كانت قد رأت أكثر من مرةٍ أناسًا في الشارع يرمون الحجارة على النوافذ الصغيرة لجذب انتباه صاحب الغرفة، لكن الصوت هذه المرة لم يكن صوت حصاة. كان صوت شخصٍ يقف على الشرفة ويطرق بيده.
“وما السبب الذي يجعلكِ تختارينني حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن تلك الأوهام؟”
“ليس فقط لأنني أكره الطرف الآخر في هذه الزيجة. إن تزوجتُ ذلك الرجل، فسأموت بلا معنى.”
نظرت ديزيريا نحو الباب للحظة.
“بالطبع، ليس فورًا. هناك أمورٌ يجب حلها أولًا.”
الحاكم سيموت قريبًا، وإسقاط فابريس يمكن فعله حتى دون البقاء في فاسيديا.
المشكلة هي بيت الحاكم نفسه، فإذا تم التعامل مع فابريس، فسيحسن سكان الإقطاعية التصرف من تلقاء أنفسهم.
لكن ديزيريا كانت قلقةً بشأن والدها.
كيف يمكنها الهرب دون أن تُوصم بالخيانة؟
“هل تستطيع أنتَ….أن تخون ملككَ؟”
“ملكي؟”
اتسعت عينا لازار دهشةً عند سماع كلمة الملك.
فشرحت ديزيريا مجددًا.
“ليس بالضرورة ملكًا، بل الشخص الذي تخدمه.”
“لا أعترف بوجود سيدٍ لي أصلًا. إذاً لا معنى للخيانة من الأساس. ثم ماذا في الخيانة؟ إن كان السيد إنسانًا فاسدًا، أليست خيانته أمرًا طبيعيًا؟”
“صحيح، أنتَ مرتزق. لكن أبي فارسٌ نظامي.”
وفكرت ديزيريا أنها لم تُعيَّن يومًا فارسةً نظامية.
ومع التفكير في عائلة فابريس، لم يكن من السيئ ألا تكون قد أقسمت الولاء في المكان الخطأ. وفي زمن الحرب، لا يهم كثيرًا إن كان المرء فارسًا نظاميًا أم لا، ما دام يعرف القتال.
“وما شأن والدكِ؟”
“لا بد من إيجاد مبررٍ مقنع لأقنعه بالرحيل معنا.”
“ألا يمكنكِ الرحيل وحدكِ؟”
لم تكن تلك الفكرة غائبةً عنها. أن تختفي فجأة كما يتلاشى الدخان.
فهزّت ديزيريا رأسها.
“لا أريد قطع كل شيءٍ بهذه السهولة. هل تعرف لماذا اخترتكَ أنتَ، لا فابريس، ذلك الأحمق؟”
“قلتِ أن الأمر ليس مجرد كرهٍ للزواج السياسي. ومن الصعب القول أنكِ اقتربتِ مني لأنكِ منجذبةٌ إلى خلفيتي، فأنتِ في الأصل لا تعرفين عني كل هذا القدر.”
ارتبكت ديزيريا عند نبرة لازار التي أوحت بأنها اقتربت منه دون أن تعرفه حقًا.
بعد ثلاث سنوات كان سيحاول إنقاذها، لكن لسببٍ ما عاد الزمن إلى الوراء، وهذه المرة قررت أن تتبعه قبل أن تموت بلا معنى.
لم يكن بوسعها أن تصارحه بذلك.
لم تكن تعتقد أن لازار سيعدّها مجنونة، لكن التفوه بمثل هذا الكلام علنًا قد يجرّ عليها تهمة المسّ الشيطاني لا معجزة العودة بالزمن، ويقودها رأسًا إلى محكمة التفتيش.
“إن رحلتُ وحدي فسيتعرض والدَيّ للاستجواب. لا أريد أن أتركهما يذوقان الإذلال. لذلك أريد أن أضع بين يديكَ مصيري، ومصير عائلتي أيضًا.”
“يبدو أن خطيبكِ المنتظر غير جديرٍ بالثقة إلى هذا الحد.”
“ذاك الإنسان حثالةٌ قادرة على إبادة كل من يمتّ إليه بصلة دم، سواءً كانوا من عائلته أو من عائلة زوجته.”
صرّت ديزيريا على أسنانها.
كان فابريس من النوع الذي يفرّ في زمن الحرب مع قلةٍ قليلة لا تهتم إلا بحماية جسده.
“إذاً، أنتِ تثقين بأنني سأحمي عائلتكِ؟”
ابتسم لازار ابتسامةً جانبية. و رفعت ديزيريا نظرها إليه.
كان اختيار لازار مقامرةً بحد ذاته. و تذكرت مقولة مؤرخٍ شهير مفادها أن الزواج هو إدخال غريبٍ إلى نواة العائلة.
لكن كيف ستشرح هذا الاختيار لوالديها، وهما جوهر تلك العائلة؟
“نعم. أنا أؤمن بذلك. قد لا يفعل الآخرون، لكنني أفعل. لذا تزوجني وكن فردًا من عائلتي.”
“آه، إذاً أنا لستُ الخيار الأمثل، بل مجرد بديلٍ لتفادي أسوأ الاحتمالات؟ هذا مخيبٌ بعض الشيء.”
“لو كنتَ مجرد بديل لما بذلت كل هذا الجهد. أعلم أن طلب الخطوبة دون حبٍ تصرفٌ أناني، وأنا آسفة.”
“بما أنكِ فتحتِ الموضوع، فلنقدم عليه أولًا ثم نفكر لاحقًا. لا يزال لديكِ الكثير لتقوليه لي، أليس كذلك؟”
“إن حسبناها بسخاء، فثلاث سنواتٍ تكفي.”
“وما قيمة ثلاث سنوات؟ لقد أهدرت تسع سنواتً كاملة. ألا يجدر بنا الاحتفال باليوم الفضي؟”
تساءلت ديزيريا عمّا الذي حدث قبل تسع سنوات ليشدد عليها هكذا، ثم إن اليوم الفضي يعني مرور خمسةً وعشرين عامًا من الزواج.
“حسنًا، لا بأس.”
أجابت ديزيريا وهي في حيرة.
كما قال لازار، فلنقدم على الأمر أولًا، ويمكن التفكير في المدة والتفاصيل لاحقًا، عند كتابة عقد الزواج مثلًا.
“جيد. إذاً سأغادر الآن.”
أزاح لازار خصلة الشعر التي انسدلت فوق عيني ديزيريا، ثم تجاوز درابزين الشرفة واختفى.
***
كانت ديزيريا تتردد أمام مكتب الحاكم.
ندمت لأنها طلبت من الخادمة إبلاغه بأنها ستزوره صباحًا. كان الأجدر بها أن تطلب مهلةً للتفكير.
“لماذا تقفين هنا ولا تدخلين؟”
كان فابريس هو من جاء. فازدادت ملامح ديزيريا المتجمدة برودة.
و تقدم فابريس نحو الباب. بدا وكأنه يحاول إظهار الهيبة، لكن في عيني ديزيريا لم يكن سوى متغطرسٍ غارقٍ في الوهم.
وقبل أن يفتح الباب، التفت إلى الخلف. و أدرك متأخرًا أن ديزيريا تقف بعيدًا.
“ألم تأتي لتتحدثي مع أبي؟”
“ادخل أنتَ أولًا. سآتي لاحقًا.”
أغمضت ديزيريا عينيها ولوّحت بيدها. فقد كان رأسها ينبض بالألم.
كلما ظنت أنها نسيت، انهالت عليها الهموم من جديد. شعرت وكأن أحدهم يمسكها بطوقٍ من مكان مرتفع ويهزّها.
التعليقات لهذا الفصل " 11"