اصطبغ وجهها ببوادر غضب و كأنها على وشك الهجوم ، و بدت آثار أصابع خفيفة فوق وجنتها المحمرة.
لم تتراجع أوفيليا و لو لخطوة واحدة.
“استعيدي رُشدكِ يا روزالين”
سقط صوتها البارد كحد السيف.
“كيف تجرئين على إخبار أمي؟ أنتِ تعلمين كم تكره كونتيسة ويغون …!”
تلاحقت أنفاس روزالين التي فقدت صوابها بخشونة.
اندفعت الدماء إلى أطراف أصابعها فاشتعلت حرارة ، لكن نظرات أوفيليا كانت جامدة بما يكفي لإطفاء ذلك اللهيب في توه.
“إذن ، هل تنوين صبّ غضبكِ عليّ الآن؟ لأن السيدة الكبرى صفعتكِ ، هل تودين صفعي بدلاً منها؟”
أمالت رأسها قليلاً جدًا.
“بالمناسبة ، لقد حاولتِ رفع يدكِ عليّ في المرة السابقة أيضًا. هل تعلمين لماذا منعتكِ السيدة الكبرى حينها؟”
“……”
“ما يجب أن تضعيه في أولوياتكِ الآن يا روزالين هو تدارك هذا الموقف”
خمدت نظرات روزالين ذات العيون الحمراء و انطفأ بريقها.
لم تُفلت أوفيليا تلك اللحظة العابرة.
“أنتِ تعلمين ذلك جيدًا. هل تظنين حقًا أن السيدة الكبرى ستساعدكِ؟ هل ستساعد حفيد كونتيسة ويغون التي تمقتها بشدة؟”
ضيّقت عليها الخناق دون أن تترك لها ثغرة واحدة.
همست أوفيليا في أذن روزالين.
ترنح جسد روزالين و دفنت وجهها في كفيها.
تلك الهيبة التي بدت و كأنها تستعد للهجوم المضاد ، انكسرت و تلاشت تدريجيًا.
“مَن تعتقدين أنه يستطيع مساعدتكِ الآن؟”
“… مـ ، ماذا تعنين؟”
“الكونت غلين؟ أم الكونت الشاب ويغون؟”
“هو لا يلمسني حتى. إذا اكتشف أنني حامل ، فسيطلقني فورًا …”
مرّت رعشة فوق ظهر يد روزالين.
“لو كان أحدهما سيساعدكِ ، لما جئتِ إليّ و أنتِ تبكين”
عضت روزالين شفتها بقوة لدرجة أن الدماء كادت تنزف منها.
ظلّت روزالين لفترة طويلة غير قادرة على الكلام ، بينما كانت غصة حلقها تتحرك بوضوح.
جالت نظرات أوفيليا ببطء فوق روزالين من أعلى لأسفل.
“الكونت الشاب ويغون رُزق بابن في العام الماضي. هل هناك سبب يجعله يطلق زوجته الآن ليأوي طفل روزالين؟”
في وسط السكون ، كان صوت أنفاس روزالين فقط يتقطع بشكل غير منتظم.
تشابكت أصابعها لتعبر عن قلقها ، و ترنحت كاحلاها بضعف و كأنها على وشك التراجع للخلف.
اقتربت أوفيليا خطوة أخرى و رسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها.
“لذا … ألم تأتي إليّ باكية قبل قليل؟”
“زوجة أخي … أ ، أنا مخطئة …”
تلاشى صوت روزالين الذي فقد قوته منذ زمن ، و أصبح خافتًا كالهواء المتسرب.
“عودي إلى قصر الكونت أولاً. ولا تأتي أبدًا قبل أن أستدعيكِ. انتظري حتى يهدأ غضب الدوقة الكبرى”
“ماذا لو لم ، تغفر لي أمي …؟”
ارتطمت ركبتا روزالين بالأرض فجأة.
وضعت يديها على الأرضية الرخامية ، لكن حتى قوتهما خارت فانزلقتا.
جلست هكذا محنية الكتفين ، ثم انفجرت ببكاء أشد من ذي قبل.
كان الاستماع المستمر لهذا النحيب يزعج الأذن.
“إنها سلالتها في النهاية ، لا يمكن أن يحدث ذلك”
رفعت روزالين رأسها و هي تشهق.
“زوجة أخي ، شـ ، شكرًا جزيلاً لكِ …”
نظرت إليها أوفيليا بصمت لبرهة ، ثم أومأت برأسها برقة.
“انهضي بسرعة. لا يجوز للمرأة الحامل أن تجلس على أرضية باردة”
أشارت بأطراف أصابعها في الهواء ، كإيماءة خفيفة نحو رئيسة الخادمات التي كانت تقف بعيدًا.
أسرعت رئيسة الخادمات كما لو كانت تنتظر هذه الإشارة.
سندت روزالين و هي تنحني بخصرها ، و أحاطت يدها بذراعها بحذر.
استدارت أوفيليا بهدوء و مشت بعيدًا.
أصبح صوت ارتطام كعب حذائها بالرخام يتلاشى شيئًا فشيئًا.
تبادر إلى ذهن أوفيليا صورة كارولين التي لم تكن تنظر حتى إلى المولود الجديد.
الطفل الذي ستنجبه روزالين مستقبلًا ، سيرث العينين القرمزيتين لكونتيسة ويغون تمامًا.
بمجرد أن رأت كارولين هاتين العينين في السابق ، أصدرت أمرًا حازمًا: ‘لا أريد رؤية وجهه ، ألقوه في البحر’
لم تغفر كارولين لروزالين التي داست على كبريائها حتى النهاية.
* * *
في صباح اليوم التالي ، داخل غرفة الطعام—
راقبت أوفيليا فيرونيكا التي لم تكن تركز في طعامها ، بل كانت تتحرك بقلق و كأن لديها أمرًا عاجلاً.
ثم لاحظت قطع السلمون التي جمعتها الطفلة في جانب واحد من الطبق ، فسألتها بقلق: “فيرونيكا ، ألم يعجبكِ الطعام؟ هل أطلب منهم إحضاره مجددًا؟”
هزت ميريل ، التي كانت تقف بجانبها ، رأسها و هي تبتسم.
“ليس الأمر كذلك ، بل هي تريد أخذه للقطة”
“القطة؟”
“هناك قطة بيضاء تختبئ بين الشجيرات في ممر المشي. هي تذهب لرؤيتها في كل فرصة تتاح لها”
كان هذا هو السبب وراء استعجالها للعب. و كذلك تركها لقطع السلمون دون أكلها.
“أمي ، تعالي مع بيبي. سأعرفكِ على القطة!”
“هل نفعل ذلك؟”
أنهت أوفيليا طعامها على عجل و أمسكت بيد فيرونيكا الصغيرة و خرجتا من غرفة الطعام.
“مياو~ مياياياو”
كانت فيرونيكا تبحث بين الشجيرات و هي تحني رأسها للداخل.
“يا إلهي ، فيرونيكا. هل تقلدين القطة؟”
كانت تكرر المواء و كأنها تقلد القطة حقًا. كان ذلك المنظر محببًا لدرجة أن ابتسامة تسللت إلى شفتي أوفيليا.
بينما كانتا تكتمان أنفاسهما مع صوت حفيف أوراق الشجر—
ظهرت من بينها قطة بيضاء ذات فراء متشابك و متسخ.
و في اللحظة التي لمسها ضوء الشمس ، لمع ضوءان مختلفان في عينيها.
إحداهما بلون السماء الصافية ، و الأخرى بلون ذهبي عميق.
حبست فيرونيكا أنفاسها و مدت يدها ، فرمشت القطة بعينيها عدة مرات ثم اقتربت ببطء و مسحت رأسها بركبة الطفلة.
كانت تفوح رائحة العشب البري كلما لامس فراؤها الخشن طرف الفستان.
بعد فترة من المسح ، مدّت القطة طرفيها الأماميين و مطّت جسدها.
قوّست ظهرها ثم فردته و رفعت ذيلها برقة.
انطبعت آثار أقدام صغيرة فوق العشب ، و تطايرت أطراف الفراء الأبيض.
بعد أن انتهت من التمطي ، تثاءبت القطة بخفة ، ثم رفعت رأسها لتنظر إلى فيرونيكا.
‘من فصيلة الأنغورا التركية؟’
كانت فصيلة تُستورد عبر إمبراطورية ريدماس. و كان ثمنها باهظًا جدًا لذا كان النبلاء يستمتعون بتربيتها.
‘يبدو أنها تاهت و ظلت تتجول حتى وصلت إلى هنا. يبدو أنها لم تُفقد منذ فترة طويلة ، ولا بد أن صاحبها يبحث عنها’
رغم أن الفراء كان متشابكًا ، إلا أن أظافرها كانت مقلمة بعناية.
كما لم تكن تحذر من ملامسة البشر أبدًا.
بينما كانت القطة تمسح جسدها بفيرونيكا ، لمعت قلادة مرصعة باللؤلؤ حول عنقها.
“أمي ، هل يمكن لـبيبي أن تبقيها لديها حتى نجد صاحبها؟ بيبي يمكنها تسريح فرائها ، و تنويمها ، و القراءة لها أيضًا”
ترددت أوفيليا قلقًا من أن تخدش القطة فيرونيكا ، و لكن …
“… حسنًا”
عندما رأت فيرونيكا و هي تجمع يديها و تلمع عيناها ، وافقت في النهاية.
وضعت ميريل الطبق الذي أحضرت فيه قطع السلمون و ضحكت بخفة.
“يبدو أن سموّها تعلم. إنها تعلم أن سموّ الأميرة لن تستطيع الرفض إذا طلبتِ بتلك النظرات”
فجأة شعرت أوفيليا بنظرة من الخلف.
كانت كارولين تطل من الشرفة و تنظر إليها بحدة.
تلاقت أعينهما و كأنها تؤكد أنها كانت تراقبها بالفعل.
‘يبدو أن مزاجها أسوأ من المعتاد بسبب روزالين’
همست أوفيليا برقة لفيرونيكا لكي تصرفها: “صغيرتي ، هل تذهبين مع ميريل و تغسلين القطة؟”
“نـعم”
احتضنت فيرونيكا القطة بقوة و سبقتهما بخطواتها الصغيرة المتسارعة ، بينما كان الجسد ذو الفراء المتسخ يتحرك فوق ذراعي الطفلة التي ارتسمت على وجهها ابتسامة حماسية.
“تلك الفتاة تفتقر جدًا للحشمة و الوقار …”
نطقت كارولين بتلك الكلمات و هي تنظر لفيرونيكا باحتقار.
اطمأنت أوفيليا برؤية فيرونيكا و هي تدخل للداخل دون أن تسمع ذلك ، لحسن الحظ.
ثم رفعت رأسها قليلاً و نظرت إلى كارولين مباشرة.
“إذن ، هل كانت ابنة السيدة الكبرى وقورة؟”
“… ماذا؟”
“فراء القطة العالق بملابس ابنتي يمكن إزالته و انتهى الأمر ، و لكن كيف ستتعاملين مع ما لا يمكن إزالته …؟”
نظرت إلى كارولين التي لم تستطع الرد ، و رفعت زاوية شفتيها بارتخاء.
تقدمت أوفيليا للأمام قليلاً و قالت بحزم: “أيتها السيدة الكبرى. ماذا لو ذهبتُ الآن لمقابلة كونتيسة ويغون؟ إنها سلالتها في النهاية ، و لن تتجاهل الأمر”
شعرت بارتعاش كتفي كارولين و توترها المفاجئ.
حينها فقط أطبقت كارولين شفتيها و نظرت إليها بحدة ، غير قادرة على إخفاء اضطرابها.
“هل أذهب و أقول ، نيابة عن حماتي ، إن زوجة الابن جاءت لتنهي ضغينة قديمة؟ كهدية تهنئة بمناسبة قدوم الحفيد”
بمجرد أن نطقت أوفيليا بكلماتها الأخيرة ، ارتجفت كارولين بشدة.
ثم حدقت في أوفيليا بعينين متصلبتين بشكل مرعب.
لكن عندما لم تتجنب أوفيليا تلك النظرة ، أمسكت كارولين بعصاها التي كانت بجانبها و دخلت للداخل بصعوبة.
التعليقات لهذا الفصل " 27"