هل كان ذلك قبل بضعة عقود؟ كانت هناك أميرةٌ ما أُرسلت إلى دير، وفي طريقها تبادلت النظرات مع رجل، أكان من عامة الشعب أم من نبلاء الدرجة الدنيا؟
ويبدو أنه منذ تلك الحادثة بدأ كرسي المعبد يتدخل في شؤون الزواج.
في السابق كانوا يقولون أنه أمرٌ شخصي، وإن اعتراف الرجل والمرأة ببعضهما زوجين يكفي وينتهي الأمر، ثم عادوا ليقولوا أنه رابطٌ مقدس عقده الناس، ولذلك يجب أن يشهده الكهنة.
“حضور الكاهن ليس إلزاميًا بعد، لكن على الأقل حتى لا يستطيع أحدٌ الاعتراض لاحقًا بسهولة.”
و عندما لم تُجب ديزيريا لانشغالها داخليًا بانتقاص المعبد، قدّم لازار مبرره.
فقررت ديزيريا أن تأخذ الأمر ببساطة، وأن ما دام فيه خير فلا بأس.
“حسنًا.”
في هذا الوقت، لعلهم في فاسيديا يقيمون جنازة أوفيد.
وكان من حسن الحظ حقًا أن فابريس لم يذهب إلى كاهنٍ طالبًا منه تولي مراسم الزواج بحماسةٍ زائدة هناك.
***
أمسك فابريس بفارسٍ كان يمر من هناك.
“أنتَ هناك! أنتَ فارس، أليس كذلك؟”
“نعم.”
“أين ذهب القائد جيرار؟”
“أنا في أدنى الرتب تقريبًا، فلا أعلم على وجه الدقة، لكنني سمعتُ أنه أخذ إجازة.”
“إجازة؟”
أطلق فابريس ضحكةً ساخرة.
بينما نظر الفارس إلى الذراع التي كان فابريس يمسك بها. حتى لو كان صاحب العمل، فهذا تصرفٌ فظ.
“أي إجازة، لا بد أنه يفتش عن مكانٍ ليخفي فيه ابنته التي هرب بها!”
ضحك فابريس وحده، ثم استدار ومضى. فنفض الفارس كمّ ثوبه الذي تجعد تحت قبضة فابريس.
و سواء حدّق به الفارس أم لا، توجّه فابريس مباشرةً إلى مكتب الحاكم.
“أبي!”
“فابريس، كم مرةً قلتُ لكَ ألا تفتح الباب وتدخل هكذا بعنف!”
كان الحاكم يوبّخ الخادمة أليس، فسارع إلى الإمساك بالقلم متظاهرًا بالكتابة.
و أليس، التي تعرّضت للإهانة، أمسكت الصينية بقوة.
تفاجأت أليس حين رأت فابريس، الذي يشبه أوفيد الأصغر سنًا قليلًا. و عندما أدركت أنه ليس أوفيد، تنفست الصعداء.
“قلتُ لكَ أن ديزيريا هربت! قالت أنها ذاهبةٌ إلى دير، وفي اليوم نفسه يأخذ والدها إجازة؟ أليس هذا مريبًا؟”
لم يُعر فابريس أليس أي اهتمام.
“هل تظن أن سفر امرأةٍ شابة وحدها أمرٌ سهل؟ لا يمكنه إرسال ابنته وحدها، فلا بد أنه ذهب ليُوصلها.”
“وماذا عن بقية الفرسان؟!”
“افترض أنكَ ذهبتَ إلى دير لتلقي العلم، وأن أوفيد كان حيًا. هل كنت سترسله ليقّل ديزيريا بدلاً منكَ؟”
“لا. ومن يثق بأخٍ مولع بالنساء؟”
“بالضبط. ولو كنتُ مكانه، ولو كانت ابنتي، لكنتُ أنا من أوصلها إلى الدير بنفسي.”
أشار اللورد إلى أليس لتقترب. وما إن اقتربت قليلًا حتى أمسك بذراعها فجأةً وكأنه يحتضنها.
“اخرج ولا تُصب بهوس الشك من الآن. بسببكَ يخاف سكان إقليمي الذين أعدّهم كأبنائي.”
خرج فابريس وهو يغلي غضبًا. بينما حدّقت أليس في الحاكم بنظرةٍ حادة.
أما الحاكم، الذي لم يلحظ شيئًا، فاكتفى بالنظر إلى الباب وهو ينقر بلسانه.
***
“آه، يبدو أنني كبرت في السن، ركوب العربة طويلًا جعل مؤخرتي تؤلمني.”
قالت ليونتين ذلك وهي تنزل من العربة منحنية الظهر.
ولم تكن ديزيريا، التي ركبت الحصان طويلًا، في حالٍ أفضل، فجلست على درجات الكنيسة جلوسًا مناسبًا. وجلس لازار إلى جانبها.
“قلتُ لكم ألا تُحدثوا ضجيجًا هنا!”
اندفع صراخٌ مليء بالعداء فجأة نحو مؤخرة رأس ديزيريا. فاستدارت، و رأت كاهنًا نحيلًا طويل القامة، بملامح عصبية.
تجمدت ديزيريا من الارتباك، فتولى جيرار السؤال بدلًا منها.
“ألا يجوز الجلوس هنا؟”
كان هناك كثيرٌ من الكهنة غريبي الأطوار. من يجمع الضرائب بشكلٍ فاحش ليكوّن ثروةً خاصة، أو لديه عددٌ كبير من الأبناء غير الشرعيين، أو يتحرش بالرجال والنساء على حد سواء، أو يستأجر قتلةً إذا شعر بأن كاهنًا آخر يزداد نفوذًا.
لكن تلك كلها كانت مجرد قصصٍ متداولة. أما أن يتصرف كاهنٌ بهذه الفظاظة العلنية، فهذه أول مرةٍ تراها.
“آه، ظننتكم من الأيتام الفقراء الذين يتسولون هنا عادة. المعذرة.”
“وهل يجوز طرد الأيتام الفقراء وكأنكَ ستقتلهم إن لم يذهبوا؟”
أشار لازار بعينيه إلى السيف الذي كان الكاهن يمسكه. فتنحنح الكاهن، لكنه لم يُخفِ السيف. ثم أجاب بوجهٍ خالٍ من التعبير.
“الكنيسة أرضٌ مقدسة وخارج نطاق القانون، لذلك يفرّ إليها أحيانًا مجرمون سياسيون. لا بد من وسيلةٍ لمواجهتهم.”
“لكن وصف الأيتام الفقراء بالمجرمين السياسيين فيه شيءٌ من التعسف.”
علّقت ديزيريا. و لم يرمش الكاهن حتى.
“لو كانوا مجرد أطفال فقدوا والديهم لما قلنا شيئًا. إنهم أبناءٌ غير شرعيين لا يمكنهم حتى نيل المعمودية بسبب كفرهم، ولذلك لا نُدخلهم.”
عدم نيل المعمودية يعني عدم الاعتراف بهم كأعضاء في الجماعة. ولو كان الأمر مجرد ازدراء لهان، لكنه إعلان بأنهم غرباء تمامًا، لا بأس بنهبهم أو قتلهم.
لم ترَ ديزيريا بنفسها أن الأمور تصل إلى هذا الحد، لكن سماع مثل هذا الكلام من كاهن جعلها تشعر بنفور شديد.
“أليس هؤلاء الأطفال بالذات هم من يحتاجون إلى الحماية؟”
“أتقترحين إدخال ثمار الزنا أو الجريمة إلى الحرم المقدس؟”
“إنكم تبالغون كثيرًا.”
نهضت ديزيريا ونفضت ثيابها.
“نعتذر لأننا أخطأنا فظننا هذا المكان كنيسةً صغيرة، بينما هو مكانٌ مغلق يقف على بابه حارسٌ مسلح بالسيف. وبما أنه ملكٌ خاص للكنيسة حتى لو لم يكن ديرًا، فسنتنحّى جانبًا.”
كان كلامها في جوهره سخريةً من كونه ليس ديرًا ومع ذلك يتصرف بتشدّد وانغلاق.
فحتى الأديرة في الأصل غالبًا ما تختلط بأهل القرى وتعيش بينهم.
وحين قالت أنها ستتنحّى، لم يجد الكاهن ما يرد به، فبقي صامتًا ثم أغلق الباب.
ابتعدت ديزيريا عن الكنيسة مسافةً واضحة، وانتقل بقية الرفاق معها.
“هل أنتِ بخير لو تجاوزنا عهود الزواج دونها؟”
سأل لازار. فأجابت بلا اكتراث.
“ليس كأن كهنة هذا العالم محصورون في شخصٍ واحد. يمكننا فعل ذلك في رودوريكا أو في بيرتيير.”
“حسنًا. ما دمتِ بخيرٍ مع ذلك.”
***
في النهاية قرر الخمسة أن يستريحوا قليلًا قرب البحيرة ثم يواصلوا الطريق.
ومع ارتفاع الشمس أكثر، لمع سطح البحيرة الواقعة في قلب الغابة.
كانت ديزيريا مستلقيةً فوق عباءة والدها، ثم استدارت على جنبها.
و كان ضوء الشمس المنعكس على تموجات الماء قويًا إلى درجة تشعر به حتى وهي مغمضة العينين، فبدا الأمر مزعجًا.
ثم ناولها لازار عباءته حين لاحظ انزعاجها.
“استعمليها كوسادة.”
عباءة جيرار كانت فراشًا، وعباءتها غطاءً، وعباءة لازار وسادة.
لم يكن ذلك يضاهي فراشًا حقيقيًا، لكن يبدو أن الإرهاق غلبها، فنامت ديزيريا مرة أخرى. فأسند لازار ذقنه إلى يده ونظر إليها.
نهضت ليونتين من مكانها حين رأت لازار جالسًا مباشرةً على الأرض. وأشارت له بيدها ليجلس معها فوق عباءتها.
“لا تجلس على التراب، تعال واجلس هنا.”
ابتسم لازار ووضع سبابته على شفتيه. كان رفضًا لطيفًا، فابتسمت ليونتين وتراجعت.
“ماذا تفعل؟”
سأل بودوان لازار. و كان يمضغ شيئًا بنهم، وكأنه من مؤن الطوارئ. فرفع لازار أحد حاجبيه.
“ما الذي تأكله فجأة أصلًا؟”
“وماذا في ذلك؟ لا بأس بتناول وجبةٍ خفيفة.”
لو أنه أغلق فمه أثناء الأكل لكان الأمر أهون، لكنه واصل المضغ والكلام معًا.
ومن صوت القرمشة العالي بدا أنها مكسرات.
وحين أخذ بودوان يخطو بلا انتباه مُحدثًا ضجيجًا، رمقه لازار بنظرةٍ حادة.
“كن هادئًا.”
قال لازار ذلك بصوتٍ منخفض. فتذكّر ما قالته ديزيريا قبل قليل لذلك الكاهن العصبي، واستعاد ذكرى قديمة.
كان يريد أن يتحول من شخصٍ يُحمى إلى شخصٍ يحميها، على الأقل بأن يتركها تنام بسلام، لكن ذلك الأحمق كان يفسد الأمر.
وفوق ذلك، كان غريبًا أن يتمكن من ابتلاع الطعام نفسه الذي استُخدم يومًا لاغتيال شخصٍ عبر رد فعل تحسسي.
هل عليه أن يصفه بالمتسامح أم بالبليد؟
و واصل بودوان المضغ بلا فهم.
“لماذا؟”
لم يجب لازار، بل أشار بعينيه نحو ديزيريا. ففهم بودوان الوضع، وانتقل بحذرٍ ليجلس في مكانٍ آخر.
كان يبدو كأنه سيخرج خنجرًا ويرميه لو لم يلتزم الصمت.
وأيضاً، كانت هناك غربانٌ تنعق بين الحين والآخر.
“لماذا لا تطلب من تلك الغربان أن تصمت أيضًا؟”
فرمق لازار بودوان بنظرة عدم تصديق.
“وكأنني أستطيع التفاهم مع الحيوانات، أي كلامٍ فارغٍ هذا….”
في تلك اللحظة، تدلّت يرقةٌ واحدة من غصن فوق رأسه، معلّقةً بخيط.
لصق لازار الخيط بسبابته وقطعه، ثم رمى اليرقة بعيدًا. فقد كان منظرها المتدلّي فوق وجه ديزيريا مزعجًا.
“على أي حال، التزم الصمت.”
لم يسحق لازار اليرقة تحت قدمه. لكن مجرد رميها بذلك الحزم كان كافيًا ليشعر بودوان بالرهبة، فابتلع ريقه وأغلق فمه مطيعًا.
لم يكن بوسعه أن يأمر العالم كله بالصمت، فاكتفى لازار بأن يسود الهدوء بين الرفاق.
اهتزّت رموش ديزيريا الطويلة وخصلات من شعرها الأشقر الداكن مع النسيم. بينما خفّض لازار صوته وأطلق زفيرًا طويلًا.
مدينة الميناء رودوريكا، المكان الذي التقى فيه ديزيريا ولازار لأول مرة.
حين علم أن ديزيريا لا تتذكر ما حدث قبل تسع سنوات، قال لها أنه لا يمانع البدء من جديد، لكنه في داخله لم يكن قد تخلّى عن ذلك بعد.
______________________
وناسه شكله يبي يذكرها؟ بس شرايك تعلمنا اول قبل تتذكر؟
التعليقات لهذا الفصل " 29"