“جئتُ لأكسب بعض المال بقراءة الطالع بما أنه مهرجان، لكن ذلك الرجل أمسك بي فجأة.…”
كانت آنا، التي كانت في الأصل عرّافةً جوّالة، تبدو فظةً وكئيبة، لكنها كانت بارعةً جدًا في إدارة المال. ولهذا السبب كانت ديزيريا قد أوكلت إليها إدارة الميزانية والمؤن أثناء الحرب.
كانت جيزيلا ابنة آنا التي أنجبتها بعد استقرارها في فاسيديا. لكن وبحسب شخصية آنا، لم يكن من المنطقي أن ترسل جيزيلا وحدها إلى رودوريكا، ولذلك لم تفهم ديزيريا سبب وجودها هنا بمفردها.
“وأين آنا؟”
ما إن سألت ديزيريا عن آنا حتى ارتعبت جيزيلا.
“أرجوكِ أبقي الأمر سرًا عن أمي!”
“هل خرجتِ خِلسة؟ لو كان الأمر كذلك فـ-”
فجأة التقط الرجل قطعة فحم من بسطة طعام ورماها نحو ديزيريا. فسحبت جيزيلا التي أطلقت صرخةً وابتعدت بها جانبًا.
وعندما صرفت نظرها عن الفحم الساقط على الأرض، كان الرجل قد بدأ بالفرار.
“تباّ!”
فسلّمت ديزيريا جيزيلا إلى صاحب البسطة الذي كان متجمدًا من الصدمة.
“من فضلكَ راقب هذه الفتاة قليلًا.”
و ما إن خرجت من الزقاق حتى رأت الرجل يندفع إلى زقاق آخر. فهمّت بملاحقته، لكن موكب المهرجان قطع طريقها.
“تنحّوا قليلًا!”
صرخت ديزيريا، لكن لم يلتفت إليها سوى شخصٍ أو اثنين.
ثم تقدّم أحد أفراد الأمن.
“أيتها السيدة! مهما كان الأمر، لا يجوز تعطيل الفعالية، ماذا تفعلين؟”
“كنتُ أمسك بخاطف، وهو على وشك الهرب!”
“ماذا؟ خاطف؟ وفي نطاقنا؟ ومن شخصٍ غريب؟!”
جزّت ديزيريا على أسنانها.
حين كانت جيزيلا على وشك أن تُختطف لم يظهر لهم أثر، والآن بدأوا بالجدل حول أمور سخيفة.
“هذا ليس وقت-!”
“ديزيريا، اهدئي.”
ثم ظهر لازار فجأة ودفع الرجل الذي حاول اختطاف جيزيلا. و سقط الرجل أرضًا كما لو أُلقي به.
ثم رمق لازار رجل الأمن بنظرةٍ حادة.
“صحيح أن الأمن لا يستطيع تغطية كل الأزقة، لكن إذا ورد بلاغٌ فعليكم التعامل معه، ما علاقة الاختصاص الآن؟”
“البلاغ غير المؤكد.…”
“أم أنكَ لا تريد التورط في أمرٍ مزعج؟”
أطبق رجل الأمن فمه. وأشار لازار إلى الخلف.
“آه، وبالمناسبة، الشخص الذي كاد يُختطف سيكون في ذلك الزقاق على الأرجح، اسمعوا منها ما حدث، ولا تجعلوها تواجه هذا الرجل.”
ثم أمسك لازار بيد ديزيريا.
“هيا.”
و انجذبت ديزيريا خلفه إلى الساحة. وكان لازار الذي حافظ على ملامح قاسية قد أرخى تعابيره.
“ليس كل الناس يفكرون ويتصرفون مثلكِ.”
“كون الآخرين يتجاهلون لا يعني أن عليّ أن أتجاهل أيضًا.”
“الاستقامة ليست عيبًا، بل إنني التقيتكِ أول مرة لأنكِ لم تتجاهليني، لكن يؤسفني أننا خسرنا وقتًا كان من المفترض أن نقضيه بمرح.”
فرفعت ديزيريا نظرها إلى السماء. بدا أن الوقت لا يزال طويلًا قبل الغروب. و من غير المعقول أن يحدث أمرٌ آخر.
صحيحٌ أن الأماكن المزدحمة تشهد حوادث كثيرة، لكن الجرائم لا تقع عبثًا في الأماكن الخالية.
فتحدّثت ديزيريا وهي تفكر بذلك.
“إذًا لنمرح الآن على أكمل وجه.”
و اتسعت عينا لازار قليلًا بدهشة. بينما مالت ديزيريا برأسها.
“لماذا؟ ألم تُحضرني إلى هنا لهذا السبب؟”
“صحيح.”
فابتسم لازار وجذب يدها. و قادها إلى إحدى البسطات.
فرك صاحب البسطة كفيه وتهلّل وجهه.
“أهلًا وسهلًا! هل تودّان تجربة لعبة صيد القراصنة؟”
تفحّصت ديزيريا البسطة. وبحسب أسطورة القديس أناكاريو، كانت الحجارة مرسومةٌ بوجوه قراصنة مصطفّة.
“عليكِ إصابة تلك الحجارة بهذا.”
قدّم صاحب البسطة قوسًا صغيرًا.
ولأنه ليس سلاحًا حقيقيًا، كان رأس السهم عبارةً عن كرة قماش مغطاةٍ بالطلاء بدل المعدن.
“لماذا الطلاء الأخضر تحديدًا؟”
“لو استخدمنا الأحمر لبدت كأنها دماء، والأطفال سيلعبون أيضًا، سيكون ذلك عنيفًا جدًا.”
بدت حجةً واهية، لكن ديزيريا قررت تجاوزها.
“كم السعر للمحاولة الواحدة؟”
“أنا دفعت.”
فابتسم صاحب البسطة وأومأ مرارًا.
“شكرًا.”
ثم وجّهت ديزيريا القوس. و أصاب السهم حجرًا بدقة ثم ارتد.
كادت تتذكر لحظة قتلها أعداءً في المعركة، لكن لحسن الحظ لم يحدث ذلك. فقد كان وجه القرصان الملطخ بالطلاء مضحكًا لدرجة جعلتها تضحك.
أصابت ديزيريا ثلاثة أحجارٍ بثلاثة سهام. و ناولها صاحب البسطة قطعة قماش صغيرة كجائزة.
وعندما نشرتها، كان عليها رسمٌ للقديس أناكاريو وهو يقضي على القراصنة.
“الآن دوري.”
أخذ لازار القوس من يد ديزيريا. وحين اتخذ وضعيته، عبست ديزيريا قليلًا.
“ما هذه الوقفة؟”
“لماذا؟ أليست صحيحة؟”
“مدّ ذراعكَ قليلًا أكثر.”
“هكذا؟”
هزّت ديزيريا رأسها نفيًا. فطريقة تصويب السهم نفسها كانت غريبة من الأساس.
و ابتسم لازار لها.
“إذًا تعالي وعلّميني بنفسكِ.”
“حسنًا.”
فوقفت ديزيريا إلى جانب لازار وعدّلت وضعيته.
“ارفع كوعكَ أكثر قليلًا، هكذا.”
ثم انطلق سهم لازار فمسّ الحجر ومضى. و عاد وضع لازار يختل وهو يصوّب السهم الثاني.
“تخيّل أنكَ تفتح صدركَ أكثر قليلًا.”
وضعت ديزيريا يدها على أعلى ذراع لازار.
“هكذا تقصدين؟”
“وجّه أكثر إلى اليسار.”
و لأنه وجّه كثيرًا إلى اليسار، أصاب السهم الثاني حجرًا مجاورًا لا الحجر الذي حدده صاحب البسطة.
“أنا لستُ بارعًا في استخدام القوس، هلّا تعيدين ضبط وضعيتي؟”
“ارفع ذقنكَ قليلًا.”
وضعت ديزيريا سبابتها على ذقن لازار. وقبل أن تنهي كلامها عن ضرورة النظر حتى النهاية إلى الهدف، أفلت لازار الوتر.
أصاب السهم الثالث مركز الحجر بدقة. عندها فقط أدركت ديزيريا أن لازار كان يتلاعب بها.
“حقًا.…”
وحين انتهيا من البسطة تعمدت ديزيريا أن تسرع في مشيها لتترك مسافةً بينها وبينه.
أرادت مسافةً تُظهر أنهما معًا دون أن يكونا ملتصقين. لكن لازار، وكأنه لا يريد ذلك، لحق بها ملاصقًا.
وبما أنه أطول منها برأسٍ تقريبًا وساقاه أطول، لم يكن من الصعب عليه مجاراتها.
فبدأ لازار يثير حنق ديزيريا.
“تمهّلي، سنصل إلى الساحة قريبًا، وسيكون هناك الكثير من الناس.”
وكما قال لازار، كادت ديزيريا أن تصطدم بفتياتٍ صغيرات. فأمسك لازار بكتفها ودفعها قليلًا إلى الجانب.
“انتبهي.”
نظرت ديزيريا إلى الفتاتين ثم إلى الساحة. رغم أن الوقت كان متأخرًا، كانت تعج بالناس. و الأضواء مشتعلةٌ في كل مكان، وبشيءٍ من المبالغة يمكن القول أنها تشبه وضح النهار.
بينما لم يرفع لازار يده عن كتفها.
“لا بأس، أنا هنا لأحميكِ.”
أربكها حجم الحشد الذي فاق توقعها. في صغرها لم تفكر بالأمر، لكن الآن بدا عدد الناس مهولًا.
زلّة قدم واحدة كفيلة بأن تجرفها في اتجاهٍ غير مقصود.
‘إلى أين؟’
توقفت ديزيريا بعدما حاولت الخروج عشوائيًا وهي لا تعرف الطريق.
“لازار.”
“نعم؟”
“أنتَ تعرف المكان جيدًا، أليس كذلك؟ قلتَ أن والدتكَ من هنا؟”
“نعم.”
تصلّب وجه لازار للحظة عند ذكر كلمة والدته.
“إذًا دلّني على الطريق. السوق مزدحمٌ جدًا وأود الذهاب إلى مكانٍ أهدأ قليلًا.”
لم تبدُ مشاعر لازار تجاه والدته إيجابية، لكن ديزيريا قررت ألا تحكم على شخصٍ لم تلتقه قط.
“لنذهب من هناك.”
أشار لازار إلى جهةٍ تتشابك فيها الأزقة على شكل شعاعي. كان الاتجاه معاكسًا تمامًا لمكان تمثال القديس أناكاريو الذي بالكاد يُرى.
وحين بدأت المنطقة تخلو من الناس بسرعة، رمقته ديزيريا بنظرةٍ متشككة.
“ليس طريقًا مختصرًا تمامًا، لكنه يوصل. ولدي شيءٌ أود أن أريكِ إياه في الطريق.”
“حسنًا، على أي حال من دونكَ سيكون من الصعب عليّ السير وحدي.”
كلما تقدما في الأزقة ازداد المكان ظلمةً وهدوءًا. و كان السكان يغلقون نوافذهم وينظرون إليهما بطرف العين.
بدا أن أهل المكان لا يرحبون كثيرًا بالزوار القادمين من أجل المهرجان. لكن نظراتهم لم تكن تميّز ديزيريا ولا لازار عن بقية رواد الساحة.
فتوترت ديزيريا. لم يكن ذلك خوفًا من أن يقودها لازار إلى مكانٍ مريب، بل لأن الأزقة المظلمة في مدينة غريبة كافيةٌ لإثارة الحذر.
ومن خلف مبانٍ بارتفاع ثلاثة طوابق تقريبًا، كانت أضواء الساحة البعيدة تلمع بخفوت.
“هل هذا الطريق صحيح؟”
سألت ديزيريا. و أكد لازار ذلك، لكن الطريق بدأ يتحول تدريجيًا إلى منحدر صاعد. و كان بعض الأشخاص يجلسون بين حينٍ وآخر ليستريحوا على الطريق الحجري المصقول.
ومع الخروج من الأزقة، بدأت الأسطح المنخفضة تختفي. و صار الجبل من جهة، والجدار من الجهة الأخرى.
“هل ستُريني منظرًا ليليًا؟”
لم تكن قد تعبت بعد، لكنها شعرت أن الاستمرار أكثر قد يرهقها في الغد.
ثم أشار لازار إلى فتحةٍ في الجدار.
“إن أردتِ رؤية المنظر الليلي، فشاهديه الآن. هنا أفضل نقطة.”
فاقتربت ديزيريا من الجدار. و كان مركز الطرق المتشعبة كشبكة عنكبوت لا يزال مضاءً ببريق واضح.
“متى ينام هؤلاء الناس أصلًا؟”
______________________
خير حسبتهم بيتهاوشون شوي دامها زعلت من حركته بس ماش قدر ياخذها على كيفه
المهم كنت متوقعه انه كذتب بس يبيها تعلمه وتعطيه انتشن يضحك هو وانتهاز الفرص حقته😭
وليته يعلمها بقصته كامله بس شكله تو علاقتهم
صحح ولا عطا ردة فعل يوم قالت احبك الفصل الي راح خير ؟😭
التعليقات لهذا الفصل " 33"