تغيرت تعابير لينور لتصبح باردة.
لماذا يتفاعل بحساسية كهذه؟
ارتبكت أوفيليا من هذا التحول المفاجئ و بحثت بنظراتها عن جواب ، لتلاحظ فجأة أن وجه لينور كان شاحبًا بشكل غير عادي.
حتى شفتاه بدا عليهما الجفاف.
أهو غاضب ، أم أنه يشعر بالألم في مكان ما؟
و بحركة لا إرادية ، اقتربت أطراف أصابعها من ذراعه.
“… لينور ، هل أنت بخير؟ هل تتألم في مكان ما …؟”
لقد أرادت فقط تفحصه بدافع القلق عليه.
طاك—!
“آه …!”
دفع يدها بعيدًا و كأنه يصد لمستها.
شعرت بوخز مؤلم في ظهر يدها المحمر. و انتشرت حرارة مفاجئة في جسدها وصولاً إلى وجنتيها اللتين احمرتا خجلاً.
ساد الصمت و تراكم الهواء المرتبك في الغرفة.
بدا أن لينور قد أدرك تصرفه للتو.
رمش بعينيه و اتسعت نظراته و هو ينظر إليها بذهول.
“……”
كانت نظراته تحمل الحيرة و الارتباك.
هي تعلم أنه لم يقصد دفعها عمدًا.
تعلم أنها كانت ردة فعل انعكاسية لتعرضه للمفاجأة.
لكن أوفيليا ضغطت على ظهر يدها بقوة.
“… فهمتُ الأمر”
لم تستطع إخفاء الرعشة في صوتها و هي تنطق بالكلمات. لم يكن هو المخطئ ، فهي من مدت يدها و حاولت لمسه دون إذن.
“سأخرج. إذا تسببتُ لك بالإزعاج … فأنا أعتذر. و مع ذلك ، من الأفضل أن تستدعي الدكتور جيمس. فوجهك … يبدو متعبًا للغاية. أنا قلقة”
حاولت جاهدة تجميع شتات ملامح وجهها التي كانت على وشك الانهيار.
لأنه شكر فيرونيكا ، و لأنه تظاهر بالامتنان لتهنئتها بعيد ميلاده.
لقد بدأت تأمل أن علاقتهما ستتحسن عما كانت عليه في السابق.
كان الأمر مخجلاً لدرجة أنها شعرت بالغباء لتوهمها ذلك. و مع ذلك ، واست نفسها بكونه يحاول التصرف بلطف مع فيرونيكا كما طلبت منه.
“ربما سمعتَ بالأمر … فيرونيكا صنعت كعكة اليوم. أتمنى أن … تتذوقها لاحقًا”
بعد قول ذلك ، استدارت أوفيليا و فتحت الباب و خرجت على الفور.
بمجرد إغلاق الباب ، غرق الممر الذي بقيت فيه وحيدة في سكون تام.
كانت تمشي ببطء و هي تفكر: ‘ما المشكلة حقًا …؟ هل زل لساني بشيء؟ من أين بدأ الأمر؟’
مهما حاولت التذكر ، لم تستطع تخمين سبب تصرف لينور هكذا.
شعرت و كأن قلبه ، الذي لا يمكنها رؤية ما بداخله أبدًا ، يبتعد عنها أكثر فأكثر.
انقبض صدرها و تسارعت أنفاسها.
توقفت أوفيليا عند نهاية الممر ، و أطلقت تنهيدة صامتة.
في تلك اللحظة—
“… أيتها الفتاة الملعونة”
سُمع صوت جاف مليء بالضغينة.
عندما رفعت رأسها ، كانت كارولين تنزل من فوق الدرج.
كانت ترتدي فستانًا داكنًا و قبعة بونيه رمادية ذات حواف عريضة ، مما يوحي بأنها تنوي الخروج.
كانت تستند بيدها على ذراع كبيرة الخادمات ، لكن عينيها كانتا موجهتين بالكامل نحو أوفيليا.
“… ابني مات بسببكِ”
‘بالمناسبة … غدًا ذكرى وفاة سيمون’
فزعت أوفيليا من تمتمة كارولين. رغم أنها لم تكن تكنّ له أي مشاعر ، إلا أنها كادت تنسى ذكرى وفاة سيمون الذي كان خطيبها ذات يوم.
“لو لم يخطب ابنة غير شرعية مثلكِ … لكان ابني لا يزال حيًا”
كان الحقد العميق يملأ عيني كارولين.
السبب في وفاة سيمون كان الطاعون الأسود. لقد كان موتًا انتشر كالوباء في كويلتشر ولم يكن هناك سبيل لعلاجه.
كانت أوفيليا تدرك أن لوم كارولين لها محض افتراء واهٍ.
لكنها لم تستطع فتح فمها أمام حزن فقدان الابن.
لأنها هي الأخرى تعلم.
كيف يكون ألم فقدان طفل.
أكثر من أي شخص آخر ، و بكل عمق.
لهذا السبب ، أمالت أوفيليا رأسها و تجنبت نظراتها.
استنشقت نفسًا صغيرًا ، لكن الهواء الذي ملأ رئتيها جعل خناقها يضيق بدل أن يريحها.
قادت كبيرة الخادمات كارولين بلطف و كأنها تواسيها.
“سيدتي ، الكونت لوسان في انتظاركِ. هيا بنا”
ضغطت كارولين بمنديلها على عينيها و أطلقت أنفاسًا منتحبة.
سارت نحو المدخل و هي تسند جسدها المرتجف باستمرار على كبيرة الخادمات.
تبعها بضعة خدم يحملون حقائب الأمتعة في صف واحد.
عند رؤية ذلك ، أدركت أوفيليا فجأة.
لقد كان الأمر هكذا دائمًا.
كلما اقتربت ذكرى وفاة سيمون ، كانت السيدة الكبيرة تذهب إلى عائلة والدتها ، عائلة الكونت لوسان ، لتقضي هناك فترة طويلة.
مزاجها الذي كان منخفضًا بسبب لينور لم يتحسن بعد مواجهة كارولين.
لكن صوت ضحك فيرونيكا سُمع من المطبخ.
‘لا بأس. هذا أفضل من أن تسمع فيرونيكا كلمات لا داعي لها ثانية’
رسمت ابتسامة قسرية على شفتيها و مشت باتجاه المطبخ.
* * *
تراءى لها جسد فيرونيكا المتفحم بشكل غامض.
كان وجهها ذا الأجفان المغلقة بإحكام ساكنًا و كأن أنفاسها قد توقفت.
في تلك اللحظة ، بدا و كأن الزمن قد توقف تمامًا.
صدى صوت فيرونيكا و هي تنادي “أمي” تردد كالهسيس.
“… يا صغيرتي!”
شهقت أوفيليا و فتحت عينيها و هي تلهث. كان جسدها كله غارقًا في العرق.
بمجرد أن شعرت بالعرق البارد ينسال على بشرتها ، تردد صدى دقات قلبها المتسارعة في أذنيها.
كان صوت المطر المنهمر يطرق النافذة بقوة.
نهضت بجسدها بذعر و نظرت بجانبها.
كانت فيرونيكا النائمة بجوارها في السرير تتنفس بهدوء و تغط في نوم عميق.
رغم رؤيتها للطفلة حية و تنام بسلام ، إلا أنها لم تشعر بالاطمئنان بعد.
تجمعت الدموع في عينيها اللتين احمرتا من الحرارة.
و شعرت بغصة تملأ صدرها و تضغط عليه.
نيران ذلك اليوم ، و يأس ذلك اليوم.
تلك الذكرى الفظيعة التي عادت للحياة بوضوح ، مرت أمام عينيها.
كان قلبها لا يزال يخفق بشدة.
لقد استيقظت من الحلم ، لكن المشاعر التي عاشتها ذلك اليوم لا تزال عالقة بها.
مع كل نفس تخرجه ، كان صدرها ينقبض بألم.
لم تهدأ دقات قلبها المضطربة ، فشددت قبضتها بأصابعها.
في تلك اللحظة—
سُمع صوت خطوات حذرة من وراء الباب.
بعد قليل ، فتحت ميريل باب غرفة النوم بهدوء و دخلت.
“سموكِ”
كانت نظرة ميريل و هي تهمس بصوت منخفض غارقة بالقلق.
“ما بكِ؟ هل حدث شيء …؟”
هزت أوفيليا رأسها و هي تتفحص فيرونيكا و ترفع الغطاء حتى كتفيها.
“… كلا ، لا شيء”
لم تستطع الكلام بشكل صحيح لجفاف شفتيها.
استنشقت الهواء بوعي ، و أغمضت عينيها ثم فتحتهما.
“… يبدو أنني نمتُ دون أن أشعر … بينما كنتُ أنوّم فيرونيكا”
رفعت نظرها فجأة نحو النافذة.
كان الليل قد انتصف بالفعل ، و صوت المطر يطرق النافذة بقوة أكبر.
اقتربت ميريل و جثت على ركبتيها على بعد خطوة واحدة.
“… هل كنتِ تبكين؟ يا إلهي ، حتى المطر ينهمر …”
التصقت ملابسها المبللة بالعرق البارد ببشرتها.
بدأت البرودة تتسلل لجسدها و بدأ جسدها يبرد بشكل قشعريرة.
نهضت أوفيليا ببطء.
“… يجب أن أغتسل”
نهضت ميريل على الفور و تبعتها.
“هل أجهز الماء في حوض الاستحمام؟”
نظرت أوفيليا إلى فيرونيكا و هزت رأسها.
“كلا. إذا اغتسلتُ هنا … قد تستيقظ فيرونيكا. سأغتسل في حمام آخر. أنا بخير … ابقي بجانب فيرونيكا”
“حاضر ، سموكِ”
بعد ذلك الحوار القصير ، فتحت أوفيليا الباب بهدوء و خرجت إلى الممر.
هبّ هواء الفجر المبلل بالمطر من وراء النوافذ.
و بينما كانت تمشي في الممر ، شعرت بحضور غريب.
“……”
عندما رفعت رأسها ، كان هناك شخص يقترب من أسفل الدرج.
في نهاية الممر المظلم ، رسم الضوء ظلاً طويلاً.
تك—
الشخص الذي يصعد الدرج كان لينور.
كانت خطواته الهادئة تتسارع تدريجيًا.
اتجه مباشرة نحو المكان الذي تقف فيه أوفيليا.
ثم توقف أمامها تمامًا.
لم تتبادل النظرات بينهما أي كلمة للحظة.
فقط الهواء المبلل و صوت انهمار المطر كانا يملآن تلك الفجوة.
استنشقت أوفيليا نفسًا صغيرًا.
و في اللحظة التي كانت على وشك أن تبدأ فيها الحديث—
“بسبب سيمون فيلهلمير”
قال لينور بنبرة تنم عن غضب مكتوم. لقد كان غاضبًا الآن.
“… هل كنتِ تبكين؟”
“……”
“لقد مر وقت طويل منذ وفاة سيمون فيلهلمير”
“… ماذا؟”
سألت أوفيليا و هي لا تفهم ما يقصده. في الأساس ، لا تدري لماذا يظهر ردة الفعل هذه.
“عما تتحدث. لماذا قد أكون …”
لكن لينور قاطعها و كأنه لا يريد سماع كلماتها.
“و مع ذلك ، هل تشعرين بالأسف تجاهه إلى هذا الحد؟”
خرجت كلماته بقوة و كأنه يكتم أنفاسه.
“إذًا ، هل يجب عليّ أنا أن أجثو على ركبتي و أعتذر لسيمون فيلهلمير؟”
“……”
السخرية التي امتزجت بنهاية كلامه أصبحت أكثر حدة.
“ألم يكفِ أنني سلبتُ مكانكَ ، بل أصبحتُ زوج حبيبتكَ أيضًا؟”
حبيبته؟
“… لينور ، عما تتحدث؟”
هل يعقل أنه يقصد سيمون؟
أدركت أوفيليا أنه يسيء فهم علاقتها بسيمون.
‘حبيبها …’
“إذًا ، أليس كذلك؟”
سأل لينور بصوت غارق في الغضب ، و كأنه متأكد من الأمر.
ظنّ أنها أحبت سيمون ، و أنها حزينة ولا تستطيع نسيانه.
“أنتِ لا تدرين. في كل مرة تحزنين فيها هكذا”
“……”
“كم أشعر و كأنني أُقذف في الوحل”
التعليقات لهذا الفصل " 16"