كان لازار جالسًا على السرير، مسندًا ذقنه إلى يده. فبعد أن أعاد ديزيريا إلى ليونتين وجيرار، شعر بفراغٍ غريب.
و قد تعمّد البقاء في المبنى نفسه بحجة أنه سيبقى مدينًا لبدوان. لكنه مُنع من مرافقة ديزيريا إلى غرفتها بحجة أنهما لم يتزوجا بعد، لما؟ لم يكن ينوي النوم معها.
‘ومع ذلك لا أستطيع التحمّل.’
فتح لازار النافذة وقاس المسافة إلى نافذة الغرفة المجاورة. كانت مسافةً يمكن تجاوزها دون جري. وحتى لو سقط، فالشجيرات أسفل النافذة كفيلةٌ بتخفيف السقوط.
فقفز بخفةٍ إلى إطار النافذة المجاورة وطرق الزجاج.
“ديزيريا.”
قفزت ديزيريا من مكانها وكأنها فُزعت. و ما إن فتحت النافذة حتى عانقها لازار فجأة.
وقبل أن تنطق بكلمة، أمسك وجهها.
“لم تكوني نائمة؟”
“لا أستطيع النوم.”
كانت الهالات حول عينيها واضحة. بدت عيناها الذهبيتان كالشمس خلف سحابةٍ خفيفة، بلا تركيز.
“وأنتَ، ألا تنام في هذا الوقت المتأخر؟”
“أنا أيضًا لا أستطيع النوم. هل نتمشّى قليلًا؟”
“في هذا الوقت؟ أليس خطرًا بلا داعٍ؟”
عند رفضها، عبس لازار.
لم تقل أنها متعبةٌ أو لا تريد، بل قالت إن الخروج في هذا الوقت خطر.
صحيحٌ أن الليل وقتٌ لا يملكه أحد، لكنه لم يكن ينوي الذهاب إلى مكانٍ خطير.
وبفضل تدريبه القسري أثناء عمله الاستخباراتي، كان قادرًا على التعامل مع أي معتدٍ عادي. ومع ذلك، بدا أن إقناع ديزيريا سيستغرق وقتًا.
كانت مستيقظةً فعلًا، لكن ملامحها أقرب لمن لا يستطيع النوم رغم رغبته.
“حسنًا، لنجعل النزهة نهارًا. غدًا لنذهب معًا إلى المهرجان.”
“حسنًا.”
أجابت ديزيريا بفتور وفركت عينيها. ثم أمسك لازار يدها قبل أن تواصل الفرك خشية أن تؤذي وجهها.
“ألا تفضلين غسل وجهكِ؟ هل أُحضر لكِ ماءً؟”
“فعلت قبل قليل.”
“هل أُنوّمكِ؟”
“لا بأس، لستُ طفلة.…”
“إن لم تنامي جيدًا فلن نستمتع غدًا.”
وقبل أن تجيب، قادها لازار إلى السرير. فاستسلمت وجلست.
و أشار لها أن تسند رأسها على ذراعه، فاستلقت دون كلمة.
“لا تنم قبلي.”
قالت ذلك وهي تحدق في السقف. فضحك لازار بخفة.
“لن أفعل.”
“حتى لو كنا مخطوبين، لن يسرّ والديّ الأمر إن انكشف.”
“أيعني هذا أن وجودي لا يزال يزعجكِ؟”
فتحت ديزيريا عينيها على اتساعهما، ثم أطبقت شفتيها.
“ربما.”
“لا بأس. لنتقدّم ببطء. الآن نامي ولا تفكري بشيء.”
فأغمضت ديزيريا عينيها. وبعد قليل، استقر تنفّسها بانتظام.
و كان لازار يحدّق في جانب وجهها، ثم سحب ذراعه بحذر.
“تصبحين على خير يا حبيبتي. أراكِ غدًا.”
***
استيقظت ديزيريا في صباح اليوم التالي، وكانت الشمس في كبد السماء.
عدّلت مظهرها على عجل وركضت نزولًا على الدرج.
“أوه، استيقظتِ؟”
رفع جيرار الخبز في يدِه.
وقد كان ليونتين وجيرار وبدوان ولازار يتناولون الطعام.
“لماذا لم يوقظني أحدٌ حتى هذا الوقت؟”
“ولماذا؟ هل كان عليكِ الاستيقاظ مبكرًا لشيءٍ ما؟”
سألت ليونتين. و فكرت ديزيريا قليلًا، ثم نظرت إلى لازار. ربما لأنه بقي إلى جانبها، نامت بعمقٍ دون حتى أن تحلم.
فابتسم لها لازار و تحدّث لليونتين.
“إن لم نكن سنشاهد شروق الشمس، فالمهرجان مناسبٌ في أي وقت. والأشهر من الشروق هو عرض الألعاب النارية، لنشاهده غدًا، أما اليوم فلنتمشَّ في السوق.”
بعد الانتهاء من الطعام، توجّه لازار و ديزيريا إلى السوق. وقد كان السوق قريبًا.
مرّت بجانبهما مجموعةٌ من الفتيات يرتدين أزياء ترمز إلى القديس الحامي لرودوريكا. القديس أناكاريو الذي عمّد القراصنة الوثنيين، وقاد البحرية للإمساك بتجار العبيد.
كانت الأقمشة بسيطةً ومتاحة، لكنها لم تبدُ رخيصة.
ورغم شهرة المدينة بصناعة الزجاج باستخدام رمال الشاطئ، بدا أن حرفيي النسيج فيها يتمتعون بمهارةٍ عالية أيضًا.
“سأذهب قليلًا إلى هناك.”
أشارت ديزيريا إلى جهة البسطات التي أقامها الحرفيون، فأومأ جيرار بيده علامة الفهم.
كانت القطع الزجاجية تتلألأ تحت أشعة الشمس، وكلما هبّت نسمةٌ خفيفة اصطدمت الشظايا الزجاجية الرقيقة ببعضها وأصدرت رنينًا صافياً.
“هل أشتري لكِ واحدة؟”
سأل لازار بينما كانت ديزيريا تراقب السوق، فلوّحت بيدها نافية.
“لا، وما الذي سأفعله بها أصلًا؟ لا مكان لديّ أعلّقها فيه.”
“هيا، عندما يقول لكِ سأشتري، قولي نعم!”
بدت التاجرة وكأنها لا تريد تفويت الزبون، فانحنت بجذعها إلى الأمام.
كانت امرأةً في منتصف العمر، قد يبدو مظهرها ودودًا للوهلة الأولى، لكن حيوية التجار الصاخبة كانت واضحةً فيها.
شعرت ديزيريا بالضغط فتراجعت خطوةً عن البسطة، بينما اقترب لازار من التاجرة أكثر.
“هل هناك شيءٌ تنصحين به؟”
أمام ابتسامة لازار اللطيفة، رمشت التاجرة بعينيها بذهول. و سرعان ما ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ عريضة، وأخرجت وهي تدندن جرسًا صغيرًا يُعلّق على الأبواب.
“ما رأيكَ بهذا؟”
“جميل.”
“يبدو أن تلك الفتاة خجولةٌ جدًا. سأخصم قليلًا من أجلكَ أيها الشاب.”
ألقت التاجرة نظرةً سريعة حولها ثم همست في أذن لازار. و لم تسمع ديزيريا جيدًا، لكن مع تبادل كلماتٍ تتعلق بالأرقام بدا واضحًا أنهما يساومان.
ثم عاد لازار إلى جانب ديزيريا بعد أن حصل على قطعةٍ فنية جيدةً بسعرٍ زهيد. وعندما رأت ديزيريا تعبير الرضا على وجهه، ضحكت بخفة.
“يبدو أن الجميع يحبكَ، خصوصًا السيدات.”
“تقولين ذلك وكأنكِ لستِ من ضمن هؤلاء؟ هناك امرأةٌ واحدةٌ فقط أريدها أن تحبني.”
“وهل يوجد من قد يكرهكَ أصلًا؟”
قالت ديزيريا ذلك بلا تكلّف.
بدا أن لازار، إن أراد، لا يعجز عن أسر قلب أحد. حتى مجموعة الفتيات المارات خلفه لم يستطعن صرف أنظارهن عن جانبه.
“أنا أيضًا أحبكَ.”
ثم أكملت ديزيريا بذلك بصوتٍ منخفض وكأنها تترك الكلمات تنساب.
وفي آخر المجموعة، كانت هناك فتاةٌ تُسحب من يدها على يد صديقاتها وتختفي في الزقاق.
لم يكن هناك داعٍ لمعاملة من يبدي الود بسوء، لا سيما إن كان شخصًا يفيض سحرًا.
“همم، إذًا.…”
كان لازار على وشك أن يقول شيئًا آخر، لكن صرخةً مفاجئة قطعت الجو.
“أنقذوني!”
“تعالي إلى هنا!”
ارتفع صوتٌ خشن في الشارع الذي كان يعج بالمرح. و استدارت ديزيريا فرأت رجلًا يمسك شعر امرأةٍ كانت تحاول الهرب.
وعندما تجمعت أنظار المارة، انحنى الرجل متذللًا.
“هذه المرأة تشرب منذ الصباح وفقدت وعيها! أعتذر! سأصطحبها إلى البيت وأؤدبها!”
فهزّت المرأة رأسها بيأس. و التقت عينا ديزيريا بعينيها، فرسمت المرأة بفمها إشارة استغاثة.
كانت ديزيريا تنوي مساعدتها على أي حال، لكن بعد أن عرفت من تكون، لم يعد بإمكانها التراجع.
“جيزيلا؟”
كانت ابنة آنا، إحدى قادة السبعة.
فوضعت ديزيريا يدها على مقبض سيفها وتقدمت نحو جيزيلا.
“لا تبدو ثملةً على الإطلاق.”
كان الرجل وجهًا غريبًا لا تعرفه ديزيريا. لم تكن ترغب في التدخل في شؤون الآخرين، لكنه لم يبدُ حبيب جيزيلا.
وحتى لو كان كذلك، فإن مظهره القاسي لم يوحِ بأنه شخصٌ صالح.
مرّ ارتباكٌ واضح على وجه الرجل حين نظر إلى ملابس ديزيريا. قميصٌ وبنطالٌ نظيفان بمقاس مناسب لا يبرزان القوام، و رداءٌ قصير فوقهما.
لم تكن ترتدي درع الصفائح، لكنها كانت بوضوح زيّ الفرسان.
“هل أنتِ من أفراد الحرس؟ أعتذر لإثارة الفوضى.”
“لستُ من الحرس، لكنني سأسلم هويتكَ إليهم.”
“لا داعي لكل هذا التعقيد!”
صرخ الرجل بغضب، فردت ديزيريا بهدوء.
“إن كانت ثملة، فلتجلس حتى يزول سُكرها.”
“هذا شأني أنا.…”
“وتظن أنكَ قادرٌ على التعامل مع الأمر؟ دع الأمر لمن يستطيع حله دون اللجوء إلى العنف.”
ثم أشارت ديزيريا إلى لازار.
“لازار، سأبقى هنا، اذهب وأحضر الحرس.”
لم يبدُ لازار مسرورًا، لكنه أومأ برأسه.
وبدأ المارة الذين كانوا يتهامسون بالمغادرة ظنًا منهم أن الوضع سيهدأ.
و تحت نظرة ديزيريا الحادة، أفلت الرجل يد جيزيلا. فركضت جيزيلا نحوها.
“شكرًا لكِ، شكرًا جزيلًا.…”
كانت تهمس بامتنانٍ متكرر. لكن ديزيريا فصلتها عن نفسها برفقٍ وسألت،
“ما الذي جاء بامرأةٍ من فاسيديا إلى رودوريكا؟”
_____________________
نسيت من آنا بس ياويلس يا جيزيلا طحت بوحده تمشي بالنظام😂
و لازار بيشخصن معها واضح دامها خربت موعده مع ديزي ✨ واذا قعدت جيزيلا معهم بيشخصن اكثر✨
التعليقات لهذا الفصل " 32"