تذكّرت ديزيريا كيف صحّح لازار لبودوان قائلاً أن عليه أن يناديه “ثيودور”.
قد يكون الاسم شائعًا بما يكفي لاحتمال أن يكون شخصًا آخر. أو ربما….هل يُعقل أن “لازار” ليس اسمه الحقيقي، وأن “ثيودور” هو اسمه الأصلي؟
وهو دوقٌ بهذا المقام، فلا يبدو أن لديه سببًا ليعمل كجاسوس. ومع ذلك فطبعه لا يوحي بأنه شخصٌ يركض مؤديًا مهماتٍ نيابةً عن الدوق كذلك.
فما حقيقة لازار يا ترى؟ أهو حقًا مجرد جاسوس؟
“فجأة هكذا؟ ولماذا؟”
سأل جيرار لازار. و لم يكن اعتراضًا بقدر ما كان طلبًا لتفسيرٍ مفهوم.
“الشخص الذي قلتُ سابقًا أنه سيتقدم بخطبة….هو ذاك الرجل. يقول أنه لا يستطيع نسيان اللقاء القدري الذي جمعه بها قبل تسع سنوات.”
“وأنا أيضًا كنتُ هناك، فلماذا لا أتذكر شيئًا؟”
أمال جيرار رأسه متعجبًا ثم نادى ديزيريا.
“ديزيريا، هل تتذكرين؟”
“ماذا تحديدًا؟”
“هل التقيتِ شخصًا يدعى ثيودور من بيرتيير قبل تسع سنوات؟”
“لقد مضى وقتٌ طويلٌ جدًا….لا أظن أنني أذكر تفاصيل صغيرةٍ كهذه.”
شعرت ديزيريا بوخزة ضمير لأنها قالت مجددًا أنها لا تتذكر. لكن بدا أن ذكريات تلك الفترة حقًا قد تبخرت، فلم يخطر ببالها شيءٌ يُذكر.
أما وجه لازار المنعكس فوق كتف والدها فكان يبدو قليلًا متجهمًا.
“حقًا؟ إذاً لا بأس. سأحاول أنا التأكد. أين يا ترى يومياتي من ذلك الوقت؟”
كان جيرار مرتبكًا وهو يحك مؤخرة عنقه مرارًا، لكنه لم يضغط أكثر على ديزيريا.
ثم وضع لازار صندوقًا طويلاً رأسيَّ الشكل على الطاولة.
“هذه هديةٌ من الدوق بيرتيير.”
من شكل الصندوق بدا أنه مشروبٌ فاخر.
أخذته ليونتين وأخرجت ما بداخله.
“براندي إذاً؟”
وانتقلت الزجاجة إلى يد ديزيريا.
كان السائل الذهبي المائل للحمرة يبدو فخمًا للغاية. حتى ديزيريا التي لم تكن تفهم ما المتعة في الشرب شعرت برغبةٍ في تذوقه.
“لكن هذا لا بد أنه غالٍ جدًا، ماذا عن الضرائب وما إلى ذلك؟”
كانت ستسلم الزجاجة إلى جيرار ثم توقفت. غير أن جيرار خطفها سريعًا من يدها.
“ليست كميةً كبيرة، وزجاجةٌ هدية كهذه لا بأس بها.”
فتح جيرار الزجاجة قبل أن يمنعه أحد. و اتسعت عينا ديزيريا دهشة، بينما تحدّثت ليونتين بنبرة مستسلمة،
“لن تشرب حتى الثمالة….صحيح؟”
“هل رأيتِني يومًا أشرب حتى أفقد وعيي؟”
قال جيرار ذلك وهو يرفع كتفيه، وقد ظهر كأسٌ لا تعرف من أين جاء.
“لا ينبغي الشرب حتى الثمالة. هذا فقدانٌ للسيطرة.”
انتزع لازار الكأس من يد جيرار.
“أأنتَ أيضًا ستشرب؟”
“ولِمَ لا؟”
“جيد.”
أحضر جيرار كأسًا آخر بكل بساطة. و تذوق رشفةً وحدّق في الكأس.
“شرابٌ ممتازٌ فعلًا. قلتَ دوق بيرتيير؟ لديه ذوقٌ رفيع.”
“إنه مصنوعٌ من عنبٍ ينبت في مقاطعةٍ صغيرة لكنها خصبة.”
حتى وإن لم يعرفوا التفاصيل، فقد بدا أن لازار كسب بالفعل ودّ الأم.
لكن توقع ديزيريا بأنه لن يستطيع كسب قلب الأب كان خاطئًا تمامًا. فالآن، بدا أن جيرار اعتاد عليه حتى أنه أشار له ليجلس بجانبه.
“حسنًا، من أين قلتَ أن الدوق بيرتيير هذا ينحدر؟”
“يحكم مقاطعة بيرتيير جنوب شرق أفنديل.”
“كونه أجنبيًا قد يكون أمرًا جيدًا في الحقيقة. سنكسب ثقافةً جديدةً أيضًا.”
“لكن إن كان من أفنديل فهو تقريبًا من دولةٍ معادية لنا، فهل من الطبيعي أن يرحب به قائد فرسان؟”
سألت ديزيريا؛ فلم تكن قادرةً على فهم موقف والدها.
ثم انتبهت فجأةً أن سؤالها هذا لا يساعد لازار أبدًا في إقناع جيرار، فتأسفت متأخرة.
لكن ما قيل قيل، ولا يمكن ابتلاع الكلمات مجددًا، فحاولت ديزيريا التفكير في شيءٍ يصحح الموقف. و في تلك اللحظة طرق أحدهم الباب.
“أيها….أعني، همم. هل أنتَ هنا يا دوق بيرتيير؟”
صرخ بودوان. واتجهت أنظار الجميع نحو الباب.
لم تكن ديزيريا ترغب في التسرع وإعلان أن لازار و ثيودور بيرتيير الشخص نفسه.
فوقف الجميع ينظر بصمتٍ لثوان. و عندما لم تعد ديزيريا تحتمل الصمت، أجابت،
“لا يوجد أحدٌ بهذا-“
ثم أشار لها لازار بيده أنه سيتصرف. و فتح الباب واتكأ على الإطار.
“ما الأمر؟”
نظرت ديزيريا من خلف ظهر لازار إلى الخارج. و لم يكن بودوان يبدو سعيد المزاج.
“إلى أين تتجول وحدكَ هكذا! لقد عانيتُ كثيرًا في البحث.…”
ثم لمح ديزيريا فتنحنح بسرعة.
“أقصد….إلى أين تخرج دائمًا وحدكَ يا سيدي.”
ارتبكت ديزيريا بسبب لهجته التي تتذبذب بين الرسمية والعادية.
ثم التفت لازار قليلًا إلى الخلف. و لم تعد ديزيريا وحدها تتلصص، بل كان جيرار وليونتين أيضًا يطلّان بحذر.
“هل تعافت معدتكَ الآن؟”
“نـ….نعم. بفضلكَ واهتمامكَ. وقد أحضرتَ أيضًا ما طلبته.”
“شكرًا لكَ.”
شيءٌ ما انتقل من يد بودوان إلى يد لازار. و حاولت ديزيريا مدّ عنقها لترى، لكن من جهة ظهر لازار لم يكن يمكنها رؤية شيء.
و همس بودوان بصوتٍ لا يسمعه غير لازار.
“هل انتهينا الآن، أيها اللعين؟”
“لا، لم ينته الأمر بعد.”
فأطلق بودوان تأوهًا خافتًا.
“إلى متى عليّ أن أتصرف كأنني خادمكَ؟ بل حتى كأنكَ دوقي!”
“لدينا مهلةُ سنة كحدٍ أقصى….”
رفع لازار ثلاثة أصابع.
“سأحاول تقليصها إلى ثلاثة أيام.”
“حسنًا.”
تنهد بودوان بعمق. و ربت لازار على كتفه.
“أشكركَ على تعبكَ. سأعود عند المساء تقريبًا، فضع هذا في بالكَ.”
“نعم، يا سيدي.”
انحنى بودوان ثم غادر وهو يتمتم متذمرًا لا يفهم لماذا عليه فعل كل هذا.
و أغلق لازار الباب ثم استدار. إلى ليونتين المترقبة، و جيرار الذي بدأ حذره يلين، و ديزيريا التي لا تفهم شيئًا، ست عيونٍ كانت تتجه نحوه.
“أعتذر. كان يجب أن أُأَجله إلى وقتٍ آخر، لكن ها أنا كضيفٍ أجلب ضيفًا آخر فوق ذلك.”
“لازار….لا، أقصد، يا دوق بيرتيير.…؟”
فلوّح لازار بيده نافيًا كلام ليونتين.
“لا لا، ناديني كما كنتِ تفعلين. لازار فقط، هذا أريح لي.”
“صحيح، فجيرار بارون.”
“لا يا أمي، الفرق بين الدوق والبارون شاسعٌ جدًا. حتى إن كنا عائلةً بارونية فهذا لا يجعلنا من تلك الأسر العريقة التي تتقدم على الكونتات حتى….”
ابتسمت ليونتين بخجلٍ لكلام ديزيريا، بينما سعل جيرار متصنعًا الجدية.
و حلّ صمتٌ محرج. فغادرت ديزيريا مسرعةً إلى الأعلى حاملةً رزمة الأدوية.
***
خرج لازار مع ليونتين إلى الحديقة تتجول به. و رفع نظره نحو النافذة، فالتقت عيناه بعيني ديزيريا للحظة، لكنها اختبأت بسرعةٍ في مكان لا يمكن رؤيتها منه.
“هل عليّ زيارتها الليلة أيضًا؟”
“هم؟ ماذا قلتَ؟”
“لا شيء يا سيدتي. مجرد حديثٍ مع نفسي.”
“ما هي خطة الدوق بيرتيير إذاً؟”
سألت ليونتين،
“أرغب أن يأتي القائد جيرار وزوجته….أقصد حماي وحماتي إلى الإقطاعية. وبالطبع ديزيريا معهم.”
“يا الهي يا دوق! كيف استطاعت ابنتي أن تأسر شخصًا بهذا الثقل؟”
اكتفى لازار بابتسامةٍ دون تعليق.
أمير أفنديل، دوق فالدريا، ثم دوق بيرتيير….كان للازار ألقابٌ كثيرة.
حتى إن كانت هناك ثلاثة ألقابٍ يمكن اعتبارها مراتب حقيقية، إلا أن ما يمكنه الكشف عنه الآن هو لقب الدوق بيرتيير فقط.
سيأتي يومٌ يبوح فيه بالحقيقة، لكن الآن يجب أن يقترب منهم لا بوضعٍ متعالٍ ولا بضعف، بل باعتدالٍ محسوب.
“هل تشعرين بالعبء؟”
“لا، بل بالفخر. لكن….”
قطفت ليونتين ورقةً ذابلة من إحدى الأزهار. و صمتها جعل لازار يشعر بالتوتر.
“لم أتوقع أن يحين وقت تزويج ابنتي بهذه السرعة. أعلم أنها ستعيش حياةً سعيدة مع زوجٍ يحبها….لكن متى مر الوقت هكذا؟”
فابتسم لازار لها بهدوء.
كان والدا ديزيريا مختلفين تمامًا عن والديه. لذا، لم يكن يريد وضعها في موقفٍ تضطر فيه لترك عائلتها من أجله.
الأحاديث التي لم يستطع مشاركتها مع ديزيريا قبل يومين سردتها ليونتين عليه بفرح، وبذلك لم يحتج أن يحسب خطواته لكسب ودهم؛ فقد كسبه بالفعل.
يا ترى، كيف سيكون الشعور إن أصبح جزءًا من عائلةٍ كهذه؟
***
“لا يجوز أن تذهب هكذا خاليَ اليدين!”
وبّخ الحاكم ابنه فابريس. فأجاب فابريس ببرود،
“هل كان يجب أن أضع في يدها أي خاتماً مرصعاً بالجواهر فقط ليبدو مناسبًا؟ وكأنها ستقبله راضية!”
“اذهب الآن واشترِ شيئًا مناسبًا وقدمه لها!”
“ليس أمامها مكانٌ تهرب إليه على كل حال، والسمكة قد سقطت في الشبكة بالفعل….”
“ما تحتاجه الآن ليس حبيبةً لطيفة، بل شريكةً سياسية. أحب كما تشاء لاحقًا من تريد، لكن زواجكَ يجب أن يكون من ديزيريا!”
أخذ الحاكم علبة خاتمٍ من على مكتبه وألقاها عند قدمي فابريس.
“لقد فكرت….لسنا بحاجةٍ حتى لشراء شيء. هذا الخاتم الذي قدمته لأمكَ عند خطبتها. خذه الآن واذهب واحصل على جواب الزواج فورًا!”
خطف فابريس العلبة، وغادر غاضبًا، بينما الحاكم ينظر إلى ظهره مغتاظًا وهو ينقر بلسانه.
“على الأقل كان عليه أن يكبح طبعه قليلًا حتى الزواج.…”
فتح فابريس الباب بعنف، وكاد يصطدم بخادمٍ يقف خارج المكتب. فارتبك الخادم لكن فابريس رمقه بنظرةٍ حادة فانحنى سريعًا.
وتوجه فابريس مباشرةً نحو المبنى الملحق حيث تمكث عائلة ديزيريا.
“ما هذا الوضع البائس للحديقة.”
قال فابريس ذلك ساخرًا وهو يدخل إلى المنطقة المحيطة بالمبنى الملحق.
______________________
يضحك لازار مرضي بودوان يفضحه؟ 😭 عشان يقول اوميقاش ماتوقعت انفضح كذا بس عادي لاتحسون اني ثقيل😂
المهم جيرار وليونتين اتوقع جاكم العريس المثال بسرعه اقبلوا وهجوا تكفووووووووووووون
ويارب فابريس الحين يتلفظ عليها قدام اهلها عشان ماعاد يفكرون الا ان لازار احسن✨
طبعاً لاتلفظ عايها فابريس يكفخه لازار لازم
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 21"