“إذًا، أرسل رجالًا إلى تلك المدن الثلاث، وللاحتياط أرسل أيضًا إلى فاسيديا و رودوريكا. يكفي أن نستدعي الجنرال مارسّو.”
“نعم، نعم. مفهوم!”
انحنى الخادم وخرج بخطواتٍ سريعة، تكاد تكون أشبه بإطلاق إنذار.
وبذراعين متيبستين من شدة التوتر أغلق الباب، وعندها فقط مسح العرق البارد العالق على جبينه.
‘آه، ظننتُ أن دخولي القصر الملكي سيجعل الأمور أسهل، فإذا بي أدخل طريق الأشواك بقدمي.’
هزّ الخادم رأسه ومضى.
***
كانت ديزيريا تشعر بالإرهاق.
من الهروب سرًا في منتصف الليل، إلى الركوب مجددًا على الحصان نفسه ملتصقةً بلازار، كان وضعًا لا يسمح لها بأن تخفف توترها لحظةً واحدة.
ومع بلوغها حدّها، مال جسد ديزيريا إلى الأمام.
“هل أنتِ متعبة؟”
مدّ لازار وجهه من فوق كتف ديزيريا. فتظاهرت بالنظر إلى الأمام فقط.
“لا. أنا بخير.”
“اتكئي عليّ ونامي قليلًا.”
فهزّت ديزيريا رأسها.
“أليس النوم فوق حصانٍ يهتز باستمرار أمرًا مضحكًا؟ عندما نصل، يمكنني أن أنام نصف يومٍ كامل.”
أغمضت ديزيريا عينيها بإحكام ثم فتحتهما.
حين فكرت بالأمر، أدركت أنها لم تنل قسطًا كافيًا من النوم مؤخرًا. فعلى عكس والديها اللذين كانا ينامان فور إسناد الرأس، كانت ديزيريا تعاني من الأرق ليلًا.
طبيعتها الحساسة لم تكن تساعد على النوم العميق أصلًا، ومع توالي الأحداث الكبيرة مؤخرًا، كان ذلك أمرًا طبيعيًا.
منذ أن أُعدمت على يد جيش أفندل بقيادة الجنرال مارسّو ثم عادت إلى الماضي، لم تستيقظ يومًا بعد نومٍ مريح تشعر فيه بالانتعاش.
ربما كانت الليلة الوحيدة التي نامت فيها بعمقٍ هي تلك التي قال لها فيها لازار أنه لن يزعجها.
“الآن بعد التفكير، يبدو أن سبب عدم نومي الجيد له علاقةٌ بكَ أيضًا.”
مال لازار بجسده قليلًا ونظر في عيني ديزيريا.
“أنا؟ ماذا فعلتُ؟”
“كنتَ تأتي في أوقاتٍ يفترض أن أنام فيها، وتربك أفكاري.”
لم تكن ديزيريا تقول ذلك بجدية. كانت تحاول فقط أن تجد تفسيرًا لإرهاقها، فارتدّ السهم إلى لازار.
“لم تنامي لأنكِ كنتِ تفكرين بي؟”
“لا، ليس هذا!”
أنكرت ديزيريا بقوة ثم غطّت فمها. بدا أنها رفعت صوتها أكثر من اللازم في ليل لا يُسمع فيه سوى وقع حوافر الخيل وصوت عجلات العربة على الطريق الترابي.
ثم تحدّث ازار، الذي كان يمزح، بصوتٍ منخفض.
“لم يكن لدي خيار. ولو سمحت الظروف، لكنتُ بقيتُ ملتصقًا بكِ ليلًا ونهارًا.”
لم تجب ديزيريا. من الواضح أن لازار هو من قال كلامًا محرجًا، لكن وجهها عاد ليسخن من جديد.
ثم أسند لازار ذقنه على كتف ديزيريا.
“إذًا، هل أنام أنا؟”
“ماذا؟ لا! ألن نسقط؟”
“آه، صحيح. هل كان يجب أن أركب في الأمام؟ لكن عندها كان سيُحجب مجال رؤيتكِ، أليس كذلك؟”
“ألا يوجد خيار تقليل الأمتعة وركوب العربة؟”
“ألم تري تعابير والديكِ قبل قليل؟”
استدارت ديزيريا ونظرت إلى العربة.
كان بودوان جالسًا في مقعد السائق شارد الذهن. ومن داخل العربة، كانت تسمع بين الحين والآخر محادثاتٍ خافتة بالكاد تُسمع، تتخللها أحيانًا ضحكات.
أشارت ديزيريا بذقنها نحو العربة.
“أو كان يمكن استئجار عربةٍ إضافية.”
“لو فعلنا ذلك لكان الموكب كبيرًا وملفتًا للنظر.”
عند رد لازار، أغلقت ديزيريا فمها. مهما قالت، بدا أن لازار سيجد سببًا لرفضه.
و ساد صمتٌ قصير، ثم ضحك لازار بخفة.
“سأعوّضكِ عن حرمانكِ من النوم. نامي قليلًا.”
وضع لازار يده على جبين ديزيريا وسحبها إلى الخلف.
وقد كانت ديزيريا أصلًا في وضعٍ أشبه بالاحتضان، فصارت الآن متكئةً عليه تمامًا.
“لكن….”
“سأمسككِ جيدًا حتى لا تسقطي.”
حاولت أن تنحني إلى الأمام مجددًا. لم تشعر بأن لازار يمسكها بقوة أو يجبرها. لكن جسدها، كأنه يحتج على عدم النوم، لم يطاوعها.
“حسنًا.”
فأرخَت ديزيريا جسدها واتكأت على لازار.
سواءً كانت رودوريكا، أو محطةً أخرى قبلها، لم تعد ترغب في التفكير في شيء.
وبما أن عقلها لم يعد يعمل أصلًا، استسلمت ديزيريا للنوم. فأبعد لازار رأسه بحذر وتأكد من أن جفنيها قد أُغلقا.
كان يفوح منها عبقٌ حلو. لم تكن تضع الكثير من الحلي، ولا يبدو أنها استخدمت عطرًا.
ورغم أنه كان ليل صيف، كانت حرارة جسديهما دافئةً ومريحة.
***
رأت ديزيريا حلمًا غريبًا.
كان حلمًا نادرًا، فهي لم ترَ أحلامًا منذ وقتٍ طويل. ومع قلة نومها مؤخرًا، كان من الطبيعي ألا تتذكر متى رأت حلمًا آخر مرة.
“إلى أين نذهب؟”
نظرت ديزيريا حولها.
مجال رؤيةٍ ضيق، ورطوبةٍ خانقة، كانت في مستنقعات فاسيديا.
كثيرون قالوا أن فاسيديا مكانٌ صالحٌ للعيش، لكن ديزيريا كانت تكره هذا الجو الغريب.
هذا الجزء من الغابة حيث تقع المستنقعات، لو قيل عنه أنه مسكون بالأرواح لصدّق الناس. إلى درجة أن الكبار كانوا يهددون الأطفال بتركهم هنا إن لم يطيعوا.
بالطبع، لم تسمع ديزيريا هذا الكلام من والديها. بل كان الأطفال الذين سمعوه من الكبار يستخدمونه أكثر لتخويف غيرهم.
“ألن تأتي بسرعة؟”
التفتت ديزيريا فرأت فابريس يقطب وجهه بشدة. و اقترب بخطواتٍ خشنة ثم أمسك معصمها فجأة.
“ألن تترك هذا؟ أستطيع السير وحدي.”
“لأنكِ بطيئة بشكلٍ يثير الغضب.”
لم تتحرك قدما ديزيريا. فمجرد كونها تُسحب قسرًا وهي ممسوكة من معصمها كان شعورًا سيئًا بحد ذاته.
ثم نزعت ديزيريا يدها من يد فابريس. فأمسك فابريس بذراعها مجددًا. و تبادلا النظرات الحادة، في صراعٍ صامت.
“هذا يؤلم. اتركني.”
قالت ذلك أولًا. لكن فابريس لم يخفف قوة قبضته.
وبسبب اللمسة الخشنة التي أزعجتها، حاولت ديزيريا سحب ذراعها.
كان فابريس نحيفًا جدًا وصغير البنية. وبالنظر إلى أن مستوى عينيه كان قريبًا من مستوى عينيها، بدا أن هذه ذكرى من عمر السادسة عشرة تقريبًا….
“قلتُ لكَ اتركني.”
نطقت ديزيريا بالكلمات بصعوبةٍ بين أسنانها المطبقة بإحكام.
لا يمكنها حتى عدّ عدد المرات التي تشاجرت فيها مع فابريس. لكن لماذا يظهر هذا الموقف بالذات في حلمها؟
بعد أن تجاوز فابريس طولها بقليل، ألم يكن ذلك الوقت الذي توقف فيه عن ضربها بحجة أنها لم تعد طفلة؟
من غير المعقول أن يتغير فجأةً بين ليلة وضحاها، فلا بد أن هناك سببًا….هل كان هذا هو السبب؟
“تجرّني بالتهديد ثم تشعر بالقلق؟ هل تمزح؟”
سألت ديزيويا بحدّة.
لكن، أي تهديدٍ كان ذلك؟
كانت الذراع التي أمسك بها فابريس تنبض بالألم. فقب أمسكها بقوةٍ لدرجة أن الإحساس بانقطاع الدم صار مؤلمًا.
ربما لأن هذا حلم، كانت الكلمات تخرج بلا ترتيب. ومع ذلك، كانت الأحاسيس واقعيةً بشكلٍ مخيف. إلى درجة أن هذا لم يعد مجرد حلم، بل هذيان.
“كفى!”
نزعت ديزيريا يدها من يد فابريس مرةً أخرى. في تلك اللحظة، دار بها العالم.
صار وجه فابريس ضبابيًا. بدا وكأن الارتباك مرّ سريعًا على وجهه الذي كان يبتسم بسخرية.
و شعرت وكأنها أُلقيت في الماء، فلم تعد قادرةً على التنفس.
ثم مدت ديزيريا يدها واستيقظت.
***
“ديزيريا؟”
كان لازار ينظر إليها من فوق.
أبهرت عينيها السماء التي أشرقت. و لم تختفِ بقايا الحلم وثقل النعاس إلا بعد أن رمشت عدة مرات.
لحسن الحظ، كانت في الواقع على الوضعية نفسها التي نامت عليها. وإن كانت الدموع تنساب من عينيها.
“لازار؟”
“ماذا؟”
“أم….لا شيء. رأيتُ حلمًا كان حيًّا بشكلٍ مزعج.”
“أي حلم؟”
مدّ لازار يده نحو وجه ديزيريا وقد تبدلت ملامحه فجأةً إلى الجدية. لكنها مسحت دموعها بنفسها بإصبعها قبل أن تصل يده. وهزّت رأسها.
“لا. لا داعي لاستحضار شيءٍ مزعجٍ عمدًا. اعتبري أنكِ لم تسمعي سؤالي.”
“شكرًا.”
لم تكن ممتنةً فقط لأنه لم يلحّ بالسؤال، بل لأنها أُعفيت من استرجاع ذلك الحدث المزعج بالكامل.
ثم تحدّث لازار مبتسمًا ابتسامةً خفيفة.
“وصلنا تقريبًا.”
نظرت ديزيريا حولها. لم يكن هناك سوى غابةٍ صغيرة أو مروجٍ وأراضٍ زراعية، فلم تستطع تمييز المكان.
العنصران الوحيدان اللذان يمكن الاستدلال بهما كانا الشمس التي ارتفعت فوق رأسها، والجبل البعيد الذي بدا باهتًا.
“ما رأيكِ أن نتوقف للراحة مرة في الطريق؟”
سأل لازار.
و تفقدت ديزيريا الخيول. كانت قويةً في الجر، لكن يبدو أن قدرتها على التحمّل ليست بنفس القوة، إذ أصبح سيرها أبطأ مما كان عليه عند الانطلاق.
“ما زال لدينا ساعتان تقريبًا، أليس كذلك؟ إن لم نبدّل الخيول، فالأفضل أن نريحها.”
“إذًا، لنستريح.”
أومأت ديزيريا برأسها.
لكن لم يكن هناك نُزل، ولا شيء سوى الحقول وغابةٍ صغيرة. أما المباني، فلم تكن سوى بيوتٍ ريفية متناثرة.
كانت ديزيريا على وشك أن تسأل أين ينوي التوقف، حين دوّى صوت جرس برج كنيسة.
“يبدو أن هناك قريةٌ قريبة.”
“صحيح. خلف ذلك التل مباشرة. ما رأيكِ أن نستغل الفرصة ونتبادل عهود الزواج أمام كاهن؟”
_______________________
بارت تو من مؤسس استغلال الفرص😭😭😭😭
صح ترا ديزي غلطانه ذاه مب حلم ذاه كابوس
المهم لازار كان في اسعد لحظاته ديزي رقدت على صدره✨
التعليقات لهذا الفصل " 28"