‘آه، أين….نعم نعم، فلتقضِ ما أردتِ باعتدالٍ ثم انصرفي.’
رددت ديزيريا ما كانت ليونتين قد أخبرتها به.
“الغرفة اليسرى في الطابق الثاني، الغرفة اليسرى في الطابق الثاني……”
وقفت ديزيريا أمام باب الغرفة اليسرى في الطابق الثاني، وطرقت الباب بحذرٍ مرتين.
وهي تأمل ألّا تضطر للانتظار إلى أجلٍ غير مسمى لأن لازار بم يخرج، أو أن يفتح الباب شخصْ لا علاقة له فتقع في موقفٍ محرج.
“ديزيريا؟”
وكما تمنت، استقبلها لازار. و كان لازار يبتسم كعادته، لكن ما إن رأى حالتها حتى تصلب وجهه.
“ما بكِ؟ ماذا حدث؟”
“ساعدني.”
قالت ديزيريا وهي تعصر الكلمات عصرًا.
“لا أريد الزواج بذلك الرجل. لا أريده حتى لو مت. لا، إن كنت سأموت سواءً تزوجتُ أم لا، فلن أفعلها أبدًا.”
اندفعت الكلمات بسرعةٍ مع أنفاسها الخشنة، وكانت عيناها المحمرتان على وشك أن تذرفا الدموع.
لم يكن هذا وقت الكبرياء ولا الحسابات. ومع ذلك، تشبثت بما تبقى لها من كرامةٍ وعضّت على أسنانها كي لا تبكي.
“جئتُ لأعيد هذا. اعتبر الخاتم الذي أعطيتكَ إياه في المرة الماضية عربون عقد. بسبب موضوع الدوق بيرتيير لم تعطِ جوابًا صريحًا على طلبي، أليس كذلك؟ دوقٌ أو غيره، لا يهمني. فلنغادر الليلة فورًا. قد يكون طلبي جائرًا، لكن.…”
راحت ديزيريا تفتش في جيب عباءتها عن علبة الخاتم. فتحدّث لها لازار،
“أي سوء فهمٍ هذا الذي جعلك تتقدمين لي أولًا ثم تظنين أنني كنت سأرفضكِ؟ أنا ثيودور. ذكرتُ الدوق فقط لأكسب ود والديكِ. وذلك الخاتم لكِ.”
“ماذا؟”
“قلتُ أنه كان لكِ. لا داعي لإعادته.”
مرر لازار يده على شعره بصمت.
و حين لم يقل لازار شيئًا، دبّ القلق في ديزيريا. و شحبت يدها التي تقبض على علبة الخاتم.
هل ينوي أن يُبقي الخاتم وينهي الأمر هنا؟
فألحّت ديزيريا عليه،
“لماذا لا تقول شيئًا؟ هل جئتُ متأخرةً جدًا؟”
“لا. أنا أيضًا مخطئ لأني لم أوضح الأمر. تعالي.”
مدّ لازار يده. وحين أمسكتها ديزيريا، جذبها إليه وضمها.
“اهدئي أولًا.…”
حاول لازار تهدئتها وهو يمسح ظهرها ببطء، لكنها تشبثت بذراعه. فلم تكن في حالةٍ تسمح لها بالهدوء.
“سأبيع نفسي لكَ. اعتبر أنكَ أنقذت حياة محكومٍ عليها بالموت، جسدًا كان أو روحًا أو قلبًا، سأعطيكَ كل ما تريد. فقط أخرجني من هنا. أرجوكَ.”
فأخذ لازار علبة الخاتم.
“حسنًا. أنا الآن ملككِ. افعلي بي ما تشائين.”
عاد شيءٌ من روح الدعابة إلى لازار. و كان يقصد تخفيف حالتها، لكن ذلك لم يجدِ نفعًا.
ظل تنفس ديزيريا مضطربًا. فأغمضت عينيها وحاولت أن تكون هادئة، لكن كلما حاولت ازداد اضطرابها.
“ادخلي أولًا. الغرفة أريح للحديث من الممر، أليس كذلك؟”
أمسك لازار بيد ديزيريا وقادها إلى داخل الغرفة. فتبعته بلا قوة.
“واخلعي العباءة قليلًا.…”
نظرت ديزيريا إليه بعينين واهنتين.
وما إن مدّ لازار يده لينزع الدبوس المثبت قرب ترقوتها حتى سحب يده على عجل.
“لا أقصد شيئاً. أردتُ فقط أن تكوني أكثر راحة.”
“حتى لو كان كذلك، لا بأس.”
أليس التخلي عن الكرامة أهون من التخلي عن الحياة؟
وعلى أي حال، هي عفة ستُقدَّم يومًا لزوجها. بضاعةٌ يجب دفعها مقابل المال والبقاء.
لم ترغب في الاعتراف بذلك لأنه بدا وكأنه إقرارٌ بأنها ملكٌ لفابريس، لكن حين فكرت في الأمر، لم ترَ فرقًا كبيرًا بينها وبين ما تفعله الراهبات.
كانت تظن نفسها نبيلة، فإذا بها تشعر بالتعاطف مع مثل هذه الأمور، فغمرها طعمٌ مرّ.
“لا، الأمر بلا أهمية. لقد قلتُ قبل قليلٍ أنني سأبيعكَ نفسي، وها أنا أقدّم نفسي لكَ فعلاً.”
لم يعامل والدا ديزيريا ابنتهم كبضاعة، لكنها أقنعت نفسها بأن استخدام ما لديها هو الصواب.
كان أفضل من أن تُقدَّم بلا معنى لفابريس، فأن تسلّم نفسها إلى لازار مقابل مساعدتها على الهروب أهون.
نزعت ديزيريا الدبوس بنفسها. فانزلقت العباءة وسقطت على الأرض. بينما مرّر لازار يده في شعره ثم التقط العباءة.
“هل يمكنكِ ألا تجعليني قمامةً كهذه؟”
كان أسلوبه مازحًا، لكن ملامحه كانت جادة.
طوى لازار العباءة بعنايةٍ وناولها لديزيريا. فأخذت ديزيريا العباءة وحدقت في الأرض.
“وما المشكلة إن كنتَ قمامةً كهذه، ما دمتَ تحتاجني.…”
“إن احتجتُكِ ستعطيني كل شيء؟ حتى لو كنتِ تفعلين ذلك عن رغبة، فهذا استغلال. وأنا لا أريد ذلك.”
“إذاً ماذا تريد؟ ماذا عليّ أن أفعل لتُخرجني من هنا؟”
“مبدئيًا.…”
مرر لازار يده بذقنه.
“مبدئيًا، لنجعل الصفقة واضحة. لأنكِ تواصلين القلق، سنفعلها على هذا الأساس. وإن شعرتِ أن الصفقة رخيصة، فاعتبريها قَسَمًا. بل ما رأيكِ أن نجعلها طقسًا كاملًا؟”
“مثل مراسم تنصيب فارس؟”
“بالضبط. لا أريدكِ فارسًا، لكن الركوع وإعلان القسم وما شابه. الآن وقد فكرتُ بالأمر، الأمر يشبه طلب الزواج أيضًا.”
جثا لازار على ركبته وفتح علبة الخاتم. فارتبكت ديزيريا.
“لا داعي لأن تركع إلى هذا الحد.”
“أفعل ذلك لأنني أريد. وحين تفعلين أنتِ ذلك من أجلي، لا تركعي تمامًا، فقط انحني قليلًا. مثل تحية السيدات في قاعات الرقص.”
تنحنح لازار.
“ديزيريا، لقد أحببتكِ طويلًا. هل تقبلين الزواج بي؟”
رمشت ديزيريا بعينيها مرارًا.
ما إن وافقت على فكرة الصفقة حتى لم تعد تعرف ما الذي يجب أن تعدَ به وإلى أي حد. فحتى لو كان الأمر شكليًا، سماع كلمة الزواج جعلها أكثر ارتباكًا.
ثم سألها لازار بعد أن تفحّص تعبيرها،
“هل كلمة الزواج تُثقل عليكِ؟ كنتِ تعاملين الأمر كطلبٍ أو عقد، فظننتُكِ غير مبالية.”
“لا، ليس كذلك. فقط لأنكَ قلتها بسهولةٍ رغم أنها شكلية، تفاجأتُ قليلًا.”
“لا تحمّلي نفسكِ عبئًا. ثم أليست أفضل طريقةٍ للتخلص من ذلك الفابريس أو أيًّا كان، أن ترفضي بحجة أنكِ تريدين الارتباط بشخصٍ آخر؟ لِنُقدِم أولًا ثم نرى.”
“حقًا؟”
“يمكنكِ إخبار والدكِ أنكِ ستأخذين إجازةً مع شخص آخر، أليس كذلك؟ لستِ خادمة، ولا تحتاجين إذن الحاكم للموافقة على الزواج.”
“ربما.”
“وعندما نغادر فاسيديا، حتى لو قلنا أننا نسافر لتصفية الذهن، فحتى نصل إلى بيرتيير سيكون من الأسهل أن تكوني خطيبتي شكليًا. وسيبدو الأمر أكثر إقناعًا مع والديكِ أيضًا.”
تذكّرت ديزيريا والديها.
من الأفضل أن تثق بأن والدها سيتدبر الأمر. لكن كان مقلقًا أن تتركهما وتذهب مع لازار وحده.
كانت تريد قطع صلتها بفاسيديا تقريبًا. وكان من الصواب إقناع والدها بالبحث عن عملٍ جديد.
“حسنًا. لا بد أن الأمور ستُحل. بما أنكَ قبلتني، سأحاول.”
عاد شيءٌ من الحيوية إلى عيني ديزيريا. فهزّ لازار يديه وهو يحمل علبة الخاتم.
“إذاً، متى سيكون الجواب؟ ستسقط يداي.”
“حـ، حسنًا!”
أجابت ديزيريا على عجل. و لأنها لم تعرف كيف تجيب، خرج صوتها غريبًا. و شعرت وكأنها انجرفت تحت ضغط لازار، فاحمرّ وجهها قليلًا.
فضحك لازار.
“عليكِ أن تمدّي يدكِ لأضع الخاتم، يا آنسة.”
“آه.”
مدّت ديزيريا يدها اليمنى ثم سحبتها وقدّمت اليسرى. شعرت وكأن عقلها كان في مكانٍ آخر، كأنها حمقاء.
وحين قدّمت اليد الخطأ، ضحك لازار مجددًا. قاحمرّ وجه ديزيريا وحدّقت فيه بغيظ.
“لا تضحك! في المرة القادمة سأفعلها بشكلٍ صحيح.”
“أوه، إذاً هناك مرةٌ قادمة؟”
عجزت ديزيريا عن الرد.
كانت قد قالت ذلك دون تفكير، متخيّلةً بشكلٍ مبهم أنها ستفعلها جيدًا في حفل الزفاف. لكن حين أعادت التفكير، بدا كلامها وكأنها تفكر فعلًا بالزواج من لازار.
“اهدئي. أمزح فقط.”
ألبس لازار ديزيريا الخاتم. وعلى عكس المرة التي ألبسها فابريس إياه قسرًا، انزلق بسلاسة. فرفعت ديزيريا يدها اليسرى.
يقال أن البنصر الأيسر متصلٌ بالقلب، فشعرت بنبضٍ خفيف في صدرها. بينما لمع خاتمٌ أنيق مرصّعٌ بحجرٍ دائري واحد ببريقٍ ذهبي.
أخذت ديزيريا علبة الخاتم من لازار. و تذكّرت الخاتم الذي اشترته من الصائغ، لكن السؤال الآن إن كانت تريده ألا يرتديه بدا غريبًا.
على أي حال، بدا أنها ستضع الخاتم الذي أعدّه لازار في إصبع لازار نفسه. فرفعت طرف فستانها وثنت ركبةً واحدة،
“لازار، هل تتزوجني؟”
“لم أتخيل يومًا في حياتي أن أتلقى طلب زواجٍ من امرأةٍ بهذه الطريقة.”
_____________________
ياعمري هي واضح مره كانت خايفه من التبن ذاك😔
وتحسب لازار زيه بس ولدي حنون ياناس😔🤏🏻
المهم شكلها بتنحاش معه قبل امها وابوها؟ وناسه بس شوي يقهر ما اظن يقدر يسوي لهم شي صح؟
التعليقات لهذا الفصل " 24"