بلوزة ذات ياقة عالية بلون أزرق داكن فوق الزيّ الرسميّ ، و شعر أسود مُصفّف إلى الخلف بعناية.
فتح لينور الباب بنفسه و خرج.
“… أوفيليا؟”
انقبض ما بين حاجبيه ببطء ثم انبسط.
و بدا أنّ بريق عينيه قد خطفه شعورٌ بالاستغراب.
ألقى لينور نظرةً متأنيةً على أوفيليا.
بدأ بوجهِها.
ثم عقد التوباز حول عنقها.
توقفت نظراته للحظةٍ و كأنّه يتفحّصها ، ثم انتقلت ببطءٍ من القلادة إلى خصلات شعرها ، فخطّ كتفيها ، وصولاً إلى حاشية فستانها.
انسابت نظراته للأسفل و كأنّه يمسحها من رأسها حتى أخمص قدميها ؛ و بمجرد أن التقت عيناها بعينيه الزرقاوين الحادتين ، جفلت أوفيليا غريزيًّا.
‘… لماذا يكتفي بالنظر هكذا؟’
غمرها شعورٌ بالإحراج من تلك النظرات المتواصلة ، و في تلك اللحظة من الصمت ، تحركت يدٌ صغيرةٌ داخل حضنها بخفةٍ.
“أبي! خذ هذا!”
مدّت فيرونيكا قلم الحبر الذي كانت تمسك به بتقديرٍ نحو لينور ، الذي علت ملامحه دهشةٌ تدريجيةٌ و هو ينظر إلى الأسفل.
“قالت فيرونيكا إنّها وجدته في الرواق ، و أرادت إعادته إليك”
“… هكذا الأمر”
أومأ لينور برأسه و أخذ القلم ، و ظهرت موجةٌ خفيفةٌ من التأثر في عينيه و هو يتأمل سطحه المتآكل من كثرة الاستخدام.
“… لم أكن أعلمُ حتى أنني فقدته”
عدم علمه بفقدانه يعني أنّه سقط منه دون أن يشعر ، فهو رجلٌ يكره أن يلمس أحدٌ مقتنياته.
تحركت تفاحة آدم في حلقه و كأنّه يبتلع تعبًا شديدًا.
“أمي ، أنزليني!”
قالت فيرونيكا فجأةً و هي تشير بعينيها للأسفل.
“فيرونيكا؟”
نظرت أوفيليا إليها ظنًّا منها أنّ الطفلة لم تعد مرتاحةً في حضنها ، لكنّ فيرونيكا كانت تشير بعينيها الواسعتين اللامعتين نحو داخل المكتب.
“أريدُ رؤية مكتب أبي!”
أربك ردُّ فيرونيكا المليء بالفضول أوفيليا.
كان لينور شخصًا يكره بشدةٍ دخول أيّ شخصٍ إلى مساحته الخاصة دون إذن.
شعرت بالقلق حيال كيفية استقباله لتطفل الطفلة.
“فيرونيكا ، والدُكِ مشغولٌ ، علينا العودة”
“هييينغ … أريدُ رؤيته. سأكونُ هادئةً جدًّا”
“فيرونيكا ، هذا مكانٌ لا يجبُ البقاء فيه طويلاً. لقد أتينا فجأةً ، لذا لنذهب اليوم و سنراه في المرة القادمة ، حسـنًا؟”
بينما كانت أوفيليا تحاول إقناع فيرونيكا ، استدار لينور نحو الداخل أولاً.
“… لا بأس بوقٍت قصيرٍ”
قال ذلك باختصارٍ و مدّ يده نحو داخل الباب.
أومأ برأسه بخفةٍ للملازم الثاني براير الذي استأذن بالانصراف ، ثم تنحى جانبًا و كأنّه يدعوهما للدخول.
‘… لا بأس؟’
نظرت إليه أوفيليا بذهولٍ ، ثم رأت نظرات فيرونيكا المليئة بالتوقعات فأنزلتها.
بمجرد أن لامست قدماها الأرض ، بدأت فيرونيكا تقفز بحماسٍ.
“… هل يمكننا الدخول حقًّا؟ إذا كنتَ مشغولاً ، يمكنني أخذ فيرونيكا و العودة”
“نعم”
سألته أوفيليا مرةً أخرى ، ثم خطت ببطءٍ نحو مكتبه ، حيث كانت خيوط الشمس تتدفق للداخل عبر نافذةٍ مفتوحةٍ قليلاً.
أمسكت بلطفٍ يد فيرونيكا التي كانت تهمُّ بالركض للأمام ، فقد شعرت بضرورة تهدئة حماسها الزائد.
“فيرونيكا. هذا مكان عمل والدِكِ. لا يجوزُ الركض أو لمس الأشياء دون إذنٍ ، مفهوم؟”
خافت أوفيليا أن تثير الطفلة جلبةً فتتلقى توبيخًا من لينور ، مما قد يحزنها.
“أجل ، سأكونُ هادئةً!”
رمشت فيرونيكا بعينيها ببطءٍ بعد سماع التنبيه ، ثم ابتسمت ابتسامةً عريضةً.
بدأت تمشي بخطواتٍ حذرةٍ حتى لا تُصدر صوتًا على الأرضية.
نظرت الطفلة بدهشةٍ إلى خريطة السفينة الواسعة ، لكنّها لم تقترب بل اكتفت بالمشاهدة من بعيدٍ.
و عندما اقتربت من المكتب المليء بالأوراق ، شبكت يديها خلف ظهرها بإحكامٍ.
رسمت أوفيليا ابتسامةً رقيقةً على شفتيها لإعجابها بتصرف الطفلة الوقور ، و كأنّها في كاتدرائيةٍ.
“سأعدُّ الشاي ، تفضلي بالجلوس”
اتسعت عينا أوفيليا و هي تجلس على الأريكة ، فقد كان لينور نفسه هو من أخرج أكواب الشاي و إبريقه من الخزانة ، بدلاً من أن يطلب من أحد المساعدين فعل ذلك.
و سرعان ما لامست رائحة الزهور العطرة طرف أنفها بلطفٍ ، مما أصابها بذهولٍ تامٍّ.
كان كوب الشاي الذي وضعه لينور يحتوي على ثمرة الورد (الروزهيب) التي تحبها.
تمايلت مياه الشاي الحمراء داخل الكوب بهدوءٍ.
‘… ثمرة الورد؟’
كان الأمرُ مريبًا.
فقد كان لينور يتجنب الروائح القوية عادةً ، و خاصةً تلك التي تمتاز بحموضةٍ واضحةٍ مثل ثمرة الورد.
أخفت أوفيليا دهشتها و قرّبت الكوب من شفتيها ، فبللت رائحة الزهور المنتشرة مع الدفء فمها.
شعرت بحموضةٍ على طرف لسانها ، يتبعها حلاوةٌ خفيفةٌ.
و بينما كان الشاي الدافئ ينساب في حلقها ، كانت الرائحة تنتشر.
تذكرت فجأةً الأيام التي كانت تعاني فيها من وحامٍ شديدٍ أثناء حملها بفيرونيكا ، حيث كانت تأكل ثمرة الورد بكثرةٍ.
‘ربما وضعها هنا لتقديمها للضيوف’
رغم غرابة وجود ثمرة الورد في مكتبه و هو لا يستسيغها ، إلا أنّ أوفيليا أخفت اضطرابها بصعوبةٍ.
“… شكرًا لك”
قالت ذلك و هي تضع الكوب بعنايةٍ.
و بما أنّه لم يمضِ وقتٌ طويلٌ على تبادلهما لمشاعر حادةٍ ، فقد ساد الصمت و أصبح الجو مُحرجًا.
و في تلك الأثناء ، خفق الحمام الزاجل بجناحيه داخل القفص.
“واو! كم هو لطيف!”
اقتربت فيرونيكا من القفص و جلست القرفصاء.
“أبي ، ما اسم هذا الطائر؟”
“… ليس له اسمٌ محددٌ”
“أريدُ اللعب معه. هل يمكنني إخراجه؟”
“حسـنًا”
“ماذا لو طار للخارج؟”
“لا بأس ، لقد تمّ تدريبه على العودة إلى مكانه دون أن يطير بعيدًا”
بعد حصولها على إذن لينور ، فتحت القفص و وضعت الحمام الزاجل على سبابتها.
“مرحبًا!”
حكّ الحمام رأسه بخفةٍ بيد فيرونيكا و كأنّه يحييها.
“قو؟”
“قو!”
“قو قو قو قو!”
“فيفي أيضًا قو قو قو قو!”
راقب لينور فيرونيكا و هي تقلد صوت الحمام بحماسٍ ، ثم أعاد نظره نحو أوفيليا.
“هل جئتِ لإعطاء قلم الحبر؟”
قال ذلك و هو يضع القلم الذي كان يمسكه.
كانت فيرونيكا مشغولةً بالدردشة مع الحمام ، فرفعت أوفيليا ذقنها لتواجه نظراته.
“في المستقبل ، لا داعي للمجيء من أجل أمرٍ كهذا”
“… نعم؟”
“لأنّه ليس غرضًا ثمينًا لهذه الدرجة”
لم تستطع أوفيليا فهم كلمات لينور.
‘رغم أنّه حمله معه طوال حياته ، لماذا …’
رائحة ثمرة الورد التي كانت تتذوقها مجددًا بدت مُرّةً هذه المرة.
“إنّه من مقتنيات السيدة جولييت الراحلة”
“… هل تدركين أنّها ليست شخصًا يستحقُ تبجيلكِ؟”
جولييت باسين.
والدة لينور الحقيقية و عشيقة ماركيز فيلهلمير السابق.
لم تكن أوفيليا تعرف الكثير عنها.
كلُّ ما تتذكره هو أنّ كارولين كانت تشير إليها أحيانًا بلقب المرأة العامية.
لابدّ أنّ لينور قال ذلك للأمر نفسه ؛ لأنّه غرضٌ تركته أمٌّ من طبقةٍ دنيا ، فلا يليقُ بزيارة أميرةٍ مثلها.
“… بالنسبة للسيدة فيوليتا”
بدأت أوفيليا الحديث بهدوءٍ.
لم يعد للتدقيق في هذه الأمور أيّ معنىً الآن.
إنّ كراهية والدة لينور كانت تعني إنكار وجود فيرونيكا بطريقةٍ ما.
“لم تترك لي شيئًا أبدًا”
كانت هذه المرة الأولى التي تتحدث فيها معه عن السيدة فيوليتا.
“لقد أحرقت الملكة أغنيس كلَّ شيءٍ ؛ الرسائل ، و المجوهرات … لم يتبقَّ شيءٌ على الإطلاق. بل حتى قصر ليلبيا الذي كانت تقيم فيه تمّ إغلاقه ولا يمكن الدخول إليه”
“……”
“لذا ، اعتبره ثمينًا و احتفظ به جيدًا لتعطيه لفيرونيكا لاحقًا ، عندما يأتي يومٌ تتساءل فيه عن جدتها”
في تلك اللحظة ، اخترق صوتُ طرقٍ على الباب مسامعهما.
“… تفضل بالدخول”
مع إذن لينور الموجز ، فُتح الباب قليلاً ، و أطلّ طالبٌ عسكريٌّ ذو وجهٍ شابٍ.
“تحية!”
أدى الطالب التحية العسكرية نحو لينور و هو في غاية التوتر.
“ماذا هناك؟”
“تلقيتُ خبرًا بأنّ جدتي في ‘سان جيل’ في حالةٍ حرجةٍ. أطلبُ إجازةً لمدة ثلاثة أيامٍ ، أيُّها المقدم!”
“مسموح”
أشارت أوفيليا لفيرونيكا و هي تفكر في ضرورة المغادرة.
“فيرونيكا”
“هييينغ ، بيبي ستعود مجددًا. لنلعب لاحقًا”
“قو قو!”
أعادت الطفلة الحمام إلى القفص بترددٍ و ركضت نحو أمها.
“سنغادرُ الآن”
بينما كانت تمسك يد فيرونيكا و تلتفت ، التقت نظراتها بنظرات الطالب العسكريّ.
في تلك اللحظة—
احمرّ وجه الطالب بشدةٍ.
اتسعت عيناه و انفتح فمه قليلاً.
‘هل هناك شيءٌ على وجهي …’
مسحت أوفيليا بالقرب من شفتيها و خرجت من الباب لتمشي في الرواق.
طاك— طاك—!
تبعها الطالب على عجلٍ ثم تردد قليلاً.
“آه … يا آنسة. إذا لم يكن ذلك إزعاجًا ، هل يمكنني أن أسأل عن اسمكِ …؟”
‘آنسة …’
ابتسمت أوفيليا تلقائيًّا عند سماع هذا اللقب لأول مرةٍ في حياتها.
‘بما أنّه قال إنّ جدته في سان جيل ، فلا بدّ أنّه ليس من هنا’
فهمت سبب تلقيب الطالب لها بالآنسة لعدم تمييزه لكونها أميرةً.
تدخلت فيرونيكا فجأةً و هي تشبك ذراعيها ، و ضلت تطرق بقدمها على الأرض و كأنّ الأمر لم يعجبها.
“أمُّ بيبي هي سموّ الأميرة”
“… نعم؟”
“أمُّ بيبي هي أوفيليا فيلهلمير كويلتشر!”
تصلب وجه الطالب فورًا عند صرخة فيرونيكا ، و نظر إلى أوفيليا مرةً أخرى بعينين متسعتين.
“سموّ … الأميرة …؟”
تعثر الطالب في كلامه و انحنى بسرعةٍ.
“أنا آسفٌ جدًّا ، يا سموّ الأميرة! لم أتعرف عليكِ و ارتكبتُ وقاحةً!”
“يا للهول. لا داعي للاعتذار. لا بأس ، ارفع رأسك”
أجابت أوفيليا بهدوءٍ.
بدت ملامح الابتسامة على وجهها لأنّ الموقف كان ممتعًا ؛ لابدّ أنّه ظنّها غير متزوجةٍ لأنّها لم ترفع شعرها للأعلى.
التعليقات لهذا الفصل " 11"