على وجه ليونتين، والدة ديزيريا، التي كانت تصغي بصمت، مرّت لحظة ارتباك. لكن ديزيريا لم تكن تفكر في التراجع.
“هل تشكّون علنًا في شخص سيصبح فردًا من العائلة؟ هل تستطيعون فعلًا قبولي ككنّةٍ لكم وأنتِ تحملين هذه النية؟”
“لـ….لا، أنا لم أقصد ذلك.…”
تلعثم الحاكم وقد بدا عليه الارتباك.
“إنه شعورٌ مؤلم أن يُساء الظن بي. سأذهب الآن.”
وقفت ديزيريا وانحنت بخفةٍ تحيةً قصيرة، وكانت تدرك أن ما فعلته يُعد وقاحةً أكبر، لكن أحدًا لم يجرؤ على اعتراضها.
سمعت همسات الخدم فيما بينهم فالتفتت قليلًا نحوهم.
“يا لها من رهبة….سيدنا لم يستطع قول كلمةٍ واحدة.”
“أراها مهيبة….ربما لأنها فارسة؟”
“لا تفكر حتى في تقليدها. إن فعلتَ ذلك فستقع في ورطةٍ كبيرة.”
ولحسن الحظ لم يكن الحديث خطيرًا لدرجة أن يستوجب تدخلها، فعادت بهدوءٍ إلى غرفتها.
***
ويبدو أن عشاءها بقي عالقًا في صدرها، إذ لم تشعر ديزيريا بحالٍ جيد.
أما إينياس الذي أكل اللحم الذي أعطته إياه فكان ينام بسلامٍ في مكانه.
طرق لازار نافذة الشرفة للمرة الثالثة. و بدأت ديزيريا تفكر أنها ستشعر بالفراغ لو توقف عن المجيء.
و عندما فتحت الباب، ظهر وجه لازار المبتسم، لكنه ما إن رأى شحوب وجهها حتى تجمد تعبيره فجأة. ثم سألها،
“هل أنتِ مريضة؟”
“لا شيء مهم….بطني فقط ليست على ما يرامٍ قليلًا.”
إن كان مجرد اضطرابٍ في المعدة فذلك جيد، لكن الحقيقة أن الصداع كان يفتك بها.
لم تكن تريد أن يرى لازار وجهها المتألم، لكن ملامحها كانت تتجهم رغمًا عنها.
“هل قلتُ لكِ من قبل أنني أعرف شيئًا عن الأعشاب الطبية؟ هل أحضر لكِ دواءً؟”
وضع لازار يده على جبهتها فوجد عليها عرقًا باردًا.
فأبعدت ديزيريا يده ومسحت جبينها بطرف كمها.
“سأتدبر أمري.”
“سأجلب لكِ شيئًا جيدًا.”
“الآن؟ سأتحسن غدًا على الأرجح.”
كانت الحيوانات البرية لا تُظهر ألمها أو مرضها، لأن إظهار الضعف يعني أن تُفتَرس أو تُطرد من القطيع.
وكان لازار يعلم أن إصرار ديزيريا على أنها بخير يأتي من هذا المنطلق.
“يبدو أنه لا ينبغي لي إزعاجكِ الليلة. ارتاحي.”
ورغم إصرار ديزيريا على أنها بخير، أومأ لها لازار بأن تذهب وتستلقي.
وبعد شدٍ وجذب استسلمت أخيرًا وغطت نفسها بالغطاء. و تمددت على ظهرها، ثم على جانبها، ثم عادت لتتقلب قليلًا، وعندها انسحب لازار بهدوء.
شعرت وكأنها حلمت قليلًا، لكنها لم تتذكر أي تفاصيل. و لم يبقَ في ذاكرتها سوى صورةٍ باهتة لشاطئ ردوريكا، شمال شرق فاسيديا.
‘هل أعود لأحداثٍ مضى عليها ما يقارب العشر سنوات….يبدو أنني متعبةٌ حقًا.’
غطت عينيها بذراعها، وبالفعل غلبها النوم بسرعةٍ على غير عادتها.
لم تعرف متى نامت، لكن صباح اليوم التالي جاء سريعًا.
استيقظت ديزيريا على أصواتٍ قادمة من الطابق السفلي، وكان صوت ضحكة والدتها ليونتين رنانًا.
“صدقني، الرجال أكثر وفاءً من النساء أحيانًا.”
“هل أفهم من كلامكِ أن هذا يعني الموافقة؟”
“ابنتي تشبه والدها، تبدو هادئةً من الخارج لكنها طيبةٌ جدًا من الداخل، فقط لا تجيد التعبير.”
“يمكنكِ التحدث معي بدون تكلف، فأنا تقريبًا في عمر ابنتكِ.”
“حقًا؟ إذًا سأتكلم براحة.”
كانت ديزيريا مذهولةً وهي لا تعلم ما حدث أثناء نومها.
صحيحٌ أن والدتها ليست سطحية، لكنها شعرت بأنها قالت شيئًا محرجًا.
أسرعت بترتيب ملابسها ونزلت الدرج. فقد كان عليها التدخل قبل أن تظهر لدى والدتها تلك الروح الطائشة التي تشتهر بها عائلتها.
وحين دخلت غرفة الاستقبال، حيّتها ليونتين،
“صباح الخير!”
فابتسمت ديزيريا بخفة.
في العادة كانت ستذهب لتعانقها وتقبّل خدها، لكنها شعرت بالخجل لفعل ذلك أمام الضيف.
لم ترَ من الضيف سوى مؤخرة رأسه ونظره نحو باب الغرفة.
“هل نمتِ جيدًا؟”
خرج صوتٌ رقيق مألوفٌ جدًا بالنسبة لديزيريا.
استدار الضيف مبتسمًا ببشاشةٍ وسألها، فتجمدت مكانها وهي تتساءل: ما الذي يحدث هنا؟
ضيف الليل….لازار، ظهر الآن ضيفًا رسميًا لدى أمها في وضح النهار.
ومسألة أنها استيقظت بمظهرٍ غير لائق كانت آخر همومها، إذ لم تعرف هل تتصرف وكأن شيئًا لم يكن أم تعترف بمعرفته.
كان من غير الجيد أن تعلم والدتها أنه كان يزورها ليلًا، ورغم أن شيئًا لم يحدث، إلا أن الموقف مربك.
لكن لازار بادر بالحديث وكأنه يعرفها حق المعرفة، فازداد ارتباكها.
“أنقذتِ حياتي يومًا ما عندما هاجمني دبٌ في منطقة الصيد وكنت سأُتركُ حينها، ثم غادرتِ دون حتى أن تتركي اسمكِ! هل تعرفين كم تعبتُ حتى عثرتُ عليكِ يا منقذة حياتي؟”
فابتسمت ديزيريا ابتسامةً محرجة.
‘أجل، كان ذلك صحيحًا. باستثناء ذلك الوقت، لم تكن لقاءاتي مع لازار إلا ليلًا، فنسيتُ الأمر لحظة.’
“هل تعافت آلامكِ كلها؟”
سأل لازار، فكادت ديزيريا أن تقفز رعبًا.
هل ينوي الإفصاح أنهما التقيا البارحة ليلًا؟
“يبدو أن وجهكِ ما يزال شاحبًا.”
راحت ليونتين تتفحص وجه ابنتها. ثم لوّح لازار بالحزمة الموضوعة على الطاولة.
“بوسدوين أصيب بوعكة، فحضّرت له بعض الدواء، وتصادف أن والدتكِ أخبرتني أنكِ مريضةٌ أيضًا. يا لها من مصادفةٍ لطيفة.”
ضيّقت ديزيريا عينيها.
كان لازار يتلاعب بها، يوهمٍ كأنه سيكشف زيارته الليلية ثم لا يفعل. و لحسن الحظ، بدا أن والدتها لم تشعر بشيء.
يا لروعة هذه المقدرة على التمثيل. لعل الثعلب الذي يخدع كلاب الصيد ليس ببعيدٍ عنه.
وقد اشتعل غضب ديزيريا فجأة، فاقتربت من والدتها وخطفت حزمة الدواء من يد لازار.
“يا ابنتي، ما بالكِ هكذا متجهمة؟ هل من اللائق أن تتصرفي هكذا أمام من تفضّل وأتى لكِ بالدواء؟”
“لم أتجهم.”
أجابت ديزيريا بلهجةٍ حادة قليلًا، وقد تملكها القلق لأنها شعرت أن غضبها كُشف.
“قد يكون طعمه مرًا ويصعب تناوله. لذلك وضعتُ بعض الحلوى معه أيضًا. خذيها مع الدواء.”
واصل لازار استفزازها وكأنها طفلةٌ صغيرة.
“كفاكَ مزاحًا. هل أنا طفلةٌ برأيكَ؟”
“لا. ولا فرق بين عمري وعمركِ إلا بضعة أشهر. فلماذا أعاملكِ كطفلةٍ يا ترى؟”
فتحت ديزيريا عينيها على اتساعهما وهي تلتفت إلى والدتها.
إلى أي حدٍ تحدثت أمها معه حتى عرف تاريخ ميلادها أيضًا؟
“ثم إنكِ تحبين الحلوى، أليس كذلك؟”
“هل يوجد شخصٌ لا يحب الحلوى أصلًا؟”
“لقد وجدتُ بعضهم.”
ارتسمت على وجه ديزيريا ملامح امتعاضٍ خفيف.
أما ليونتين فلم تهتم بانفعال ابنتها، وظلت تبتسم للزار، وهو الآخر ابتسم،
“هل يمكنني البقاء قليلًا؟ أريد أن أتشاور حول خطة السفر، وأود أيضًا مقابلة والدكِ.”
“طبعًا، ولمَ لا!”
ارتبكت ديزيريا أكثر عند ذكر “خطة السفر”.
إن كان المقصود من “الخطة” هو عرضه السابق بالهروب معًا، فأين تقع قصة “حب المخلص” إذاً؟
ثم فتح جيرار الباب عائدًا من ساحة التدريب.
“ما هذا؟ لمن هذا المعطف؟ هل عندنا ضيف؟”
“مر زمنٌ طويل!”
مد لازار يده نحو جيرار بحرارة، وكأن لازار هو صاحب البيت وجيرار الضيف.
“هاه؟ من هذا؟ أليس ذاك المرتزق الذي جاءنا سابقًا؟”
ضيّق جيرار عينيه وهو يحدّق في لازار بنظرةٍ متحفظة، لكن لازار ابتسم ببشاشة.
“نعم صحيح. التقينا منذ أيامٍ قليلة أيضًا. أتذكر رحلتكَ إلى ردوريكا قبل تسع سنوات؟ أنا لازار الذي التقيتَ به حينها قليلًا.”
“لازار؟”
لقد ذهبوا إلى ردوريكا أكثر من مرة. و حاولت ديزيريا أن تنبش ذاكرتها لتتذكر إن كانت قد التقت به في تلك الفترة، لكن الأمر كان قديمًا جدًا، حتى أنها نفسها لم تتذكر جيدًا، فكيف سيتذكره والدها؟
“آه! ذلك الشاب! لقد كبرتَ حقًا!”
انفرج وجه جيرار الذي كان يفكر بعمقٍ قبل لحظات. فنظرت إليه ديزيريا برجاء بعينيها تطلب تفسير ما يحدث، لكن والدها لم ينتبه إليها.
“مر وقتٌ طويلٌ حقًا. ما الذي جاء بكَ؟ لا أظننا أعطيناك عنوان البيت حتى، ومع ذلك وجدته بسهولةٍ فيما يبدو.”
“كنتُ في فرقة مرتزقة، لكن الظروف لم تسمح أن ألتقي بكم. أما عنوان البيت فتوصلت إليه بعد سؤالٍ وبحث.”
ابتسم لازار ابتسامةً واسعة. أما ديزيريا فألقت الحزمة كيفما اتفقت ثم نظرت إلى والدها. بينما أشار جيرار للازار بالدخول.
“حسنًا. يبدو أنكَ بخير.”
“إن كان يمكن اعتبار ذلك خيرًا أو شرًا….لماذا لا تزورون إقليمي بأنفسكم وتتحققون؟”
فخطر ببال ديزيريا فجأة: هل لازار نبيلٌ أو حاكم منطقة؟ لكنها سرعان ما نفت الفكرة. فليس من المعقول أن يكون حاكمًا ويجول كمرتزق.
“هل تعرفون منطقة بيرتيير؟ جنوب آفنديل.”
“لا أظنني أعرفها.”
“ليست كبيرة، لكنها مكانٌ مناسب للعيش.”
ثم نطق لازار بالجملة التالية، فاتسعت عينا جيرار ذهولًا.
“فدوق بيرتيير، السيد ثيودور، يرغب في خطبة ابنتكَ.”
______________________
اظنه صدق دوق ولا؟ لأن اسمه الثاني ثيودور😂
بس يضحك ماعلم ديزيريا انه دوق وجا يسوي سبرايز وفجعه لها مره وحده😭
التعليقات لهذا الفصل " 20"