“يبدو أنهم قرروا الاستمتاع حتى النهاية، وبفضلهم صار هناك ما يُشاهد، فلو ذهبوا جميعًا إلى النوم لما بقي شيءٌ نراه في هذا الظلام.”
“هذا صحيح.”
“إن كنتِ قد اكتفيتِ من المشاهدة فلنذهب، لقد اقتربنا كثيرًا من المكان الذي أردتُ أن أريكِ إياه.”
أمسك لازار بيد ديزيريا وركض بخفة، فاتبعته إلى أعلى حيث يقودها.
لم يتوقفا إلا بعدما وصلا إلى سهل في قمة الطريق الجبلي. و كان هناك برج مراقبة، ربما استُخدم في الماضي لرصد تسلل الأعداء، لكنه تحول الآن إلى منصةٍ لمشاهدة منظر المدينة.
صعد لازار أولًا ثم مدّ يده إلى ديزيريا التي كانت تتبعه، لكنها هزّت رأسها.
“لا بأس.”
“سواءً أمسكتِ بيدي أو لا، ستضطرين للإمساك بالدرابزين مرةً أخرى، فخذي يدي فحسب.”
ابتسمت ديزيريا ابتسامةً خفيفة كأنها استسلمت وأمسكت بيد لازار. وبعد أن ساعدها على الصعود، أشار لازار إلى وسط مدينة رودوريكا.
“أتدرين أين تقع تلك الساحة هناك؟”
نظرت ديزيريا إلى المشهد الليلي.
كانت الأضواء القرمزية تبعث جوًا دافئًا يشبه وهج موقد نار، وكانت الطرق المتلاقية ترسم شكل نجمة.
كان المنظر الليلي جميلًا، لكن ديزيريا لم تعجز عن الكلام بسببه. كانت تشعر أن لازار ينتظر جوابًا معينًا، لكنها لم تكن قادرةً بعد على منحه الإجابة التي تناسبه.
وبإحساسٍ خانق، أنزلت ديزيريا رأسها.
***
قدّم التابع ذو الشعر المربوط إلى الخلف حذاءً واحدًا لمارسو.
انحنى محاولًا إخفاء توتره، لكن يده التي تمسك بالحذاء كانت ترتجف ارتجافًا طفيفًا.
“تم تنظيف الأمر جيدًا.”
“أحقًا؟ إذًا أخبرني كيف فعلتَ ذلك، فأنت ذكيٌ بما يكفي لتتذكر هذه التفاصيل، أليس كذلك؟”
فحبس التابع أنفاسه للحظة.
لقد انضم إليهم لأنه قيل له أنه سيعمل لصالح العائلة المالكة مقابل أجرٍ كبير.
كان يعلم أنهم يدمرون الناس بالإفلاس أو بإسقاط السمعة حتى ينتحروا بأنفسهم، لكنه لم يتوقع أن يُجبر على قتل إنسانٍ بيده. ومع ذلك يُطلب منه الآن أن يعيد سرد تلك العملية البشعة.
كان قد أدرك منذ زمن أن مارسّو شخصٌ قاسٍ، لكن هذا لم يكن سوى هوايةٍ منحرفة.
قال القاتل المخضرم الذي كان بمثابة معلمه أن مارسّو رجلٌ سريع الغضب. و غالبًا ما كان هذا انتقامًا لأنه أغضبه في المرة السابقة.
“نعم، ذلك الخادم شرب كثيرًا وتعثّر فسقط غريقًا، كان قد عُيّن مؤخرًا مبعوثاً لسمو ولي العهد، وغادر من عاصمة آفنديل أورينتيل، ويبدو أنه كان متحمسًا لمهمته الأولى، فسقط في بركةٍ عند مفترق الطرق المؤدية إلى المدن الصغيرة-”
“لا، ليس هذا ما أقصده، أليس كذلك؟”
قاطع مارسّو كلامه. و كاد التابع المذعور أن يسأل، لكنه أغلق فمه.
إن لم يكن حذرًا في كلماته، فقد يلقى المصير نفسه الذي لقيه ذلك الخادم.
و لم يبدُ أن بقية أتباع مارسّو يولون الأمر اهتمامًا، لكن نية القتل كانت واضحةً في الأجواء.
كانت تلك النظرات الحادة الخاصة بمن اعتادوا القتل كفيلةً بتجميد أي شخص. كانت أقرب إلى نظرات الوحوش المفترسة منها إلى عيون البشر.
“ألا تتذكر؟ ما الذي أمر ولي العهد بنقله عبر ذلك الخادم الواهن؟”
طال صمت التابع، فبادر مارسّو بإلقاء الخيط بنفسه.
تحرك فمه تحت شاربه الأسود وكأنه يمنّ عليه بفضل. بينما بدأ التابع يفكر بسرعة.
“كان سموه ينوي تقديم التعازي في وفاة الابن الأكبر لسيّد قلعة فاسيديا في تالوريا.”
“صحيح، ولهذا كان متجهًا من آفنديل إلى تالوريا، لكنه مات قبل عبور الحدود مباشرة؟”
كان في وصف الأمر مبالغةً واضحة. فأعاد التابع تركيب القصة في ذهنه.
لو أشار إلى أنهم قتلوه في مكانٍ آخر غير الحدود، فسيطير السيف نحوه كما حدث سابقًا.
“إنه فعل أحد المتواطئين مع تالوريا، وصاحب النُزل الذي قدّم له الخمر المسموم هو المشتبه به الأبرز، ويُرجّح أنهم حاولوا إلصاق الجريمة بسكان المناطق الحدودية لآفنديل بتكليفٍ من تالوريا.”
مسح مارسّو لحيته بتعبير راضٍ.
“نعم، هكذا. رغم أنهم دولةٌ مجاورة، إلا أن ولي العهد سعى لتقديم العزاء ليس لحاكمٍ حالي، بل لابنه الأكبر في إقليمٍ حدودي صغير لمملكةٍ قد تصبح دولةً معادية.”
“لكن تالوريا شكّت في الأمر واعتبرته نذير غزو، فقتلته، إنهم ضيّقو الأفق، أسرى أوهام لا داعي لها، ورفضوا المعروف.”
“صحيح، أليس كذلك؟”
رفع مارسّو أحد طرفي فمه.
كان يبدو راضيًا، لكن التابع لم يجرؤ على إرخاء أعصابه. فلم يكن يعلم متى سينقلب فجأةً ويهدده من جديد.
“ولهذا قرر ولي العهد إرسال مبعوثٍ آخر، بحجة طلب المصالحة، وسنتوجه أولًا إلى رودوريكا.”
***
عقد لازار ذراعيه وأسند ظهره إلى الكرسي.
كان قد تحدث عن الساحة محاولًا التقرب من ديزيريا، لكن الحديث جعل الأجواء بينهما أكثر حرجًا طوال طريق العودة.
بدت ملامح ديزيريا مضطربةً للغاية، فلم يستطع أن يسألها أكثر.
“اختفيتما معًا فجأة، فظننتكما تستمتعان، هل تشاجرتَ مع تلك الفتاة؟”
و سحب بودوان كرسيًا وجلس أمام لازار.
“لا، لم نتشاجر.”
“إذًا هل أخطأتَ بشيء؟”
“أحسستُ بخيبةٍ لأنها لم تتذكرني، فأريتها المكان الذي التقينا فيه أول مرة، لكن الجو ازداد إحراجًا.”
فتنهد لازار بعمق. و نظر بودوان إلى الأعلى ثم سأله.
“هل تذكيرها بالماضي أمرٌ جيدٌ فعلًا؟”
“أليس ذلك أمرًا طبيعيًا؟”
“ربما كانت تريد أن تنسى، فمحَت حتى حقيقة أنها نسيت، فلماذا تنبش ذلك عمدًا؟”
“ربما.”
“أنت نفسكَ لا تحب الحديث عن والديكَ، أليس كذلك؟”
فشعر لازار بوخزةٍ مفاجئة.
لم تكن لحظة لقائه الأول بديزيريا ممتعةً تمامًا، لكنه استطاع بفضلها أن ينجو. وكان قد أغفل ما إذا كانت تلك الذكرى جميلةً من منظورها أم لا.
“صحيحٌ أنني لا أحب ذلك، لكن الأمر لم يعد يزعجني كما في السابق.”
لم يكن لازار قد سامح والديه بالكامل. لم يغفر بعد الأخطاء التي ارتكبوها، لكنه على الأقل أصبح أكثر قدرةً على التعامل معها بهدوء.
“حسنًا، فلنترك ذلك الوقت مجرد ذكرى، ومن الآن فصاعدًا يجب أن نصنع الكثير من الذكريات الجيدة.”
“إن لم تفهم، فاسأل تيريزا، ستأتي غدًا، ولأنها امرأةٌ مثلها فقد يكون بينهما ما يتفاهمان عليه.”
ذكر بودوان اسم زوجته.
كان لازار يعرف تيريزا منذ زمنٍ طويل أيضًا، لكنه كان يشعر ببعض عدم الارتياح تجاهها.
“وإن كان من الصعب أن تسأل مباشرة، هل أطلب من تيريزا أن تتحدث عنكَ جيدًا أمام تلك الفتاة؟”
“سأتولى الأمر بنفسي.”
“وماذا ستتولى بنفسكَ أصلًا؟”
نظر لازار إلى بودوان نظرةً تفيد بأنه اكتفى، ثم نهض وغادر. فصرخ بودوان في مؤخرة رأس لازار.
“دعني أفعل لكَ معروفًا واحدًا على الأقل! فأنا أجرّ نفسي خلفكَ منذ سنوات بحجة رد الجميل.…!”
لم يأتِ أي رد، ولم يعد يُسمع حتى صوت خطوات لازار. فتنهد بودوان بعمقٍ ثم ألقى بنفسه على الكرسي.
***
“ذكرى سيئة….”
أراد لازار أن يعرف أي ذكرى قد تكون صادمةً إلى هذا الحد بالنسبة ليديزيريا.
إن سألها مباشرةً فقد تتردد في الكلام، أو ربما، كما قال بودوان، تكون قد نسيت حتى حقيقة أنها نسيت.
‘ما الذي حدث بالضبط في تلك الفترة التي تركتني فيها؟ لا يبدو أن الأمر متعلقٌ بوالديها.’
كان لازار يرى أن ما يُسمى بالآباء، على الأقل مثل والديه، لا قيمة لهم على الإطلاق.
ضحّى والده بلازار وبأمه من أجل أوهامه الخاصة. أما أمه، فكانت متعلقةً برجلٍ لدرجة أنها لم تعتنِ به كما يجب.
ورغم أنها نالت في النهاية لقب زوجة بارون، إلا أن لازار كان يفضّل لو لم يكن هناك شيءٌ يُدعى الأب من الأساس.
وتساءل إن كان والدا ديزيريا بدورهما مجرد عائقٍ يقيدها في فاسيديا.
لكن بعد أن عاش معها فعليًا، أدرك أنهم أشخاصٌ مهمون لها إلى درجة لا يمكنه معها أن يشطبهم بتفكير سطحي.
وحين بدأت الذكريات المزعجة تطفو مجددًا، نهض لازار من مكانه.
“ديزيريا.”
لم تصدر أي استجابةٍ تُذكر رغم طرقه على نافذتها. وسمع من مكان قريب صوتًا خافتًا يشبه حفيف أوراق الشجر المتدحرجة.
وحين لاحظ لازار أن هناك من يتجول في الشارع، فتح النافذة ودخل.
ارتعبت ديزيريا، التي كانت تغيّر ملابسها، وتراجعت نحو الباب، لكنها لم تصرخ. و أدرك لازار أنه دخل في توقيتٍ سيئ للغاية، فسارع إلى الاعتذار.
“آسف، لم تردّي فقلقتُ.”
“كان من الممكن ألا أسمع، هل هذا مبررٌ لكسر الباب والدخول؟”
أكملت ديزيريا ارتداء قميصها بوجهٍ بارد.
و حتى وإن كانت تغيّر ملابسها، فإن ما رآه لازار لم يتجاوز جزءًا من أسفل ظهرها.
“كنتُ أحاول الدخول قبل أن يمر أحد، ولم أتوقع أنكِ تغيّرين ملابسكِ.”
التعليقات لهذا الفصل " 34"