لقد كان اللورد سوريون الأصلي وفيرمين، ويبدو أن الفتى قد كُشفت خدعته…
نظرت للشخصين القادمين بهدوء، وعندما اقتربا، كان فيرمين الذي يبدو أنه عاد من مهمته مباشرة والآخر هو تيدي سوريون الأصلي كما رأيته سابقاً، لكن فيرمين عندما نظر للفتى المخادع وسع عينيه العسليتين، ويبدو الآن أني فهمت لِمَ كان الفتى مألوفاً…
نظرت للمخادع الذي أمسك بياقته روكان، لم يكن الفتى قوياً بل كان هشاً وضعيفاً فلم يقاوم بل أغمض عينيه، ولأن اللورد الشاب نبيل طفل مدلل اقترب من الفتى وأراد ضربه..
“توقفوا جميعاً..”
لقد تكلمت بحزم وقسوة، توقف تيدي وابعد روكان يده عن الفتى وصمت البقية، ونظرت لأيان المصدوم والذي على وشك أن يبكي، اقتربت من طفلي وحملته بلين وهدأته قليلاً ثم نظرت لروز التي أخذت أيان لغرفته..
التفت للشبان الأربعة ونظرت لتيدي بنظرة قاسية وباردة جعلته يتراجع للخلف، حتى أن الثلاثة جفلوا، تنهدت وجلست بفخر وتكلمت بهدوء:
“لنسمع قصصكما، لورد تيدي سوريون… بما أنك الضحية فتكلم أولاً”
كتم تيدي غضبه وتكلم:
“لقد تم اختياري من ضمن المرشحين الستة عشر لمقابلة سموكِ، لكني كنت مضطراً لقضاء حاجتي بسرعة، فوجدت هذا العامي القذر وأخبرته أن يحرس أغراضي حتى أذهب بسرعة وأعود، عندما عدت وجدتهم جميعاً قد دخلوا ولم يُسمح لي بالدخول لأن العدد كامل، ولقد تم ترك أغراضي كما كانت، هذا العامي سرق هويتي ليدخل، ربما سرق من أغراضي، سيدتي أرجوكِ عاقبيه…”
نظرت لفيرمين الذي كان غاضباً بسبب تيدي أكثر من الفتى المزيف الهادئ والمتردد، نظرت للفتى وقلت:
“أخبرني قصتك وقبل هذا اسمك…”
كان الفتى متردداً ومتوتراً كما تبدو شخصيته:
“أءء، أنا… غورين نيفا..”
كتم صوته في نهاية كلماته، نظرت لفيرمين الذي تحاشى نظراتي وإلى روكان الصامت بدون أن ينبس بحرف، تيدي لم يفهم شيئاً وهذا أفضل، تنهدت ثم قلت:
“سير نيفا، قل قصتك…”
أخفض غورين رأسه وتكلم بصدق وصوت مهزوز:
“لقد كان ما يقوله السيد صحيحاً، لقد طلب مني ذلك، ولكن أقسم لم أقترب من أشياءه وأخبرت الفارس الذي على الباب أن أحدهم سيأتي ويأخذها ليعتني بها، ولقد انتظرت حتى أصل للسيدة وأريها عملي وأقسم أني كنت سأخبركِ بالحقيقة….”
“لِمَ لم يتم اختيارك بين المرشحين؟! “
“لقد طُلب من كل من تقدم تقديم عمل، والأعمال الجيدة يقبلونهم، ولكني لم أرِهم شيئاً، لأنها تقنية مختلفة ولم أستخدمها سوى مرة واحدة من قبل…”
“هل نجحت تلك الخدعة الغريبة؟! “
تكلم فيرمين بلا وعي بنوع من الدهشة والاستغراب، نظر غورين لفيرمين وقال بصوت متحمس…
“أجل، لقد نجحت ولقد التقطت صورة فيولا… أنظر”
أخرج غورين بحماس قطعة قماشية تشبه الورق نوعاً ما وأظهرها لفيرمين الذي لمعت عيناه، لقد شعرت بالكثير من الفضول، ثم أشرت لفيرمين المتأثر بإعطائي القطعة، فتنهد وسلمها لي…
اندهشت، لقد كانت شابة جميلة تبدو في عمري بشعر أرجواني أفتح قليلاً منهما وعيون عسلية مشرقة، كانت الفتاة مألوفة نوعاً ما، عرفت سبب تأثر فيرمين البارد، تبدو شخصاً يعتزان به جداً، وللحقيقة كانت الصورة متقنة جداً…
نظرت لتيدي الذي كان يشعر بالظلم لتجاهله ثم تكلمت:
“لورد سوريون، أنت مخطئ لتعاملك مع العامة كعبيد وخدم لك، ولكن بما أنك ضحية ستحصل على فرصة لرسمي، وإذا لم تنجح في نصف ساعة، فلن أرى وجهك في القصر مرة أخرى… غورين نيفا وأنت مخطئ بسرقة هوية أحدهم، فإذا لم تنجح في الاختبار سوف تُنفى من مقاطعة ألتان بأكملها، وإذا نجحت ستعمل لدي بنصف راتب أمثالك لمدة عام وستكون موجوداً في القصر لمراقبة أفعالك…”
رغم أنه عقاب قاسٍ، لكنه يجب أن لا أترك الأمور تفلت من يدي حتى لا يتجرأ أحد علي…
كاد غورين يخرج أدواته لكني تكلمت أولاً:
“لورد سوريون ابدأ أنت أولاً…”
نظر تيدي لغورين بنوع من الاحتقار والتعالي ثم جلس على كرسيه وبدأ بالعمل على أدواته الفاخرة، قبل أن يبدأ أشرت لروكان أن يأتي، فهمست له بسرية:
“أخبر غورين بعدم عرض تقنيته على أي أحد حتى الخدم هنا، عندما يخرج اللورد سوريون سيبدأ اختباره..”
أومأ روكان وتحرك باتجاه الأخوين اللذين لا يبدو أنهما منسجمان أو أن هناك خلافاً كبيراً بينهما، وتكلم بسرية معهما وأومأ الاثنان وظلا واقفين بهدوء…
أنهى تيدي رسمي، وكما توقعت لم يكن ذا موهبة خارقة، كانت مهاراته عادية، لقد كان في حياتي السابقة يسعى ليكون رساماً لكنه فشل في بداية مشواره ولقد كان فاشلاً في أي عمل يقوم به، وهو شخص غير مفيد بالمرة، لكني سأقوم بصفعه ليتعلم جيداً…
نظرت للرسم ولتيدي بنظرات باردة ثم تكلمت:
“سيد سوريون، يمكنك الانصراف قبل أن تُطرد من القصر… أتسمي هذه القمامة رسماً؟ أتعلم لو تعلمت احترام الجميع ربما لنجحت في أمر ما، لكنك مغرور أحمق وفارغ من الداخل… فكر في الآخرين قليلاً لعلك تجد ما تبحث عنه”
ربما الجملة الأخيرة تنطبق علي أيضاً، صدم تيدي لكلماتي اللاذعة أخذ أدواته وغادر بانكسار، أعلم أنني قسوت عليه بكلماتي، لكن يجب على الجميع التعلم…
بعد أن انصرف تيدي، التفت لغورين وتكلمت:
“ابدأ…”
“هل يمكن للسيدة تغيير الزاوية قليلاً؟! “
“…”
أملت رأسي بحيرة لكنه تكلم بابتسامة وبشجاعة ونظرة عملية، لقد اختفت هالة الفتى المتردد والقلق وكان هناك وجه شخص شغوف بما يعمل، ويبدو الأمر جيداً:
“للسيدة وجه جميل وعيون مميزة، وبما أن الشمس بدأت تغرب ستكون الزاوية تلك مناسبة، سيظهر الشفق ليتناسب مع عيني السيدة… لن يأخذ الأمر سوى دقيقة، إذا أرادت سعادتكِ الوقوف، أو..”
أشار لمكان معين وكانت حديقة الزهور البيضاء وكانت أشعة الشمس الأخيرة تنعكس عليها بلونها الأحمر مما جعلها تتدرج من الأبيض إلى الأحمر المحترق، وقفت بين الزهور واتخذت الوضعية التي طلبها غورين، ووضع أدواته بطريقة متقنة وكان حجم الآلة كبيراً بحجم طفل وتقف على عمودين، أعطاني الإشارة لأقف بثبات….
سبلاش !!
سطع ضوء أبيض من الآلة واعتدل غورين في وقوفه، ثم سحب قطعة قماش فارغة وكبيرة بحجم لوحة وسلط جوهرة معينة متصلة بالآلة، تحولت القطعة القماشية إلى انعكاسي، اقتربت لأرى الصورة بوضوح وكانت رائعة جداً ومتقنة…
لم تقل دهشتي عن فيرمين وروكان، نظرت للفتى المترقب والمتردد، ضحكت بداخلي، إنه فتى عجيب عندما يبدأ العمل يصبح شخصية هادئة وواثقة ويعمل بإتقان وينسى حتى نفسه… أحب هذا النوع من الأشخاص…
“لقد نجحت في الاختبار، ستظل في القصر طوال العام بدءاً من اليوم…”
“سيدتي لا أستطيع…”
“لِمَ؟! “
“فيولا في المنزل وحيدة، وتنتظر عودتي عند المساء…”
فكرت قليلاً، هذا الفتى هو بالتأكيد الشقيق التوأم لفيرمين الذي حدثني عنه في حياتي السابقة…
[ “لِمَ لا تأخذ إجازة لورد نيفا؟! “]
[ “لِمَ آخذ إجازة أصلاً؟! لا أحتاجها “]
[ “أليس لديك عائلة أو حبيبة تنتظرك؟ “]
[ “لا يوجد امرأة ستنظر لي، وعائلتي الوحيدة بعد وفاة والداي اختفت، بحثت عن أخي التوأم ولكنه اختفى في ظروف غامضة وأختي الكبرى ماتت بسبب المرض، لم يبقَ لي أحد، وأخي إنه أضعف مما تتخيلين، لا أعتقد أنه حي…”]
يبدو أن القدر أراد أن أجد فيرمين مبكراً لأجل أن أحمي هذه العائلة لذا، لِمَ لا نساعدهم ونكسبهم لصالحي؟! …
“أعطني العنوان وسيذهب الفرسان لأخذها”
تردد غورين وكان قلقاً، فتكلم فيرمين بثقة وصدق:
“الدوقة شخص صالح لا تقلق..”
لا أعلم لقد شعرت بالامتنان ونظرت لغورين المرتبك الذي قال:
“سيدتي… أختي لن تحب أن تكون عبئاً على أحد…”
لقد أحببت هؤلاء الإخوة حقاً، فنظرت لفيرمين وغورين وقلت:
“لا بأس، سأجد لها عملاً في القصر…”
كان فيرمين مندهشاً لكن غورين تكلم بقلق:
“أختي بكماء لا تستطيع الكلام، ولديها جسد أضعف قليلاً من الآخرين…”
“سأجد لها عملاً مناسباً، لا تقلق…”
نظرت لفير الذي اندهش وغورين الذي ابتسم بارتياح وقال العنوان بسلاسة، نظر فير بصدمة لأخيه وقال:
“هل تركتما القرية؟! “
أخفض غورين رأسه وقال بإحباط وغضب مكبوت:
“نعم، بسببك أيها الأحمق…”
أخفض فير رأسه وكان مغتاظاً أكثر من كونه حزيناً، ثم تذكرت أنا أمراً:
“سير نيفا! كم الوقت المطلوب بين الصورة الأولى والتالية؟! وهل التقنية مكلفة؟! أخبرني أكثر عن التقنية….”
ذهب الصوت المهزوز لغورين وبدأ انضباط العمل خاصته وبدأ بالشرح:
“بين الصورة والأخرى نصف ساعة حتى يتم إعادة شحن الآلة، وهي تعتمد على حجر سحري واحد يمتد لعشر سنوات ومجوهرات مثل الزمرد والألماس والياقوت وغيره ومدته من عامين إلى خمسة أعوام، يعتمد على تركيز الجوهرة، ولكن إذا كان الحجر الكريم ذو تركيز قوي جداً قد تصل المدة بين الصورة والصورة عند التطوير إلى عشر دقائق. إن التقنية مكلفة لي، لكن ربما لن يكون مكلفاً جداً لسيدتي، وإذا كان هناك الوقت… ربما قد أستطيع تطوير الآلة ليكون استخدامها أسهل ونقاء الصورة أعلى…”
“إذاً أنت تستخدم حجراً كريماً؟! “
أخرج زمردة أرجوانية بحجم الإصبع وأظهرها لي، فير الذي لمحها سحبها بسرعة من يده وصرخ في وجهه:
“هل أخذت الزمردة من فيولا؟! إنه التذكار الوحيد من والدينا، أنت حقاً أناني…”
ظهر الغضب في عيون غورين وتكلم:
“لا تتحدث عن الأنانية وأنت الذي تركنا ننظف خلفه حتى اضطررنا لترك القرية، أما أنا وفيولا عملنا جاهدين لأكمل الآلة التي تسخر منها، لم نملك قطعة فضية واحدة تستطيع تشغيل الآلة… فاختارت أختي أن تعطيني قلادتها بدل البحث عن المال وأن آتي إلى هنا وأري الدوقة عملي، على الأقل لم أهرب وحدي وأترك عائلتي…”
شعرت بعجز فيرمين عن الكلام لكنه تكلم أيضاً:
“لقد هربت حتى تختفي المصائب، ألستُ أنا سبب مصائبكما؟! …”
“وإن يكن، كان يجب أن تظل، نحن عائلة…”
كانت الدموع تختنق في عيون غورين لكنه يكبح نفسه، شعرت أنه يجب علي الآن أن أتدخل:
التعليقات لهذا الفصل " 9"