أخبرتني الآنسة ليتيشا وهي تشعر بالظلم الشديد أن هذا المرهم هو سبب الطفح الجلدي، لذا طلبت من خادمة كريستين سرقته وإحضاره.”
“……”
“فكر في الأمر؛ لقد كانت يائسة لدرجة المخاطرة بالسرقة لتثبت براءتها لي.”
مدت أوفيليا المرهم نحوه، فتناوله العقيد بيد مرتجفة وشمه. وعلى الفور، تقطب جبينه بعمق من الرائحة المرة التي فاحت حتى وصلت إلى أوفيليا.
“إنه نبات الديجيتال”
“… هل تعنين أن كريستين … كانت تضع له مرهمًا مصنوعًا من الديجيتال عمدًا؟”
“نعم. والديجيتال نبات خطير جدًا إذا وضع على بشرة طفل صغير.”
“لماذا… لماذا تفعل شيئًا كهذا…؟ ربما… ربما لم تكن كريستين تعلم…”
تعلثم العقيد وهو يضرب صدره بيديه محاولاً الإنكار للمرة الأخيرة.
قطعت أوفيليا حبل أفكاره بحزم: “عقيد هيسن.”
توقف أنفاس العقيد عندما أكملت: “كريستين ممرضة حربية.”
كانت الكلمات كخنجر غرس في صدره.
“هل تعتقد حقًا أن كريستين، بخبرتها الطبية، لم تكن تعلم خطورة ذلك؟”
صمت العقيد ولم يجد ما يدافع به. ارتخت قبضته ليسقط المرهم من يده ويتدحرج على السجادة.
ظل يحدق فيه بذهول، وكأنه الدليل الذي هدم كل ما كان يؤمن به.
لم تضطر أوفيليا لذكر حقيقة أنها تعرف أن ثيودور ابن غير شرعي، فقد ظهرت الحقيقة بالفعل، ولم ترغب في سحق كبريائه المنهار أكثر أو كشف سره الذي يحاول إخفاءه.
كان لها هدف واحد فقط: التأكد من أن كريستين لن تقترب من فيرونيكا مجددًا.
“أعتقد أنك تدرك الآن خطورة بقاء كريستين وثيودور في نفس المكان.”
قالت أوفيليا بنظرة باردة: “سيكون من الأفضل إرسال كريستين إلى ضيعة بعيدة عن العاصمة.”
ظلت عينا العقيد معلقتين بالمرهم الملقى على الأرض.
وفي تلك اللحظة، ارتفع صوت سيندي القلق من خلف الباب: “سيدتي، الدكتور جيمس يطلب مقابلة العقيد هيسن فورًا لأمر طارئ للغاية. ماذا أفعل؟”
“الدكتور جيمس؟”
استغربت أوفيليا قدومه وطلبه للعقيد بالتحديد.
‘هل تدهورت حالة ثيودور فجأة؟’
أومأت أوفيليا برأسها وقالت: “أدخله، العقيد هنا.”
انفتح الباب ودخل الدكتور جيمس مسرعًا، وكانت قطرات العرق تتصبب من جبينه وأنفاسه متسارعة ومضطربة.
‘لماذا يبدو مذعورًا هكذا؟’
شعرت أوفيليا بثقل الهواء في الغرفة وهي تراقبه. حيّا الدكتور جيمس أوفيليا بارتباك ثم نادى العقيد بوجه شاحب: “عقيد هيسن.”
“… ماذا هناك يا دكتور جيمس؟” ، التفت العقيد باستغراب.
عض الدكتور جيمس شفته وتردد كثيرًا قبل أن يخرج الكلمات: “قبل قليل… الصغير ثيودور…”
تقطع صوته مرارًا وهو يحاول التقاط أنفاسه، ونظر إلى العقيد بحذر.
“ماذا حدث؟ أخبرني!”
“… لقد تسربت سموم الديجيتال من الجلد إلى الداخل، مما أدى إلى تورم القصبة الهوائية وضيق حاد في التنفس، ثم أصيب بنوبة تشنج … و …”
“……”
“… لقد فارق الحياة.”
ساد صمت مطبق في غرفة الضيوف.
ارتجفت أكتاف العقيد هيسن بانهيار، وخرجت منه أنة ألم محطمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرواية كاملة بجروب التلي للفصل 116 ~ الرابط بالتعليقات
التعليقات لهذا الفصل " 63"