كان بودوان يضحك بخفة، ثم التقت عيناه بعيني لازار. و كانت عينا لازار الزرقاوان المخضرتان تشعّان بهالةٍ خطِرة كأنها نار عفريت.
وكانت ثلاثة خناجر تلمع بين أصابعه.
لم يُصب لازار بودوان بأذى. فإذا شعر أن الأمر قد يتطور إلى إصابة خطيرة، كان يتدخل بنفسه.
لكن توجيه عقابٍ على سبيل التهديد كان أمرًا يستطيع فعله بما يكفي. وبودوان، الذي يعرف ذلك جيدًا، كفّ عن الضحك على عجل.
ثم تحدّث لازار بعد أن هدأ غضبه، بنبرةٍ معتادة.
“الغيرة تصرّف من لا يعمل عقله. بدل أن تضيع وقتكَ في اعتبار الآخرين منافسين وتغار منهم وتنتقصهم، أليس من الأجدى أن أحاول إغوائها لتحبني أكثر؟”
“سأقول أن مجرد إطلاق مثل هذا العذر هو أصلًا….”
رمى لازار خنجرًا واحدًا نحو بودوان. لم يكن في خطٍ مستقيم بل في قوس، ومع ذلك ارتعب بودوان.
وأكمل لازار، رافعًا طرف فمه، مخاطبًا بودوان.
“سأعود حالًا، فاذهب أنتَ واستأجر عربة.”
***
سلّم جانكارلو رسالة ديزيريا إلى فابريس.
“ما هذا؟”
أخذ فابريس الرسالة. فكّ الخيط ورماه، وما إن فتح الرسالة حتى سقط خاتمٌ على الأرض.
تدحرج الخاتم الذي سقط على الأرض المفروشة بالسجاد مُصدرًا صوتًا مكتومًا. بينما بقي فابريس جالسًا في مكانه وأشار بعينيه إلى جانكارلو ليقوم بالتقاطه.
انحنى جانكارلو والتقط الخاتم دون أن يقول شيئًا. وحين تعرّف فابريس على الخاتم، خطفه من يد جانكارلو.
“من أين جاء هذا؟”
“تلقيناه من الآنسة ديزيريا عبر مبعوث.”
“أي مبعوث؟”
“ذلك….”
“لا، لا بأس. إن كان مبعوثاً فلا بد أنه مجرد شخص عادي.”
أعاد فابريس نظره إلى الرسالة وواصل القراءة.
“الذهاب إلى الدير لتهذيب النفس؟ هل تظنني أحمق؟!”
قفز فابريس من مكانه.
و سواءً لحقه جانكارلو أو الخادم الذي كان يحرس باب مكتب الحاكم أم لا، فتح فابريس باب المكتب بعنف.
“أبي!”
“ما الأمر فجأة؟”
قطّب الحاكم حاجبيه استياءً من تصرّف ابنه غير اللائق.
“ديزيريا هربت!”
فلوّح الحاكم بيده.
“ظننتُ الأمر أخطر. لا بد أنها نزوةٌ عابرة لأنكَ تضغط عليها كثيرًا في موضوع الزواج.”
“قالت أنها ستذهب إلى الدير لتهذيب نفسها، ولا تريدنا أن نبحث عنها.”
“الدير؟ جيد. لعلها تعود بعد أن يهدأ طبعها الحاد قليلًا.”
فضرب فابريس الطاولة ردًا على برود فعل الحاكم.
“أبي!”
و عبس الحاكم مجددًا.
“أيها الأحمق، تقتحم المكان فجأةً وترفع صوتكَ هكذا….ثم إن كان ديرًا، فقد تكون ذاهبةً لتلقي دروس الراهبات، فاهدأ قليلًا. أنت تعرف أن ديزيريا ليست من نوع الأشخاص الذين يكذبون.”
فلوّح فابريس بالرسالة التي تركتها ديزيريا أمام عيني الحاكم.
“وكيف نعرف إن كانت ذاهبةً فعلًا إلى الدير أم لا؟ أليس من المحتمل أنها كانت تماطل، و عندما لم يعد الأمر ممكنًا هربت؟ حتى مساء أمس اختفت ولم تعد!”
خطف الحاكم الرسالة من يد ابنه. وبعد أن قرأ محتواها، نقر بلسانه.
“أجبرتها على ارتداء الخاتم؟ ماذا فعلتَ بها؟”
“كانت ترفض استلامه، فكان لا بد من إجبارها. ثم إنها الآن تتذرع بكسب الوقت، هل تظن أنني أتقدم لخطبتها لأنني أحب ذلك؟”
“يا لهذا الغبي! لا يجوز استخدام هذا الأسلوب الأحمق!”
“إذًا ماذا أفعل؟ يجب ترويض طبعها قبل الزواج. أنتَ نفسكَ قلتَ قبل قليل أن طبعها حاد، أليس كذلك؟”
لم يتراجع فابريس عن رأيه حتى النهاية. فهزّ الحاكم رأسه من عناد ابنه العقيم.
“اخرج الآن. سنتحدث لاحقًا.”
قاد الخادم فابريس إلى خارج المكتب. ثم التفت فابريس ونظر إلى الباب المغلق. كان وجهه ممتعضًا من رد الحاكم غير المرضي.
و بحث فابريس عن جانكارلو.
“جانكارلو!”
“نعم، سيدي الشاب.”
“اختر لي فرسانًا صالحين للاستعمال.”
“هذا يتطلب إذن الحاكم وقائد الفرسان.”
“تدبّر الأمر بنفسكَ، وخلال أسبوع اعرف إلى أين تنوي ديزيريا الهرب، وأحضرها!”
شعر جانكارلو بالاستياء من حديثه عن استخدام الجنود لأسبابٍ شخصية، لكنه لم يُظهر ذلك. و اكتفى بالانحناء دلالةً على الموافقة.
***
رغم قولهم أنهم سيشترون لهم كل ما يلزم جديدًا، و أن عليهم ترك معظم الأغراض، لم يستطع جيرار وليونتين التخلي عن أغلب الأمتعة.
وبشق الأنفس حُشرت الأمتعة كلها في العربة، لكن ذلك جعل شخصًا واحدًا من المجموعة غير قادر على الركوب.
تحدّث بودوان وهو يحك رأسه.
“أظن أنه من الأفضل ترك حقيبةٍ واحدة على الأقل.”
كان بودوان قد التقى بلازار بعد أن سلّم الرسالة، وكان قد وصل لتوه إلى المبنى الملحق الذي تقيم فيه عائلة ديزيريا.
كانت الأمتعة أقل مما توقع، لكن لكل شخصٍ حقيبتان كبيرتان.دوكان الصندوق الذي يحتوي على صقر الصيد إينياس كبير الحجم أيضًا.
“لا، لا داعي لذلك. خذوها كلها معكم.”
قال لازار كلامًا غير متوقع. فاستدارت ديزيريا، التي كانت تحاول اختيار حقيبةٍ تتركها، نحو لازار.
“استأجرتُ حصانًا إضافيًا، فاذهبا أنتما براحة في العربة. يكفي أن يجلس بودوان في مقعد السائق….”
“وماذا عنكَ؟”
سأل بودوان. بينما اقترب لازار من ديزيريا، ولف ذراعه حولها وجذبها إليه.
“سأركب مع ديزيريا.”
فضيّق بودوان عينيه.
“أنتَ، هل تعود إلى حيلكَ مرةً أخرى؟!”
“حتى لا تتمكن من اختلاق ذريعة أنكَ لا تريد إنهاك الخيول، استعرتُ خيلاً متوسط السلالة متينًا بما يكفي.”
ربّت لازار على الحصان. فهزّ الحصان الأسود، الذي يكسو كاحليه شعرٌ أبيض طويل، عرفه.
كان جسده الضخم هائلًا لدرجة أن ارتفاع ظهره وحده يكاد يضاهي طول لازار.
فتح بودوان فمه عند رؤية حجم الحصان وسأله محتجًا.
“هل سرقته من مزرعة؟ أتقول أننا سنسافر على حصان ضخم غبي لا يصلح إلا لحراثة الأرض؟”
“استعرته بشكلٍ مشروع.”
زفر بودوان بأنفه وهزّ رأسه.
و رفعت ديزيريا، التي كانت شاردة، نظرها إلى لازار. فابتسم لازار وهمس.
“هناك خادمةٌ تعمل في القصر ومرتزق، فغضضت الطرف عن لقاءاتهما السرية مقابل استعارة الحصان.”
وقبل أن تتمكن ديزيريا من قول أي شيء، حملها لازار ورفعها.
ثم سألت ديزيريا، وهي جالسةٌ على ظهر الحصان، لازار.
“بالمناسبة، المكان الذي هاجمكَ فيه الدب….”
“ذاك؟ عالجتِه إسعافيًا بشكلٍ جيد، وأنا بخير. لو كنتُ ما زلت أتألم لما استطعت حملكِ قبل قليلٍ عندما جئتِ لتخطبيني.”
التعليقات لهذا الفصل " 27"