“يبدو أن الوقت قد حان للانطلاق.”
لمس بودوان كتف لازار وقال ذلك.
و كان لازار يفكّر في طريقةٍ قد تدفع ديزيريا إلى استرجاع تلك الذكرى، فرفع نظره إلى بودوان.
و أشار بودوان بعينيه نحو ديزيريا.
“لن توقظها؟”
فمال لازار بجسده نحو ديزيريا وهو لا يزال جالسًا على الأرض.
حين سقط ظل لازار على وجهها، فتحت ديزيريا عينيها ببطء. وبالكاد يمكن القول أنها استيقظت، إذ أغلقت عينيها من جديدٍ فورًا.
“متعبةٌ جدًا؟”
سأل لازار. فأطلقت ديزيريا أنينًا خافتًا بدلًا من الإجابة.
قد يكون مجرد تذمّر نائم، لكن لازار لم يستطع تجاهله. فنهض من مكانه ثم عاد ليجلس. و تدلّى رأس ديزيريا بلا قوة حين حملها بين ذراعيه.
ثم أومأ لازار بذقنه نحو الأرض لبودوان.
“اهتمّ بهذا.”
خطف بودوان العباءة التي كانت ديزيريا مستلقيةً عليها. و لم يكن تعبيره مريحًا، لكنه أظهر موقفًا يوحي بأنه يفعل ذلك لأنه هو فقط.
بعد أن نفض الغبار عن العباءة، أعادها إلى صاحبها الأصلي، جيرار. دخل جيرار وليونتين إلى العربة. و أغلق بودوان الباب ثم صعد إلى مقعد السائق.
أيقظ لازار ديزيريا قليلًا ووضعها على ظهر الحصان. كانت لا تزال بين النوم واليقظة، فجلست مترنّحةً فوق الحصان.
“لماذا لا توقظها بالكامل؟”
قال بودوان ذلك بلا فهم. فهزّ لازار رأسه.
“لا. ما زال الأمر بخير. قد يكون من الأفضل أن تبقى نائمةً أثناء التفتيش.”
***
لم يستطع الخادم مغادرة القصر الملكي، فظلّ يتجوّل في الممرات.
تلقّى أمرًا باستدعاء الجنرال مارسو، فأغلق الباب، ثم أدرك أنه لا يعرف من هو الجنرال مارسو أصلًا ولا كيف يبدو شكله.
خاف أن يُحاسَب ويُقطع رأسه، فعاد ليسأل ولي العهد أنسيلم أين يمكنه مقابلة الجنرال مارسو.
جمع شجاعته ودخل، لكن نظرات أنسيلم الحادّة وزمجرته أجبرته على الفرار.
‘حتى لو أردتُ إرسال حمامة زاجلة، لا أعرف أين هو، فماذا أفعل!’
وبينما كان يمسك وجهه ويمسحه، وقعت عيناه على كبير الخدم. فاندفع نحوه مسرعًا.
“سيدي كبير الخدم، هل تعرف الجنرال مارسو؟”
رمقه كبير الخدم بنظرةٍ جامدة. بدا أن ركض الخادم في ممرات القصر دون وقارٍ أزعجه.
“الجنرال مارسو؟”
“ولي العهد أمر باستدعائه، لكنه لم يخبرني أين أذهب للعثور عليه!”
“يبدو أن سموه مشغولٌ بصفته وصيًا. من الطبيعي أن نتولى نحن مثل هذه الأمور.”
أمسك الخادم بكمّ كبير الخدم. و تفاجأ كبير الخدم من هذا التصرف المفاجئ.
“وإن لم أعرف وسقط رأسي، ماذا ستفعل؟!”
“لا أستطيع إخباركَ أنا أيضًا. اذهب واسأل الحارس.”
نفض كبير الخدم يده ومضى بلا اكتراث. فأسرع الخادم بخطاه بحثًا عن الحارس. و كان القلق من أن يُقطع رأسه فعلًا يجعله يضلّ الطريق مرارًا.
“أتبحث عن الجنرال مارسو؟”
ثم ظهر رجلٌ نحيل في ممرٍ ضيّق من ممرات القصر المتشابكة كالمتاهة.
كاد الخادم يسقط وهو يتوقف فجأة. فقد كان الرجل النحيل يرتدي السواد من رأسه إلى قدمه، وابتسم ابتسامةً ساخرة وهو ينظر إلى الخادم.
مسح الخادم العرق عن جبينه بإحراج. و كان ظهره قد ابتلّ بالعرق تمامًا.
“نعم، نعم.”
“اتبعني. سأقودكَ إليه.”
“أ، هل تعرف أين يوجد الجنرال مارسو؟”
“وكيف لا أعرف.”
“شكرًا جزيلًا!”
بدافع الفرح، حاول الخادم الإمساك بيد الرجل. فتراجع الرجل خطوةً إلى الخلف. ولوّح بيده نحو الخادم المرتبك.
“لا داعي للشكر، فقط هيا بنا.”
***
استيقظت ديزيريا من النوم فقط حين تباطأت خطواتهم قليلًا بسبب التفتيش.
“دعني أرى.”
تفحّص مسؤول نقطة التفتيش رفاق ديزيريا بنظرةٍ سريعة.
فتح العربة، لكنه لم يفتّش الحقائب أو يعبث بها. وبعد أن أغلق الباب، سأل لازار.
“لا تحملون شيئًا مريبًا، أليس كذلك؟ أسلحةً مثلًا.”
“أنا مرتزق، لذا أحمل سلاحًا، لكن لن تكون هناك حاجةٌ لاستخدامه.”
“آه، حقًا؟ حسنًا، تفضلوا. مرور!”
كان هذا كل شيء. انتهى التفتيش الذي كانت ديزيريا تخشاه بسرعة مثيرة للدهشة.
ظنّت أن التفتيش سيكون صارمًا لأن المكان مزدحمٌ بالناس، لكنه لم يكن كذلك على الإطلاق.
“قلت لكِ إنه لا شيء يُذكر، أليس كذلك؟”
فابتسمت ديزيريا بخجل عند كلام لازار.
“أشعر وكأن توتري كان بلا داعٍ.”
لم يبدُ مسؤولو التفتيش وكأنهم يتصرّفون بتراخٍ لمجاراة أجواء رودوريكا كمدينة استجمام.
كان عدد الناس هائلًا، ويبدو أنهم يتكاسلون لأن الحوادث الكبيرة لا تقع حتى مع الإهمال.
“أحسنتِ. لا ضرر من الاستعداد، أليس كذلك؟”
أومأت ديزيريا برأسها. ربما كان يقصد تهدئتها، لكن كلام لازار كان منطقيًا.
“هل تريدين أن تأكلي؟”
رفع لازار كيسًا من الوجبات الخفيفة كان قد اشتراه للتو. انتشرت منه رائحةٌ تختلط فيها الزيوت والكريمة والشوكولاتة، رائحةٌ تجعل اللعاب يتجمع في الفم.
و كان جيرار في الخلف قد وضع واحدةً كاملةً في فمه وبدأ يمضغ.
فأومأت ديزيريا برأسها للازار.
“نعم. القطعة الواحدة عالية السعرات، فتكون جيدةً أثناء الحركة. لذلك حتى المفترسات مثل الدلق تحبها على غير المتوقع….همم؟”
قبل أن تتمكن ديزيريا من التفاعل، كان لازار قد أدخل الخبز في فمها.
و حين قضمت قضمةً من القشرة المقلية الطازجة والمقرمشة، تصاعد بخارٌ دافئ. وما إن أدركت ديزيريا ماهية الخبز حتى تذمرت.
“كيف تضع شيئًا في فمي هكذا من دون أن أراه أصلًا؟”
“أكنتِ تخشين أن أطعمكِ شيئًا غريبًا؟”
“ليس هذا، لكن….”
قررت ديزيريا أن تتظاهر بنسيان حادثة اغتيال أوفيد بالطعام.
كان لازار قد طمس القضية، لكن ديزيريا هي من أغمضت عينيها عنها، ولا فائدة من نبشها مجددًا. وكما قال لازار، لم يكن لديه دافعٌ ليطعم ديزيريا شيئًا غريبًا.
وبينما كانت تترك الفكرة تمر، كان الخبز قد انزلق بالفعل إلى حلقها.
“لذيذ.”
تمتمت ديزيريا. وبدا أن ذلك أراح لازار، فارتفعت زاوية فمه.
طوى لازار كيس الوجبات الفارغ بعناية. وبعد أن أنهى حركته، أشار بإبهامه إلى الخلف.
“إذا ذهبنا قليلًا من تلك الجهة، فهناك شاطئ.”
مدّ لازار يده إلى ديزيريا. و همّت بالإمساك بيده ثم مسحت كفها على فخذها.
كانت تخشى أن يكون العرق قد أزعجه. عندها مدّ لازار ذراعه.
“لنذهب ونعود بسرعةٍ قبل أن تغرب الشمس.”
تشابكت ذراع ديزيريا بذراع لازار. وبسبب الحر، لم تلتصق به تمامًا.
قاد لازار ديزيريا معه. وحين التقت عيناها بوالديها، احمرّ وجهها.
كانت عينا ليونتين تلمعان، بينما بدا جيرار متحفظًا قليلًا، مطبق الشفتين. وحتى بودوان لم يكن يبدو مستمتعًا بالمشهد.
شعرت بالحرج وحاولت سحب ذراعها. بينما شدّ لازار قبضته، فرفعت ديزيريا نظرها إليه. و ابتسم هو بخفة.
“لا تهتمي. لسنا نفعل شيئًا مخجلًا.”
في تلك اللحظة مرّ أمامهما عاشقان متشابكا الأذرع. و أشار لازار إليهما بعينيه وكأنه يقول انظري. فتنحنحت.
نظرت ديزيريا إلى ذراعها اليسرى المتشابكة بذراع لازار اليمنى. و كان الخاتم في بنصر يدها اليسرى يلمع، كأنه يشهد على ذلك.
كان لازار محقًا. صحيحٌ أنهما لم ينالا بعد موافقةً رسمية بحضور كاهن، لكن ديزيريا ولازار كانا مخطوبين.
لم يكونا يتبادلان المداعبات سرًا في الأزقة، وتشابك الأذرع لا يعدو كونه أمرًا لطيفًا.
“شاطئ، فكرةٌ جميلة.”
عبثت ديزيريا بجيبها بيدها اليمنى. و كان هناك صندوق الخاتم الذي نسيته يحتك بفخذها مع كل خطوة، كأنه يحتج طالبًا أن يُخرج.
وحين مالت قليلًا لتنظر إلى يد لازار اليسرى، رأت خاتمين في إصبعه.
هل كان هذا حقًا الاختيار الصحيح؟
“أنا ذاهبٌ إلى البيت!”
صرخ بودوان من الخلف. فرفع لازار يده موافقًا من دون أن يلتفت.
“البيت؟”
سألت ديزيريا باستغراب، فشرح لها لازار أمر بودوان.
“رغم شكله، لديه عائلة. زوجةٌ وابنة صغيرة.”
“هكذا إذاً.”
التفتت ديزيريا إلى الخلف. و كانت تتساءل أين ذهب والداها، فإذا بهما يسيران مع بودوان.
و وصلها صوت بودوان وهو يتحدّث.
“دعوهما وشأنهما، ولننسحب نحن بلباقة.”
نظر جيرار إلى لازار متسائلًا عمّا يعنيه هذا الكلام. فأمسك بودوان بذراع جيرار وسحبه.
“بهذا العمر يكون قد كبروا بما فيه الكفاية! حتى لو كان لديهم طفلٌ فلن يكون الأمر غريبًا! ألم نأتِ معًا إلى هنا لأنكم وافقتم أصلًا؟”
“آه، لكن….”
“لازار قد يبدو طائشًا، لكنه لا يتجاوز الحدود. وحتى من وجهة نظري، ابنتكَ ليست بتلك اللامبالاة. لا تقلق.”
واصل بودوان إغراق جيرار بالكلام. وتبعتهما ليونتين، فاختفوا جميعًا خلف زاوية الطريق.
ثم قاد لازار ديزيريا حتى وصلا إلى الشاطئ الرملي.
على الرمال البيضاء قبل غروب الشمس تمامًا، كان الناس يغادرون واحدًا تلو الآخر. وهناك فتاةٌ غمست قدميها في البحر خلف حبيبها ثم ضحكت ضحكةً رنانة وهربت.
“إنه وقتٌ جميل.”
قالت ذلك عجوزٌ كانت جالسةً على منشفة فوق الرمل، وهي تنظر إليهما بعينين راضيتين. فتوقفت نظرة ديزيريا عند العجوز لحظة، فبادلتها العجوز بابتسامةٍ دافئة.
“إنه وقتٌ جميلٌ فعلًا.”
شعرت ديزيريا بحرارةٍ تسري في وجهها. بينما سمعت ضحكة لازار.
“شكرًا لكِ، يا سيدتي.”
____________________
هاعا بكره العرس
مسكين بودوان يتخطى لازار احترامه له صفر😭
المهم اشوا طقوا ولا لحقهم النشبه ذاك الحين ابي احداث هاديه بس واضح اخو لازار بينشب بعد😔
عادي اهم شي يتزوجون ✨
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 30"