أجبر فابريس الخاتم على الدخول في إصبعها. و انثنى إصبعها البنصر، وتجعد الجلد عند المفصل الثالث القريب من ظهر اليد.
كانت ديزيريا غارقةً في ذكريات الماضي، فلم تشعر بالألم الصادر عن يده الخشنة.
“ما بكِ فجأة؟”
شعر فابريس متأخرًا أن هناك شيئًا غير طبيعي. بينما كانت ديزيريا تحدّق في الفراغ بعينين محتقنتين بالدم.
لم يعد ما يحدث مجرد ماضٍ، بل احتمالًا للمستقبل أيضًا. و حاولت إقناع نفسها، لكن جسدها لم يستجب.
كانت تعتقد أن لديها وقتًا، وأنها ستجد طريقةً لتجاوز كل شيء، لكن إحساسها بدا معطّلًا. فالذكريات المرعبة واصلت إعادة نفسها بلا رحمة.
و حين بقيت ديزيريا متيبسة في مكانها، حكّ فابريس رأسه بضيق.
“آه، لا أدري. افعلي ما تشائين. لكن احرصي على ارتداء هذا الخاتم على مائدة العشاء.”
رمقها فابريس بنظرةٍ أو اثنتين ثم انصرف.
و لم تبدأ ديزيريا باستعادة إحساسها إلا حين بدأت قطرات المطر الأولى تهطل.
“أوغخ.…”
ترنّحت ديزيريا نحو شجرةٍ ضخمة قريبة. و أسندت نفسها إلى الجذع وتقيأت مرارًا. و الألم الصاعد من أعماقها جعل الدموع تتجمع في عينيها.
وقبل أن يهطل المطر بغزارة، ركضت ديزيريا عائدةً إلى المنزل.
***
عند سماع صوت الباب الأمامي يُفتح بعنف، هرع جيرار وليونتين.
“ديزيريا؟ ما الذي حدث؟”
لم تستطع ديزيريا الرد. و كان ارتجافها الشديد ينذر بسوء.
ارتمت ديزيريا في حضن أمها. وحين مدّ جيرار يده ليضعها على كتف ابنته، لمح الخاتم في إصبعها البنصر الأيسر.
“هل….تقدّم لخطبتكِ؟”
الزواج في العادة مناسبةٌ مفرحة، أمرٌ يستدعي البهجة. لكن رد فعل ديزيريا كان غريبًا.
لم يكن في ملامحها أي أثرٍ لفرحٍ أو خفقان، بل كان وجهها يشبه وجوه من ذاقوا الهزيمة واليأس في الحرب.
فضغط جيرار شفتيه بقوة.
لم يكن يعرف كيف تقدّم فابريس بطلب الزواج ليجعل ديزيريا على هذه الحال. لكن بالنظر إلى وضعها الآن، لم يكن أمامه سوى الاستنتاج أن فابريس ارتكب أمرًا بالغ السوء.
“ديزيريا، صغيرتي، لا بأس. ذلك الرجل ليس هنا الآن.”
حاول جيرار تهدئتها بكل ما استطاع. فردّت ديزيريا بصوتٍ مرتجف،
“أبي، أنا لست خائفة من فابريس نفسه. أنا خائفةٌ من العواقب التي سيجلبها ذلك الإنسان.”
تنحنحت ديزيريا. فقد كان الخاتم في يدها يبعث على نفور شديد.
حاولت نزعه، لكن يدها كانت تنزلق بلا جدوى. اأحضرت ليونتين خيطًا وساعدتها على إخراج الخاتم من إصبعها.
“لا أريد الزواج كنه. لا….لن أتزوجه أبدًا.”
عند إعلان ديزيريا، تبادل جيرار وليونتين نظرةً صامتة. كان القلق واضحًا في وجهيهما المتجهمين.
و لم تكن ديزيريا ترغب في إلقاء هذا الكلام الصاعق على والديها. لكن، رغم ذلك، لم يكن بوسعها أن تتزوج فابريس مهما كان الثمن.
لم يكن بوسعها أن تقول الحقيقة، أنها تزوجت لفابريس ثم تُركت في موقف يُشبه الإلقاء في التهلكة. حتى لو لم يتهمها أحدٌ بالجنون، فسيبدو الأمر خفيفًا لا يُؤخذ على محمل الجد.
“لكن إن قلتُ ببساطة إنني لا أريد الزواج، فالحاكم سيؤذي أبي.…”
“ابنتي.”
أمسك جيرار بيد ديزيريا. و كانت قد قبضت على يديها بقوةٍ حتى كاد الدم ينقطع عنهما، لكنها أرختهما ببطء.
“هذا شأنٌ بين الحاكم وأبيكِ، ولا داعي لأن تحمّلي نفسكِ همّه. فكّري بنفسكِ فقط. لو كنتُ أملك قوةً أكبر، لما اضطررتِ أصلًا إلى الخطوبة لشخصٍ تكرهينه إلى هذا الحد. أنا آسف.”
هزّت ليونتين رأسها ببطءٍ موافقة. فتمايلت ديزيريا وهي تدخل غرفة الاستقبال.
أجلستها ليونتين بحذر. و وُضع الخاتم الذي نُزع من يد ديزيريا على الطاولة. و عند صوت اصطدام المعدن بالخشب، رمقت ديزيريا الخاتم بنظرةٍ حادة.
لم يعجبها لا شكله ولا حتى صوته. حتى لو كان يضمن لها منصبًا محترمًا كسيدة إقطاعية، فقد كانت تكره مجرد رؤيته.
“رجاءً أبعدوا ذلك الشيء عني. أعلم أنه يجب إعادته إلى فابريس، لكن مجرد وجوده قريبًا يجعلني أشعر بالسوء.”
التقطت ديزيريا الخاتم. و لو كان الأمر بيدها حقًا، لقذفت هذا الشيء البغيض بعيدًا، لكنها لم تجرؤ، لأن فابريس وعائلة الحاكم لن يتركوا الأمر يمر.
‘الذنب ذنب صاحبه، لا ذنب الخاتم.’
غطّت ديزيريا عينيها بذراعها وأعادت الخاتم إلى الطاولة. عندها اصطدم يدها بشيءٍ آخر. كان صندوقًا صغيرًا من خشب الأبنوس.
“ما هذا؟”
قلّبت ديزيريا الصندوق بين يديها. من الواضح أنه صندوقٌ مخصصٌ للمجوهرات.
وبسبب خاتم الخطبة الذي حاول فابريس شراءه بالإكراه، والخاتم الذي أدخله في يدها قبل قليل، لم تكن ترغب حتى في التفكير بالمجوهرات، فضلًا عن فتح الصندوق.
“هذا هو الصندوق الذي تركه لازار هنا قبل قليل.”
قالت ليونتين ذلك. فرفع جيرار رأسه.
“كم الوقت الآن؟”
“اقترب موعد العشاء، لماذا؟”
سألت ليونتين. فشدّت ديزيريا على أسنانها.
كان فابريس قد قال لها أن ترتدي الخاتم على مائدة العشاء. وهذا يعني أن عليها أن تتناول العشاء معه.
كانت شهيتها معدومةً أصلًا بسبب عسر الهضم منذ الأمس، والآن تلاشى ما تبقّى منها.
وضعت ديزيريا صندوق لازار على الطاولة.
“ديزيريت، هذا مجرد خاطرٍ خطر على بال أبيكِ، يمكنكِ تجاهله إن شئتِ.”
تنفّس جيرار بعمقٍ مرة واحدة.
“لكن كان في ذلك الصندوق زوجٌ من الخواتم. لذا، لنذهب ونقابل الدوق بيرتيير.”
“حتى لو كان الأمر صحيحًا، لا أظن أن شخصًا بمقام الدوق سيتقدّم للزواج مني تحديدًا.”
صحيحٌ أنها بادرت لازار بالخطبة وطلب وقتًا، لكنه لم يعطِ جوابًا قاطعًا بعد.
تصرّف وكأنه سيقبل، لكن ماذا لو كان قد جاء لينقل عرض زواجٍ من شخصٍ آخر حقاً؟
ابنة نبيلٍ صغير مثلها لا تمثل ميزةً تُذكر، لا زوجةً ولا عشيقة، فلماذا دوقٌ عظيم يريدها؟
بل إنها شكّت أصلًا في وجود شخصٍ يُدعى الدوق بيرتيير. حتى لو كان لازار يحمل هذا الاسم، فربما كان مجرد هويةٍ مزيفة.
ألم يُرسل أوفيد أيضاً شخصاً بديلًا عنه عندما خُطبت إحدى الأميرات؟
ازدحم رأسها بالأفكار. قابتسمت ديزيريا ابتسامةً مريرة وهي تشعر بالوهن.
ثم أعاد جيرار الصندوق إلى يدها.
“قال لازار قبل أيامٍ أن طلب زواجٍ سيأتي. وإن كان من دوق، فذلك أمرٌ عظيم. إن لم يكن صحيحًا، فلا بأس، وإن كان صحيحًا، فتزوجيه.”
“وإن لم يكن هذا الخاتم لي، فكيف لي أن أتحمّل هذا الإحراج.…”
“ذلك أهون من أن تتزوجي فورًا رجلًا تكرهينه.”
كان المعنى واضحًا: افعلي ما تشائين، ولا حاجة لطلب الإذن.
و نظرت ليونتين من النافذة ثم أشارت إلى ديزيريا أن تنهض.
“يبدو أن زخة مطر قادمة. اذهبي قبل أن يهطل بغزارة.”
فلفّت ديزيريا العباءة حولها مجددًا.
***
وصلت ديزيريا إلى النُزل كأنها تطارد الغيوم الداكنة المسرعة، لكنها توقفت طويلًا مترددةً أمام النُزل الذي قيل أن لازار يقيم فيه.
لحسن الحظ، لم يهطل المطر بغزارةٍ في الطريق، لكنه بدأ يشتد شيئًا فشيئًا.
كان سقف مدخل النُزل قصيرًا جدًا، ولو هبّت الرياح فلن يقي أحدًا من البلل.
ثم فتحت ديزيريا باب النُزل. و رفع صاحب النُزل رأسه عن الكأس الذي كان يمسحه.
“ما الذي جاء بكِ؟ يؤسفني أن أقول أنه لا توجد غرفٌ شاغرة.”
و ارتبكت ديزيريا للحظة ثم أجابت بسرعة،
“أنا هنا لمقابلة أحد النزلاء.”
_____________________
قولي جيت اشوف زوجي الضايع😔✨
فابريس الكلب الحمار الدلخ الزفت مايعرف حتى يسوي نفسه مهتم؟ احل بس كذا واثق انها له وعادي يسوي الي يبي؟ يشيخ سرها بس انقلع
المهم احب امها وابوها ياناس حنونين حتى لو الموضوع به فلوس وسمعها اهم شي بنتهم😔🤏🏻
التعليقات لهذا الفصل " 23"