سواءً أكان ذلك اسمها الحقيقي أم لا، فهي العاهرة لوتشيا. التي يبدو أن فابريس أبدى اهتمامًا بها أحيانًا، لكنه لم يأخذها معه أثناء الحرب.
و اندفعت لوتشيا الشاحبة إلى ديزيريا.
“آنستي، أنقذيني!”
“ما بكِ؟ ماذا حدث؟”
“الطفل، الطفل سيخرج….”
نظرت ديزيريا حولها نحو بيت الطبيب. و أمسكت لوتشيا بذراعيها وهي ترتجف.
“الطبيب، لا، الطبيب لا!”
“اهدئي، سأجلب القابلة.”
كانت القابلة إنريكا تسكن قريبًا.
حاولت ديزيريا إبعاد يد لوتشيا لتذهب إلى إنريكا. لكن لوتشيا، وكأن شيئًا ما أفزعها بشدة، هزّت رأسها وشدّت قبضتها على يد ديزيريا.
“أرجوكِ، اجعلي أمر حملي سرًا. حتى القابلة، قولي لها فقط أنه طفلٌ جاء بالصدفة!”
كانت لوتشيا، التي تُركت حتى أثناء الحرب، قد أعلنت نيتها أن تموت مع طفلها، وديزيريا بالكاد ثنَتها عن ذلك.
أقنعتها بصعوبةٍ بأن تموت وهي تقاتل، ولو برشق الحجارة.
‘يا تُرى، طفل مَن هذا؟’
شعرت ديزيريا بأن الأمر خطير، لكنها قررت تهدئة لوتشيا أولًا.
“حسنًا، فهمت، اهدئي. سأعود بسرعة….”
رغم محاولات التهدئة المتواصلة، لم تبدُ لوتشيا مستعدةً لترك ديزيريا.
وبينما كانت ديزيريا تعاني الحيرة، نظرت حولها. فقد كان عليها أن تطلب المساعدة من أي شخصٍ داخل بيت الطبيب.
كلما حاولت ديزيريا أن تخطو خطوةً واحدة، اشتدّت قبضة لوتشيا.
ثم ظهر لازار وهو ينعطف من الزاوية. فشعرت ديزيريا وكأنها رأت منقذًا.
“لازار، ساعدني!”
“ما الذي يحدث؟”
“سأشرح لاحقًا، لا وقت الآن. كنت سأعهد بها إلى الطبيب، لكن….”
أخذت لوتشيا تنتحب وهي ترتجف. فهزّت ديزيريا رأسها نحو لازار، في إشارة إلى أن الأمر واضحٌ ولا حيلة لها.
أغمضت عينيها لحظة ثم أعطت تعليماتها.
“اخرج من هنا إلى الشارع الرئيسي، وامضِ مستقيمًا.
ستجد متجرًا للأدوات. بعده ببيتين إلى اليمين، هناك منزل. ستجد فيه قابلةً تُدعى إنريكا.”
“قابلة؟”
“اذهب أولًا! إنقاذ الإنسان أهم من أي شيء!”
انطلق لازار نحو الشارع الرئيسي كما قالت ديزيريا.
ثم خرج بودوان متأخرًا من بيت الطبيب، ولم يعرف هل يبقى إلى جانب ديزيريا أم يتبع لازار.
فصرخت ديزيريا في وجه بودوان المتردد.
“بودوان، اطلب من الطبيب معروفًا على عجل! قل له نحتاج إلى غرفةٍ واحدة فقط!”
“ماذا؟”
“لا يمكننا أن نجعلها تلد في الطريق! ذهب لازار لإحضارها القابلة، فاسرع!”
عاد بودوان مسرعًا إلى بيت الطبيب. فسأله الطبيب المندهش.
“ألم ترحلوا؟ هل نسيتم شيئًا؟”
“هناك امرأة في الخارج على وشك الولادة….”
“ماذا؟ يا هذا، أنا طبيب ولست قابلة! وهل يُعقل أن يُطلب من رجل متزوج أن يرى جسد امرأة غريبة؟”
“القابلة في الطريق. نطلب فقط غرفةً واحدة.”
“آه، هكذا إذاً، حسنًا.”
دخل الطبيب إلى غرفة صغيرة. و تعالت أصوات وكأنه يزيل أشياء. ثم خرج وهو ينفض يديه.
“استخدموا تلك الغرفة.”
في الخارج، عاد لازار في تلك اللحظة ومعه القابلة إنريكا.
ما إن رأت إنريكا المرأة التي توشك على الولادة حتى شهقت.
“لوتشيا؟ قلتُ أن لديّ شعورًا سيئًا! من هو والد الطفل….لا، ليس هذا وقته. نحتاج إلى مكانٍ أولًا. آنسة ديزيريا؟”
“طلبنا استعارَة غرفة.”
رفعت ديزيريا ذراعها لتشير إلى بيت الطبيب، لكن لوتشيا لم تُفلِت ذراعها بعد.
قحاول لازار أن يفصل لوتشيا عنها بالقوة، لكن ديزيريا أوقفته.
“لا بأس. حين تهدأ ستتركها.”
“سيكون أسرع لو حملها رجلٌ وأدخلها، لكن لا خيار.
هيا بنا إلى الداخل.”
دخلت إنريكا أولًا إلى بيت الطبيب وهي تحمل حقيبة أدوات الولادة. و تبعتها ديزيريا وهي تسند لوتشيا.
لم تُفلِت لوتشيا يد ديزيريا إلا بعد أن وصلت إلى السرير، وهي تتلوّى من آلام المخاض.
فأخذت إنريكا تهدّئ الحامل.
“هيا، اهدئي، وتنفّسي ببطء.”
“يؤلمني كثيرًا، أنا خائفة! لن أموت هكذا، أليس كذلك؟”
تشبثت المرأة بكمّ إنريكا، ثم خارت قواها فاستلقت على السرير.
ثم أشارت إنريكا بيدها إلى ديزيريا ولازار.
“سأناديكما إن احتجتُ إلى شيء، تفضّلا بالخروج قليلًا.”
بعد أن أُغلق الباب، أسندت ديزيريا ظهرها إلى الجدار. و أمسك لازار بها وقادها لتجلس على كرسي.
ثم تحدّثت ديزيريا وهي تنظر إلى باب الغرفة التي تحولت إلى غرفة ولادة مؤقتة.
“هل فعلنا الصواب؟”
“إذًا، كان الأمر بدافع إنقاذ إنسان.”
“إذا نظرتَ إليه ببساطة، فسيبدو كذلك.”
همّت ديزيريا بأن تغسل وجهها الجاف ثم توقفت.
لم تكن تعلم إن كان الدم على يديها دم لازار أم دم لوتشيا، لكنه كان دمًا على أي حال.
بدلًا من أن تخفض رأسها، رفعت نظرها وحدّقت في السقف.
“قد يبدو كأنني أنقل كلامًا غير مستحب، لكن بما أنني جررتكَ إلى هذا، فسأقولها بوضوح.”
لم تنظر ديزيريا إلى لازار الجالس بجانبها.
“تلك المرأة، على حدّ علمي، عاهرة. قد أكون مخطئة، لكن….”
“وماذا في ذلك؟”
كان في صوت لازار شيءٌ من الانزعاج.
فلوّحت ديزيريا بيدها واهنة.
“لستُ أقول هذا للازدراء، بل بدافع القلق. لم أستطع أن أقف وأشاهد شخصين يموتان أمام عيني، فقررت على الأقل أن أنقذ حياتهما، لكن ربما كان ذلك تعاطفًا ساذجًا.”
فارتخت ملامح لازار. بينما تابعت ديزيريا.
“صار من الصعب أن أسأل عن والد الطفل. قد يكون شخصًا خطرًا إن نُطق اسمه. ولن تتمكن من ممارسة الدعارة لفترة، فهل سيطردها القوّاد؟ عدم الدعارة أمرٌ جيد، لكن إن نفذ المال….”
لا تعرف ديزيريا إن كان والد الطفل هو فابريس.
سواءً أكان هو أم لا، لم تكن تحمل ضغينةً شخصية تجاه لوتشيا.
حتى ديزيريا نفسها، مع كل ما لها من اعتباراتٍ بين الكبار، لم يكن فابريس قادرًا على معاملتها بفظاظةٍ علنية.
ومع ذلك كانت مقيدةً به. فما مقدار القوة التي يمكن أن تمتلكها عاهرةٌ تعيش ببيع جسدها؟
ثم قطع لازار تسلسل أفكارها.
“يكفي إلى هذا الحد، ليست من مسؤوليتكِ.”
“صحيح. سواءً أودعت الطفل في دير أو ربّته بنفسها، فالقرار الآن للأم. لكنها قد تلومني يومًا لأنني سمحت له أن يولد. هي أو الطفل، أيًّا كان.”
“لا أدري، لو كنتُ مكانها لعشتُ شاكرًا لكِ. لا بد أنكِ احتجتِ إلى قدر كبير من العزم لتقدّمي المساعدة. وحتى لا تذهب الحياة التي أنقذتِها سدى، يجب أن يعيش الإنسان جيدًا.”
فالتفتت ديزيريا نحو لازار.
وسُمع في تلك اللحظة بكاء طفل، ما دلّ على أن الولادة تمت بسلام.
و خرجت إنريكا ونادت ديزيريا ولازار.
“بفضلكما، أنقذنا حياة إنسان واحد، لا، اثنين.”
“لم أفعل شيئًا. القابلة إنريكا هي من قامت بكل شيء.”
“آنسة، قد تصبحين فردًا من عائلة الحاكم، أليس كذلك؟”
“قد أصبح، لكنني لستُ كذلك بعد.”
“حتى دون هذا المقام، تقدير كل حياةٍ على حدة فضيلة عظيمة. شكرًا لكِ.”
التعليقات لهذا الفصل " 7"